#adsense

قائد القطيع الصغير

حجم الخط

كتب انطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1706

أما وقد طوى مار نصرالله بطرس صفير عاما على غيابه الموجع، وهو الذي كان للبنان السيد الحر المتنوع بوصلة في زمن محاولات محو الهوية، ولأحراره ملجأً وقبس نور في ظلام الظلم، ولاستقلاله الثاني أبا ومرشدا، فإن حبريته الحافلة بالتحديات والتحولات القاسية ستبقى نموذجا معبّرا للقراءة والتبصر والتحرّي في الكثير من المغازي والمواقف التي كان يطلقها ببساطة لمّاحة وعلى طريقة «تجاهل العارف».

أتذكّر أنني كنت في مقر نادي الصحافة في مبنى اللعازارية في وسط بيروت، مع الزميل الراحل مؤسس النادي يوسف الحويك، ننتظر البيان الشهري لمجلس المطارنة الموارنة، ولم يكن في خلدنا أنه سيكون بصيغة نداء تاريخي كتب عباراته سيد بكركي بعناية وبقوة شكيمة، جعلته حتما يعبس وهو ينقر أزرار الكومبيوتر الخاص به ويقطب جبينه انفعالا.

لقد صدّقنا بالكاد ما كنا نسمع، فتملّكنا شعور بالاعتزاز والطمأنينة في آن، وقلت ليوسف وزميل آخر انضم إلينا: لقد فعلها البطرك. وأخيرا أطلق مكنوناته ومكنونات شعب أسير بكامله كان ينتظر عبثا فرصة الخلاص.

عرف البطريرك صفير التوقيت المناسب، بعد انتفاء المبررات المساقة لتسويغ بقاء الوصاية والجيش السوري في لبنان، واللحظة كانت إشارة الانطلاق نحو استعادة لبنان وحريته وسيادته. فقد تم الانسحاب الإسرائيلي بموجب القرار 425 في 25 أيار 2000، وكانت الحجة الدائمة أن الجيش السوري باق في لبنان طالما أن اسرائيل تحتل أجزاء من جنوبه. وقد انتظر سيد بكركي بضعة أشهر ريثما تكتمل الصورة ليفتح الباب واسعا أمام انتفاضة الأرز بعدما كسر جدار الخوف والحذر.

وعندما سئل لاحقاعن بعض النقاط الواردة في النداء، أجاب بعبارته الشهيرة: «لقد قلنا ما قلناه»، علامة اكتمال الجواب وعدم الرغبة في الاستفاضة والخوض في متاهات التأويل، لأنه لم يكن يستمرئ المحاباة والمداهنة وتدوير الزوايا في المواقف الوطنية والأخلاقية.

كان البطريرك صفير كما عرفته وعرفت عنه، يشعر أحيانا بأنه وحيدأو شبه وحيد، بل كان يشعر في قرارة نفسه بأن كثيرين يريدون استفراده ولا يحبّذون تدخله في السياسة، علما أنه رفض دائما التدخل في التفاصيل السياسية، وكان يعبّر عن موقفه مستحضرا مبادىء وأفكارا عامة ومن دون تسميات، بل يكتفي بالتلميح والتورية. ومع ذلك، لم يخشَ تقدم الصف الأمامي للمواجهة، لاسيما في ظل اعتقال سمير جعجع ونفي ميشال عون وغياب أمين الجميل، لكنه عرف كيف يتخطى الشعور بالوحدة ومحاولات العزل، وكيف يقود القطيع الصغير بحنكة وشجاعة، وكيف يجترح الفرص والمناسبات وحتى المنابر، على غرار لقاء قرنة شهوان، وعلى غرار عظاته وإطلالاته العفوية شكلا والمدروسة مضمونا.

وكم كان يغلّب الصمت، الصمت المدوّي أحياناً، وقد بقي على ما يقول كثيرون الكاهن والخوري البسيط الذي مع ذلك، عاش حياته أقرب إلى الرهبان عفة وفقراً وحتى طاعةً تجلت في دوره كرجل ظلٍّ لسلفيه البطريركين بولس المعوشي وأنطونيوس خريش، وهو الذي سلّم أيضا بالطاعة للبابا بنديكتوس السادس عشر مقدما استقالته إفساحا في المجال لاختيار خليفة له.

لقد وجد نصرالله صفير في الطبيعة موئلا وفسحة صفاء، سواء في الأحراج المحيطة بصرح بكركي حيث كان يهوى المشي في ظلال الصنوبر والسنديان، أو في وادي قنوبين المقدس وصولا إلى تسلق الدروب الصعبة نحو دير سيدة قنوبين حيث يرقد عدد من أسلافه، وقد ثابر على هذه العادة حتى بلوغه التسعين.

بكركي في ظل البطريرك صفير، هادئة، ودودة، وعلى شيء من التحفظ، في ظل ثلاثي تاريخي. فقد كان البطريرك السادس والسبعون يعتمد كثيرا على المطران رولان أبو جوده نائبه العام صاحب الخبرة والمحاور اللبقوالذي سبقه إلى جوار الرب قبل عشرة أيام. أما المونسنيور ميشال عويط الذي رحل بدوره قبل شهر ونصف على غياب البطريرك صفير، فكان أمين سره والأمين على أسرار كثيرة والضلع الثالث في المثلث، فقد كان أشبه بالخيال الذي يسري إلى جانب سيد بكركي أو حين يسرع الخطى بخفة النسيم في الأروقة، ويبدي حرصا دائما وزائدا على وقت سيدنا ومواعيده، وكأنه عقرب الثواني في ساعة الصرح، بينما أمسك البطريرك الكسرواني بالعديد من أيام روزنامة الكنيسة المارونية والوطن، بعدما عدّل في دلالاتها ومجرى رياحها.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل