من الإنفلونزا الإسبانية إلى “كورونا”… الحق على الصين

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1706

فعلها «كورونا» وسجل إسمه على لوحة تاريخ البشرية من خلال أكثر 4 ملايين و800 مصاب حول العالم وحوالى 300 ألف وفاة، أقله حتى نهاية شهر نيسان.

مشاهد وصور كثيرة سيطبعها هذا الوباء ليروي للأجيال حكاية فيروس، نعم فيروس أخضع البشرية للحجر وألزم العالم إعتماد نظام حياة إجتماعية جديدة بدءا بكمامة وقفازات وصولا الى التباعد الإجتماعي وإلا الحجر الصحي وصولا الى التنفس عبر جهاز إصطناعي.

ليس»كورونا» الفيروس الأول في تاريخ البشرية. قبله كان فيروس الإنفلونزا الإسبانية الأكثر رعبًا الذي حصد ملايين الأرواح.  لكن من كان يتخيّل أنه في زمن تحولت فيه الكرة الأرضية إلى قرية كونية بفعل التطور التكنولوجي سيهزم هذا الفيروس عظماء دخلوا التاريخ من خلال إختراعاتهم العلمية.

قد لا يكون آخر الفيروسات المدمّرة على الصعيد البشري والإقتصادي لكن حتما ما بعده لن يكون كما قبله اقله على المستويين الإقتصادي والإجتماعي.

نعم «كورونا» هزم البشرية وحتى يظهر اللقاح سيبقى العدو الخفي الذي يهاجم الإنسان من دون قدرة على مواجهته إلا بالكمامة والقفازات والتباعد الإجتماعي والوقاية.

فما هي الفيروسات التي طبعت في تاريخ البشرية واللقاحات التي سجلت خاتمتها. تقرير يلقي الضوء على الأوبئة التي انتشرت عبر التاريخ واللقاحات التي وضعها أشخاص عادوا من الموت بسبب فيروس.

مطلع القرن العشرين إعتقد معظم العلماء ان الفيروس هو نوع من البكتيريا الصغيرة، ولكن بعد إكتشاف المجهر الإلكتروني عام 1931 إتضح أنها مختلفة تماما عن البكتيريا وهي كناية عن تراكمات من البروتينات السامة. وتبيّن لاحقا ان الفيروسات تحتوى على مادة وراثية (جينات) في شكل حمض نووي  DNA و RNA. ومجرد التعرف إلى الفيروسات بوصفها كيانات بيولوجية متميزة أصبحت سريعاً السبب في العديد من الأصابات والعدوى لكثير من النباتات والحيوانات وحتى البكتيريا.

 

التاريخ الاجتماعي للفيروسات

مع تغير سلوك الإنسان وخروجه من المجتمعات الصغيرة المنعزلةنحو المجتمعات الزراعية ذات الكثافة السكانية، بدأت ظاهرة إنتشار الأوبئة في تاريخ البشرية مما أدى إلىإنتشار الفيروسات بسرعة لا سيما فيروسات النباتات والماشية، إلى أن تحولت إلى أوبئة مستوطنة.ومع إعتماد الإنسان في تلك الفترة على الزراعة وتربية الماشية بدأت تتكشّف نتائج الأمراض الوبائية المدمرة. ومع بدء الإنسان الذي كان يعيش في الأراضي المحيطة بالبحر المتوسط بتربية الحيوانات البرية وترويضها بدأت ظاهرة إنتشار الفيروسات التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان  لكنها لم تكن تشكل خطراً وبائياً لأن التجمعات البشرية كانت صغيرة جدا وبالتالي لا يمكنها الإحتفاظ بسلالة العدوى.

أول فيروس أصاب الإنسان كان الحصبة والجدري وقد ظهر للمرة الأولىعلى البشر بعدما كان مستوطنا في الحيوانات في أوروبا وشمال أفريقيا وانتقل عن طريق الأوروبيين أيام الإستعمار الإسباني في الأميركيتين الجنوبية والشمالية، مما أدى إلى إنتشار الوباء الذي نتج عنه وفاة الآلاف من السكان الأصليين الذين كانوا يعانون من ضعف المناعة الطبيعية لمقاومة الفيروس.

أما جائحة الإنفلونزا، فقد رُصدت أول إصابة فيها عام 1580 وبدأ المرض ينتشر بوتيرة سريعة في القرون اللاحقة. وكان فيروس الإنفلونزا الإسبانية الذي انتشر بين العامين 1918و1919 الأكثر تدميرًا في التاريخ حيث أدى إلى وفاة حوالى 50 مليون إنسان في أقل من سنة.

من الفيروسات القديمة التي لم تكن تشكل خطورة على الإنسان ما سُمّي بـ»الفيروسات الهربسية» التي أصابت أسلاف الإنسان المعاصر منذ ما يزيد عن 80 مليون سنة. ويندر وجود تسجيل لهذه العدوى الفيروسية الأكثر إعتدالًا، لكن من المرجح أن أعراضها تشبه أعراض الفيروسات والأوبئة التي تصيب الإنسان اليوم ومنها نزلات البرد، والحرارة والإسهال.

 

شلل الأطفال

على لوحة مصرية قديمة تعود إلى الفترة الممتدة بين 1350-1580 قبل الميلاد،رسمٌلأحد الكهنة من الأسرة الثامنة عشر يعاني من تشوّه في قدمه نتيجة إصابته بشلل الأطفال. كما يظهر على مومياء سبتاح وهو أحد حكام الأسرة التاسعة عشر، العلامات نفسها كما يظهر على مومياء رمسيس الخامس وبعض المومياوات المصرية علامات وباء الجدري الذي تفشى لاحقا في أثينا عام 430 قبل الميلاد، مما أدى إلى وفاة أكثر من نصف عديد الجيش اليوناني وعدد كبير من المواطنين بسبب العدوى.

 

وباء الحصبة

حتى القرن العاشر لم يكن وباء الحصبة معروفا حتى اكتشفه طبيب فارسي يدعى محمد بن زكريا الرازي (865-925). وكان أطلق على الوباء إسم «الحصبة» بعدما كان يُعرف بعدة أسماء منها: روبيولا وتعني ريبيوس باللغة اللاتينية أي اللون الأحمر، وموربيللى ويعني الطاعون الصغير. ونظرًا إلى التشابه الكبير بين فيروس الحصبة وفيروس حمى الكلاب وفيروس الطاعون والطاعون البقري ساد اعتقاد بأن الحصبة قد انتقلت إلى الانسان عن طريق الكلاب المدجنة أو الماشية. لكن تبيّن أن فيروس الحصبة إنتشر على نطاق واسع في القرن الثانى عشر بعيدًا من فيروس الطاعون البقري.

وكانت الحصبة شائعة عند الأطفال بشكل كبير ولم تكن تعد مرضًا. حتى أنها وُصفت في الكتابات الهيروغليفية المصرية بأنها مرحلة طبيعية من مراحل النمو.

استوطن وباء الحصبة في جميع أنحاء البلدان ذات الكثافة السكانية العالية من أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. ويُعدّ الطاعون البقرى، الذي يسببه فيروس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفيروس الحصبة، من الأمراض التي تُصيب الماشية وهو معروف منذ العصور الرومانية وموطنه الأساسي قارة آسياوانتقلإلى إنكلترا نتيجة استيراد الماشية من القارة. وكان الطاعون البقرى في ذلك الوقت مرضًا مدمرًا وأدى إلى نفوق حوالى 90 في المئة من الماشية مما أدى إلى حصول مجاعة في القارة الأوروبية.

ظلت أميركا وأستراليا خاليتين من وباءي الحصبة والجدري حتى وصول المستعمر الأوروبي ما بين القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر. وكان وباء الجدري مستوطنًا في أسبانيا حيث حمله الموريون  من افريقيا. وانتشر وباء الجدري في المكسيك عام 1519. وفي القرن الثامن عشر أصبح الجدري مرضًا مستوطنًا في أوروبا؛ حيث كان هناك خمسة أوبئة في لندن فيما بين 1719م و1746م، كما انتشر المرض بصورة كبيرة في كثير من المدن الأوروبية. وبحلول نهاية القرن كان حوالى 400 ألف من الأوروبيين يموتون بسبب هذا المرض سنويا.

 

التعرق الإنكليزي…. «كورونا» العصر

بعد إنتصار هنري السابع في معركة بوسوورث في 22 آب 1485م، إنتشر مرض جديد بين صفوف الجيش عرف بإسم التعرق الإنكليزي. واللافت أنه كان يصيب طبقة الأغنياء فقط لا سيما عديد الجيش الذي جنّده هنري السابع. أما المشاهد على الأرض فكانت أشبه بوباء «كورونا» حيث كان يصل عدد الوفيات يوميا إلى أكثر من 5000 شخص مما اضطر الملك إلى إصدار قرار قضى بإقفال الحدود وإعلان حظر التجول في البلاد باستثناء الأطباء والطواقم الصحية وخلت الشوارع إلا من العربات التي كانت تنقل الجثث.

عام 1556 تفشى وباء جديد حصد أرواح عشرات الآلاف، ويُعتقد أنه مرض الإنفلونزا أو عدوى فيروسية مماثلة. لكن لا يُمكن الإعتماد على ما كُتب في ذلك الوقت والأخذ به لأن الطب لم يكن علمًا تخصصيا بعد. وفي ظل ضعف إمكانات الطب وإيجاد اللقاحات المضادة للأوبئة، تم اتخاذ التدابير للحد من انتشار المرض ومنها: فرض قيود على التجارة والسفر، وعزل الأسر المنكوبة من المجتمع، وتبخير المباني وقتل الماشية.

 

إنفلونزا الخنازير

ظهر وباء الإنفلونزا للمرة الأولى عام 1173 م في أوروبا، وبعدالعام 1493 تفشى وباء آخر وضرب السكان الأصليين (الهنود الحمر ) في هيسبانيولا (القارة الأميركية) وقد عُرِفَ لاحقا بوباء إنفلونزا الخنازير. ويرجح أن يكون مصدره الخنازير التي كانت تُنقل على متن سفن كولومبوس. وأدى هذا الوباء إلى وفاة حوالى 150 ألف شخص أي ما يقارب نسبة 5 في المئة من مجموع السكان.

 

إدوارد جينروأول اللقاحات ضد الجدري

لاحظ إدوار جينر (17 أيار1749 – 26 كانون الأول 1823) وهو طبيب ملكي إنكليزي ان عُمال حلب الأبقار الذين أصيبوا بمرض حمى جدري البقر لديهم مناعة ضد مرض الجدري. فكان أول إختبار له للقاح جدري البقر على طفل بعمر 8 سنوات في 14 أيار 1796. ونجا الطفل من التطعيم التجريبي لفيروس جدري البقر، باستثناء بعضالحُمى الخفيفة. وفي الأول من حزيران عام  1796 أخذ «جينر» عينة من قيح الجدري وكرر التجربةعلى الطفل عن طريق حقنه باللقاح 20 مرة. وتبيّن ان طريقة جينر للتطعيم بجدري البقر أكثر أماناً من طريقة التجدير التي كانت معتمدة سابقا وقد خضع لها جينر نفسه في أعوامه الأولى بعدما أصيب بالوباء. وفي العام1801 م، تم تلقيح أكثر 100 ألف شخص ضد المرض.

عام 1840 أقرت المملكة المتحدة اللقاح بجدري البقر  بالمجان للفقراء على الرغم من الإعتراضات التي واجهها المجتمع المدني والجسم الطبي من قبل بعض الأطباء كونه يؤثر سلبا على حركة عملهم. وفي العام نفسه تم منع اللقاح بمرض الجدري فقط واعتباره غير قانوني بسبب الإنعكاسات السلبية التي أدت إلى وفاة بعض المرضى الذين خضعوا له. وأصبح التلقيح إلزاميا في بريطانيا وويلز بموجب قانون صدر في العام 1853 م، ونصّعلى تغريم الآباء جنيه استرليني في حال التمنع عن تلقيح أطفالهمقبل بلوغهم سن 3 أشهر بلقاح جدري البقر. مع ذلك بقيت الخروقات والإعتراضات التي تمثلت بتظاهرات وتشكيل رابطة مناهضة للتلقيح، مما أدى إلى  تفشى وباء الجدري في مدينة غلوسترللمرة الأولى وتوفي حوالى 434 شخصا من بينهم 281 طفلا.  وبحلول عام 1912 تم تلقيح أقل من نصف عدد السكان من المواليد الجُدد وفي العام 1948 م ألغي قرار التلقيح الإجباري ضد وباء الجدري في  المملكة المتحدة.

 

باستور..لقاح مرض داء الكلب

داء الكلب أو السُعار بالإنكليزية rabies هو مرض فيروسي فتاك يؤدي في الغالب إلى الوفاة وينتج عن إنتقال العدوى من الثدييات التي اكتشفت إصابتها بالداء في القرن 21  مثل الثعالب والخفافيش.

يُمكن العُثور على وصف لداء الكلب في نصوص بلاد الرافدين والنصوص اليونانية القديمة حيث كان يُعرف بإسم «ليسّا» أو «ليتا» أي الجنون. ودوّن الفيلسوف اليوناني سلسوس في القرن الأول الميلادي أعراض المرض الذي أطلق عليه إسم هيدروفوبيا أو «رهاب الماء» بسبب أعراض الهلع من الماء التي تظهر على المصابين بالداء كما صعوبة البلع. وافترض أن لُعاب الحيوانات الحاملة للعدوى يحتوى على جُرثومَة مُخاطِية (حيوان غَروي) أو سُم، من هنا كانت كلمة «فيروس».

لويس باستور (1822-1895) كان أول من دخل على خط إكتشاف لقاح ضد داء الكلب وذلك من خلال إجراء دراسة على خفايا الجرثومة في الكلاب المسعورة. وعمد إلى طحن النخاع الشوكي الذي استخلصه من الكلاب الميتة بسبب المرض وتجفيفه لإضعاف الفيروس في الأنسجة العصبية من خمس إلى 10 أيام، ومن ثم حقن كلب غير مصاب بتلك الأنسجة وتبيّن له أنه  لم يُصب بالعدوى. وكرر باستور التجربة على نفس الكلب باستخدام أنسجة تم تجفيفها لأيام أقل في كل مرة، فعاش الكلب حتى بعد الحقن بأنسجة عصبية نشيطة مصابة بالعدوى.

 

الإنفلونزا الإسبانية الوباء الأكثر فتكا في التاريخ المعاصر

كان ذلك قبل مئة عام عندما ظهر فيروس الإنفلونزا الإسبانية في مكان محدود، تماما كما الحال مع فيروس كورونا الذي كانت شرارة تفشيه في سوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان الصينية.

ويروي المؤرخون أنه في العام 1918، وتحديدا في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، بدأت تظهر أعراض الإنفلونزا على الجنود حيث كانوا يمضون أيامهم ولياليهم في خنادق ضيقة وقذرة ورطبة، مما أدى إلى إصابة عدد منهم.ومن أبرز أعراض الإنفلونزا الإسبانية صداع كبير، وإعياء في الجسد، وسعال جاف وفقدان الشهية، وآلام في المعدة.وفي اليوم الثاني، يغرق المصاب بالعرق الذي يفرزه جسده، وصولا الى الإلتهابالرئوي الحاد وفشل في الجهاز التنفسي، مما يؤدي إلى الوفاة.وأدى سوء التغذيةالناتج عن تداعيات الحرب العالمية الأولى إلى ضعف الجهاز المناعي، الأمر الذي جعل الجنود عرضة لفيروس الإنفلونزا الإسبانية.

ومن خندق إلى آخر إنتشرت الإنفلونزا، حتى خرجت من النطاق العسكري لتصيب المدنيين، خصوصا عندما بدأ الجنود في العودة إلى منازلهم مع توقف القتال، ليتفشى الفيروس في قراهم ومدنهم. وأدت وفاة عدد كبير من الأطباء خلال الحرب إلى تفشي الفيروس من دون تمييز بين الفئات العمرية، علما ان فئة الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 20-30 عاما كانت الأكثر عرضة للإصابة.

تختلف التقديرات لعدد الوفيات بالأنفلونزا الإسبانية، لكن يعتقد بعض المؤرخين أنها أدت إلى وفاة حوالى 50 مليون إنسان على الأقل، أي ما يعادل 10 في المئة من إجمالي الذين أصيبوا بها، مما جعلها الوباء الأكثر فتكا في التاريخ المعاصر. وعلى الرغم من أن هذا الوباء حمل اسم «الإنفلونزا الإسبانية»، إلا أن التقارير تشير أنه انطلق أيضا من الصين. فلماذا سميت بـ»الأنفلونزا الإسبانية؟».

الأمر بدأ ببرقية إخبارية وصلت إلى وكالة «رويترز» في ربيع العام 1918، وفيها أن وباء غريبا ذاطابع وبائي تفشى في مدريد، بحسب كتاب «الإنفلونزا الإسبانية» للمؤلف هنري ديفيز. وفي غضون أسبوعين أصيب أكثر من 100 ألف شخص، مما يعني أنها أكثر فتكاً من فيروس «كورونا» الذي استغرق شهرين ونصف الشهر حتى وصل عدد الإصابات إلى هذا الرقم.وانهارت الخدمات الطبية في البلاد، ودول مجاورة بعدما عجزت المستشفيات عن مواكبة العدد المتزايد من المرضى.

وفي صيف 1918، كانت الإنفلونزا الإسبانية قد اجتاحت العديد من الدول في القارة الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا وهنغاريا وألمانيا والنمسا. ومع حلول شهر آب من العام نفسه، أصبح الوباء جائحة، ووصل إلى السويد وكندا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا. ووجهت نصائح في حينه من أجل تلافي الإصابة مثل الإمتناع عن المصافحة وملازمة المنازل وارتداء الأقنعة، في سيناريو تكرر بعد 100 عام في فيروس «كورونا» حاليا.

الإنفلونزا الإسبانية من الصين أيضًا

عام 2014، نشرت مجلة «ناشونال جيوغرافيك» العلمية نظرية مفادها أن الإنفلونزا الإسبانية ظهر أولا في الصين.ونقلت المجلة عن المؤرخ الكندي، مارك همفريز، قوله إن سجلات قديمة كشف النقاب عنها حديثا، تشير إلى أنه جرى نقل 96 ألف عامل صيني للعمل خلف خطوط القوات الفرنسية والبريطانية في الجبهة الغربية. ورجح هذا الباحث أن يكون هؤلاء هم السبب وراء انتشار الفيروس، وقال إن نحو 3 آلاف من هؤلاء أمضوا وقتا في الحجر الصحي في كندا، وبسبب النظرة العنصرية الطاغية في ذاك الزمان، اعتبر الكنديون أنهم أصيبوا بمرض «الكسل الصيني». لكن تبيّن لاحقا أن بعضا من هؤلاء العمال ماتوا بعدما وصلوا إلى إسبانيا وفرنسا.

أواخر ربيع 1919 أقفلت الستارة على جائحة الإنفلونزا الإسبانية لكن انتشاره إستمر لعدة عقود. واستطاع العلماء منذ ذلك الحين تصنيف الفيروس المسؤول عن وباء  1918-1919 كفيروس الإنفلونزا من الفصيلة إتش1 إن1 (H1N1).

 

الإنفلونزا الآسيوية

ظلت الإنفلونزا حدثًا سنويًا بعد وباء 1918، لكن لم يبرز نوع جديد حتىشباط منالعام 1957 حيث لاحظ الإختصاصي في علم الأحياء الدقيقة في مركز والتر ريد الطبي العسكري في الولايات المتحدة الأميركية موريس هيلمان، ظهور حالات جديدة من الإنفلونزا، مما دفعه إلى الاعتقاد بأن نوعًا جديدًا من الإنفلونزا كان في طريقه للظهور وأن وباءً على وشك الحدوث. حصل هيلمان وفريقه على عينة من الفيروس من أحد الجنود الأميركيين. ثم أثبتوا سريعاً أن غالبية الناس كانوا يفتقرون إلى وقاية الأجسام المضادة لفيروس الإنفلونزا الجديد، والذي كان من نوع إتش2إن2، وعمد إلى إنتاج اللقاح عن طريق إرسال عيّنات من الفيروس إلى المصنّعين وحثهم على تطوير فيروس خلال أربعة أشهر.

 

إنفلونزا هونج كونج  1968- 1969

انتشر فيروس H2N3 في آسيابين العامين 1968-1969. وبلغت نسبة الوفيات حوالى مليون شخص من أصل 4 مليون أصيبوا. وعلى رغم إيجاد اللقاح إلا أنه لم يجر إنتاجه بسرعة بما يكفي لتوفير الوقاية الملحوظة. ويرجح بعض العلماء أن أوجه التشابه مع الإنفلونزا الآسيوية قد يكون السبب وراء وقاية البشر من أمراض أكثر خطورة.

 

إنفلونزا الطيور 1997

خطر الانفلونزا البالغ الذي برز بعد ذلك جاء أيضا من آسيا، حيث أُصيبت الطيور بعدوى إنفلونزا الطيور وانتقلت بعد ذلك إلى البشر وأدى إلى وفاة عدد من المصابين. كما نفقت عشرات الملايين من الدواجن والطيور المائية. ولا يزال خطر إنفلونزا الطيور سائداويمكن أن تنشأ فصيلة أخرى مميتة بسبب سرعة إنتشاره وانتقالهمن شخص إلى آخر.

 

إتش وان إن وان المكسيكية

ظهرت أحدث إنفلونزا وبائية في المكسيك منتصف آذار 2009. وانتقلت بعد فترة قصيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليستمر إنتشارالوباء واطلق على الفيروس اسم إتش1 إن 1 (H1N1)  من فصيلة الإنفلونزا (أ)، ويرجح أن يكون مصدره الخنازير.

أثر المرض بين الأطفال والشباب البالغين كان لافتا مقارنة بما تسببه الإنفلونزا الموسمية،إذ تبيّن أننسبة الوفيات لدى مصابين تقل أعمارهم عن 65 عاما كانت مرتفعة جداً. وبعد فترة وجيزة من تعرف العلماء إلى الفيروس، إنطلقت الجهود المكثفة لإنتاج لقاح للفصيلة الجديدة إتش1 إن1 (H1N1)، وثبت أن الفيروس ينمو ببطء خلال عملية التصنيع، الذي يرتكز على إنماء الفيروس في بيض الدجاج.

 

«كورونا»… التكيّف حتى ظهور اللقاح

قدتكون بريطانيا أول دولة تحصل على اللقاح المضاد لفيروس «كورونا» الجديد، الذي تعمل على تطويره جامعة أكسفورد، والذي يعتقد أن نتائجه ستظهر في شهر حزيران المقبل.

خبر مفرح للبشرية التي تمكن فيروس «كورونا» من حجرها لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة في منازلها، وحصد أكثر من 600 ألف وفاة و4 ملايين إصابة حول العالم، ووضع الكرة الأرضية وراء كمامة وقفازات في انتظار إيجاد اللقاح.

الإختبارات التي أجريت لا تعدّ ولا تحصى، والبعضدخل حقل التجارب البشرية وتحديدا على المصابين. لكن أيًا من هذه اللقاحات لم تثبت نتائجها رسميا. ماذا في التفاصيل؟

البداية من بريطانيا حيث أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «أسترا زينيكا»، باسكال سوريوت أنه سيكون لبريطانيا «الأولوية» لتوريد اللقاح المحتمل لوباء»كورونا» وسيتم توزيعه بسعر التكلفة خلال فترة تفشي الوباء.

التجارب على اللقاح المعروف باسم ChAdOx1 nCoV-19 الذي طوره معهد «جينز» في جامعة أوكسفورد، بدأ تطبيقها أواخر شهر نيسان على المصابين بفيروس «كورونا»، وسيتم إختبار لقاح أكسفورد على حوالى 510 أشخاص من أصل 1112 تراوح أعمارهم بين 18 و55 عاماً.لكن النتائج الطبية لن تتوضح قبل شهر حزيران. مع ذلك فإن إنتاج اللقاحات مستمر لتصنيع جرعات كافية لإجراء التجارب السريرية.

ينجح اللقاح أو يفشل كما العديد من التجارب السابقة؟ الواضح أن هذه الصفقة تمنح بريطانيا أفضل فرصة ممكنة لتحقيق إختراق يمكن أن يهزم هذا الفيروس المروع.

 

أميركا على خط لقاح ريمديسفير

أظهرت التجارب التي أجرتها معاهد الصحة الأميركية على 13 مصابا بفيروس «كورونا» كانوا على متن سفينة الرحلات دياموند برينسيس في اليابانأن دواء «ريمديسيفير» (وهو مضاد للفيروسات واسع النطاق) فعال وساهم في إنقاذ حياة المصابين بفيروس «كورونا»، وهذا ما دفع الحكومة اليابانية إلى الإعلان عن إعتمادها عقار ريمديسيفير، المضاد للفيروسات، كعلاج لمرضى «كوفيد-19» في البلاد بعدما عملت الفرق الطبية في المختبرات اليابانية على تطوير دواء فافيبيرافرالمضاد للإنفلونزا لكنها توقفت عن إستعماله لعدم فعاليته. والجدير ذكره أن دواء ريمديسيفير مخصص لعلاج المصابين بوباء إيبولا، كما يستخدم للعلاج من وباء السارس والميرس. وعلى رغم إعتماده في كل من اليابان والولايات المتحدة لمعالجة المصابين بفيروس «كورونا»، إلا أن التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حول التجارب السريرية الصينية تشير إلى أن الدواء لم يثبت فعاليته  في الحالات المزمنة.

وتقوم اليابان حاليًا باختبار دواء فافيبيرافير، الذي قامت بتطويره شركتا فوجيفيلم وتوياما، في المستشفيات اليابانية. ويرى الخبراء أن كلا من ريمديسيفير وفافيبيرافير قادران على تحقيق نتائج جيدة، «عند استخدامهما في مرحلة مبكرة من المرض».

 

هيدروكسي كلوروكين… نتائج غير مشجعة

هو الدواء الذي يستعمله الأطباء للمصابين بالملاريا. لكن مساره تحول وبات العلاج المحتمل لمرضى فيروس «كورونا». وعلى رغم محدودية التجارب إلا أن إنتشاره كعلاج فعال للمصابين بفيروس «كورونا» إنتشر بسرعة لا سيما بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إعتماده لعلاج مرضى فيروس «كورونا».إلا أن النتائج كانت «غير مشجعة». فمعدل الوفيات بين المرضى الذين تمت معالجتهم بدواء الهيدروكسي كلوروكين وصلت إلى 28 في المئة. في المقابل بلغت نسبة الوفيات بين المصابين الذين تناولوا الدواء مع المضاد الحيوي «أزيثروميسين» 22 في المئة، و11 في المئة لمن تلقوا الرعاية العادية.

«الجائحة أبعد ما تكون عن الإنتهاء»، ومنظمة الصحة العالمية قلقة إزاء تزايد منحنى الإصابة بالفيروس في إفريقيا وشرق أوروبا وأميركا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية. بهذه الكلمات إفتتح المدير العام للمنظمة تيدروس أدناهوم غيبريسوس مؤتمره الصحافي في جنيف للإعلان عن آخر ما توصلت إليه المنظمة من معطيات حول تطور إنتشار فيروس «كورونا» واللقاحات المطروحة في العالم.

وللمرة الأولى كشف أن الصين لم تتعاون مع المنظمة لجهة إرسال فريق طبي متخصص للتأكد ومعرفة اسباب فيروس «كورونا» الذي انطلق من مختبري ووهان في الصين.

خطأ بشري أو متعمد؟  قد لا تنكشف أسباب تفشيفيروس «كورونا»وقد تدخل في زواريب ومختبرات السياسة والإتفاقات الدولية.

حقيقة واحدة يدركها الإنسان الذي اختبر زمن «كورونا» في الحجر أو تحت جهاز التنفس الإصطناعي أن أمامنا طريق طويلة والكثير من العمل، والأهم أن ما بعد الجائحة لن يكون كما قبلها.

 

كورونا لبنان إلى نقطة الصفر در…

قبل إعادة بدء التخفيف من قيود التعبئة العامة، كان رقم التكاثر أو ما يعرف بالرقم «R» «REPRODUCTION» أو إعادة إنتاج فيروس «كورونا» أقل من 0.5، إلا أنه بات يتخطى الـ2 ويرجح إرتفاع العدد ليصل إلى الألف إصابة نهاية الشهر الجاري مع إنطلاق الدفعة الثالثة من المغتربين العائدين إلى لبنان وعدم إلتزام الغالبية بشروط الحجر المنزلي مدة 14 يوما، وإختلاط مصابين بالناس بعد تزوير شهاداتهم الصحية وإعطاء معلومات كاذبة وأرقام هواتف غير صحيحة بقصد التفلّت من الحجر المنزلي، مما استوجب تحرك النيابة العامة وإصدار مذكرات توقيف للتحقيق معهم.

فوضى، إستهتار بحياة الناس، جهل….سمّوه ما شئتم لأن النتيجة صادمة. إرتفاع جنوني في عدد الإصابات وصل إلى 32 إصابة (وربما أكثر) يومياً بعدما تمكن لبنان من تسجيل صفر إصابة في الأسبوع الأول من شهر أيار مما شجع الحكومة على فك الحجر والبدء بالمرحلة الأولى من خطة العودة إلى الحياة الطبيعية. فكانت الصدمة.

يشيرهذا الإرتفاع المقدّر بـ1.5 نقطة إلى أنّ فيروس «كورونا» ينتشر بسرعة في لبنان. من هنا كان قرار إقفال البلد مدة 4 أيام (من الساعة السابعة من مساء الأربعاء 13 أيار وحتى الخامسة من فجر الإثنين 18 أيار) مع ضرورة الإلتزام بالحجر المنزلي، من أجل خفض رقم التكاثر، بحيث يصبح أقل من 1، لا بد من أن تبلغ نسبة تتبع المخالطين.

 

ما هو الرقم «R»؟

مصطلح يُستخدم في علم الأوبئة، (في إشارة إلى تكاثر الفيروس وإنتقاله إلى أشخاص جدد)، ويمثل طريقة لتقييم قدرة المرض على الإنتشار. ويطلق عليه أحياناً «نسبة التكاثر الأساسية». ويمثل الرقم عدد الحالات التي تنتجها حالة واحدة خلال فترة العدوى، بين مجموعة غير مصابة، أو متوسط عدد الأشخاص الذين سينقل لهم شخص مصاب بالفيروس العدوى.

ويشير إختصاصيون في علم الأوبئة أن وباء الحصبة يحقق أعلى الأرقام عند تفشيه في بلدة ما، بحيث يصل رقم التكاثر إلى 15، أي أن المصاب الواحد ينقل العدوى إلى 15 شخصا آخرين ممن ليست لديهم مناعة ضد المرض، وبالتالي يمكن أن يتسبب ذلك في تفشٍ واسع للمرض.

ويبلغ رقم التكاثر لدى فيروس «كورونا» المستجد، المعروف رسميا باسم سارس-كوف-2 ، حوالى 3 أو 4 أشخاص.

لماذا يصبح الرقم خطراً إذا تجاوز معدل 1؟

إذا كان رقم التكاثر أعلى من 1، فإن عدد الحالات يزداد بشكل كبير، ولكن إذا كان العدد أقل من واحد، فإن المرض سوف يزول في نهاية المطاف حيث لا يُصاب عدد كاف من الأشخاص الجدد للإبقاء على إستمرار تفشيه.

وتسعى الحكومات في الدول التي اجتاحها فيروس «كورونا» تقليص رقم التكاثر من 3 إلى أقل من 1. وهذا ما يفسر سبب إتخاذ الحكومة اللبنانية قراراً بإغلاق البلاد بشكل تام لمدة 4 أيام.

بعد قرار الحكومة بإقفال البلد أربعة أيام (من الخميس 14 أيار حتى صباح الإثنين 18 منه) تبين أن عدد الإصابات خلالها قارب 62 إصابة. لكن صباح الإثنين أعيد فتح البلد بقرار صادر عن مجلس الوزراء زسجل في اليوم نفسه 17 إصابة مثبتة في منطقة رأس النبع وحدها ومن المرجح أن يرتفع العدد بعد صدور نتائج الفحوصات التي أجريت على سكان المبنى حيث يقيم المصابون وهم من السوريين والتابعية البنغلاديشية. فهل دخل لبنان نظام «مناعة القطيع»؟

أيًا تكن الخطوات تبقى العبرة في وعي الناس والتقيّد بإرشادات الوقاية والإلتزام بالتباعد الإجتماعي. عدا ذلك لا شيء ينفع في انتظار إيجاد اللقاح الفعال وهذا لن يتحقق قبل 18 شهرًا على أقل تقدير.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل