.jpg)
أين “القوات اللبنانية” من تاريخ 6 حزيران وما رشح عنه، بعد الأصوات التي همست وأصابع بعض الوجوه المحسوبة على محور الممانعة التي دلّت على رئيس “القوات” سمير جعجع ناسبةً إليه دوراً من أدوار تنظيم التحرّك والمشاركة فيه بأعلام الانتفاضة وشعاراتها؟ طبعاً، الإجابة باتت معلومة عن هذا التساؤل في مقاربة “القوات”، مع التأكيد على عدم اتخاذ أيّ قرارٍ بالمشاركة في أيّ تحرّك سابق أو حاليّ على الأرض، من دون إغفال عامل أن مناصري القوات جزءٌ من الشعب اللبناني والكلّ حرٌّ في التعبير عن رأيه بالطريقة التي يراها مناسبة ضمن الضوابط القانونية والأخلاقية.
يعيد نائب رئيس الحكومة السابق غسان حاصباني التأكيد على هذه المعطيات، متعمّقاً في شرح مشهد 6 – 6، في قوله ردّاً على أسئلة “النهار” إنه “إذا كانت قد تعدّدت وجهات النظر خلال التحرك الأخير، إلّا أن المقاربة الأساسية ارتكزت على مسبّبات الحالة الاقتصادية والمالية التي وصلت البلاد إليها والتي ليست بمعزل عن الحالة السياسية، إذ لا يمكن الاختباء وراء الإصبع والقول إن مسبّبات الوضع المالي مقتصرة على العوارض المالية، فثمّة مسبّبات أساسية ليست في كليّتها متعلّقة بقرارات مالية واقتصادية، بل مرتبطة بالوضع السياسي الذي كان سائداً في السنوات الثلاثين الماضية وتحديداً في السنوات العشر الأخيرة. وساهم هذا الوضع السياسي في إيصال الأوضاع إلى ما آلت إليه. فلماذا استثناء جوانب والتركيز على جوانب أخرى، في وقت أنّ المعادلة مترابطة، ويعبّر المواطنون عنها بعدما انتقلوا من التعبير عن العوارض إلى بدء التحدّث في تفاصيل المسبّبات بشكلٍ أوسع؟”.
مصطلح “فتنة” الذي راج في الساعات الاخيرة، يفسّره حاصباني في خانة التعبير المُستخدم، إلا أن الشعب اللبناني يتمتّع بكامل الوعي في رأيه، ويعلم المسبّبات الحقيقية لمشاكله ويريد حلّها. وما يوقف التشنج على الأرض هو إعادة الوضع الاقتصادي تدريجيّاً وبشكل سريع إلى طبيعته من خلال الإصلاحات التي لا بدّ منها فعلاً لا قولاً.
وهنا يشدّد حاصباني على “أننا لم نلحظ أيّ تفصيل إصلاحيّ حقيقيّ، والعبرة كانت وتبقى في تطبيق الإصلاحات في وقت لا خطط جديدة تطرح بل أفكار وضعت سابقاً. كان الوضع السياسي المتشنج والقرار المتّخذ ضمن منظومة سياسية قد عطّل الحكومات السابقة، ولا يزال يعطّل الحكومات الحالية حتى بين الحلفاء الذين يتبنّون وجهات نظر قريبة. لكن الاختلافات السياسية تعطّل التعيينات واتّخاذ خطوات سريعة بالإصلاحات، في وقت تتعدّد فيه وجهات النظر في شتّى الملفات الإصلاحية ضمن الفريق الحليف الواحد. لذلك إذا لم تتوافر الاستقلالية الكاملة للحكومة والعمل التنفيذي الفوري لخطوات إصلاحية، ومنها التعامل مع موضوع الوظائف الفائضة في الدولة وموضوع إصلاحات قطاع الاتصالات الذي يدخل في حال من فوضى في مرحلة انتقالية تذكّرنا بما حصل مع مرفأ بيروت في أوائل التسعينيات، عندما سلّمت الدولة لجنةً موقّتةً لإدارته وهي لا تزال موقّتة حتى اليوم. نتمنى ألا ينسحب ذلك على الاتصالات وإصلاحات قطاع الكهرباء إذ لا بدّ من مناقصات شفافة بدلاً من العقود بالتراضي، وتكمن الإشكالية في نسف مقاربة إدارة المناقصات الشفافة والذهاب إلى تفاوض مباشر بين الوزير وشركات يصوَّر على أنه تفاوض من دولة إلى دولة، لكنه تفاوض مباشر وعقد بالتراضي من قبل هذه الحكومة مع شركات لإنتاج الطاقة لمعمل بسعة تصل إلى ألف ميغاواط. ولا يغيب عن المشهد ضرورة تعيين الهيئة الناظمة ومجلس إدارة بالآليات التي وضعت في القانون وليس وفق محاصصات سياسية في مكاتب المسؤولين”.
لن يستمرّ التشنّج شارعيّاً إذا نفّذت الإصلاحات، بل من شأن العجلة الاقتصادية أن تنشط والثقة أن تعود إلى المستثمر والمغترب اللبناني. ولا يغيب عن المشهد نظرة المجتمع الدولي إلى لبنان الذي ينتظر معرفة الموقف السياسي الرسمي وغير الرسمي، إذ لا يمكن التموضع في محور معادٍ وتوقع المساعدة من المحور الآخر. يعبّر حاصباني عن هذه المقاربة مع إشارته إلى أنه لا يكفي تغيير وجوه الأشخاص بل لا بدّ من تبديل المقاربة والذهنية الكاملة. ولا يمكن الوصول إلى نتيجة إذا لم تختلف الذهنية ويُترجم العمل بعيداً من السلطة السياسية الحاكمة حتى تستطيع الحكومة بلورة الإصلاحات بمعزل عن التموضع السياسي، ودائماً في مقاربة حاصباني، الذي يشير إلى أن “الحكومة الحالية تتعامل وفقاً للذهنية السائدة سابقاً ما يشكّل خطراً على نجاحها وعلى نجاح لبنان في الخروج من الأزمة، ومن الضروريّ بكلّ بساطة الابتعاد عن التدخّل السياسي في الحكم، في وقت لا نزال نسمع أن أفرقاء سياسيين يهدّدون بسحب وزرائهم من الحكومة ما يدلّ على أن هناك وزراء تابعين وأن الحكومة لا تتمتع بالاستقلالية. لن تنجح الحكومة في المفاوضات مع صندوق النقد أو في اتخاذ القرارات الاصلاحية الصحيحة، إذا لم تكن مستقلة كليّاً. ولا يمكن الاعتماد على أشخاص للقيام بعمل مستقلّ، لأنّهم يفقدون المصداقية طالما أنهم مرتبطون بجهات سياسية. وخسر أي وزير هُدّد اسمه بالسحب مصداقية العمل المستقلّ في الحكومة. وقد تتطلّب المرحلة المقبلة تعديلات كبيرة وصولاً إلى انتخابات نيابية للوصول إلى التمثيل الصحيح الذي يطمح إليه المواطن”.
يطرح نائب رئيس الوزراء السابق مجموعة علامات استفهام، وفق معادلة أنّ من لا يريد إعطاء تنازلات تجاه حاجة البلاد والناس ولديه أولويات أخرى، يشكل خطراً على استمرارية بنية البلاد الاقتصادية والاجتماعية وتليها البنية السياسية، فيسأل: “هل ينتظرون أن يصعب الوضع أكثر ليصبحوا على قناعة بضرورة التوصل إلى مقاربة مختلفة؟ وهل التوصل إلى موقف مختلف ثمنه فقدان البلد كلّه قبل وعي الحاجة للتغيير؟ أو أنّ التغيير سيأتي حكماً خارجاً عن قدرتهم على السيطرة؟ يتوقّف الموضوع على الشعب اللبناني، ماذا سيفعل وإلى متى سيحتمل”.
في خلاصة حاصباني، “تموضعات القوات السياسية ثابتة، ويعلمون العنوان، ولم يتبدّل شيء في الثوابت الوطنية والمواقف السيادية – الاستراتيجية الواضحة. ومن الناحية العملية الاقتصادية – الاجتماعية فالموقف معروف في الملفات المالية والاقتصادية والموازنات الخالية من الاصلاحات. وإذا كان من خلط أوراق سياسية راهنة فالقوات موجودة في المكان الذي كانت دائماً فيه، علماً أن خلط الأوراق لا ينجح إذا لم تتغيّر قواعد اللعبة أي الذهنية السائدة في نهج إدارة البلاد”.