.jpg)
للشوارع رائحة المال المنهوب، للواجهات طرحة سوادٍ من الجوع. قالت تلك الكلمات وكأنَّها تحدّث المجهول، استمرت بالبكاء صمتاً بين الصخب وهتافات الثوار، تستمع إلى أناشيد، تصاريحٍ، هرجٍ وبكاءٍ يتحاور مع بكاءٍ. ضجّت في رأسها خواطرٌ متباينة، عاودتها صُوَر الهلع أثناء الحرب اللبنانية. أعادتها صفارات الإسعاف إلى تلك الأزقة الضيقة المملؤة دماً وركاماً، أزقةٌ كانت تمر بها مسرعةً كلّما رصدها ورفاقها رصاص القنص، كثيرٌ من الدم على الإسفلت الذي ليس له حيلةٌ لامتصاصه، يجري سيلاً تستحم به أقدام المقاتلين.
الآن هذه الهتافات تعرفها، تسري في جسدها قشعريرة يختلط عذبها الماضي بعذاب الحاضر وتتداعى الذكريات. تشق الخوف وتسير نحوه، يفتح أبوابه أرجوحة لهلعها المرتسم على صفحات الروح. إنها الثورة! طالما راودتها تلك الفكرة وطالما أنشدت نشيدها مع ثوار خياليين. تلّف العَلَمَ بذراعين من حبٍ في جنونٍ ناعمٍ. راحة يديها تبحثان في خارطة جسد الساحات عن بقايا كرامةٍ كانت غذاء الشرفاء، وفي ذاكرتها صورها القديمة قبل سوليدير.
تتعانق أمنيات الوطن على صخب الحناجر وقرقعة الطناجر. شهقات أترابها على وطنٍ كبّلوه كالشاة وساقوه إلى الذبح، جعلت ابنتها تزيح الغطاء الحزين الذي شرب دمع ماضيها منذ تخرجها، لباس الابنة بألوان الثورة فضح أنين الروح ومجاهل المستقبل الأسود. على الرغم من الحشود لم يكن إلا الفراغ والسؤال عمّا يحيط بهما. كيف حدث ما حدث؟ وكيف اختفت جميع الحقوق ببساطة كقطرة ماءٍ في محيط.
ارتد إلى الصبية صدى أحلام اليقظة. ألِفت نفسها على قاب قوسين تمارس وظيفةً باختصاصها حصلت عليها من دون واسطة. ذرفت دموعاً وعادت إلى منزلها. في حلمها طوّقت القمر ولوّنت عتمة الليل بألوان فجر الوطن المقبل على مهلٍ. تململت قليلاً وصاحت: أمي متى ننزل ساحات الثورة مجدداً؟