.jpg)
لم يعد الوقت يتسع للكلام المنمق والمجاملات الفارغة. لبنان دولة وكيانا وشعبا ومؤسسات في خطر شديد لا بل مصيري.
اولا: نجح حزب الله في جر لبنان الى عين العاصفة الدولية ـ الإقليمية، فليس من قبيل الصدفة انه وفي لحظة اشتداد الطوق على النظام في سوريا مع قانون قيصر، ان يشتد ايضا ضغط العقوبات على لبنان، الغارق حتى الاختناق في ازمة اقتصادية معيشية اجتماعية، يتوسل من اجل الخروج منها صندوق النقد الدولي، بعدما اوصدت امامه ابواب المانحين والاصدقاء والاشقاء بفضل سياسة إيران وحزبها في لبنان، إذ لم تطأ إيران ارضا او دولة في المنطقة الا وزرعت فيها المجاعة والتخلف والانهيارات، ولنا امثلة في اليمن والعراق وسوريا.
ففي وقت تشتد العقوبات على سوريا والتي يعجز حتى الروس عن تجنبها او الصمود في وجهها، تظهر مفاجآت جديدة في واشنطن، كالتشريعات الاميركية التي يجري اعدادها في الكونغرس حاليا بشأن لبنان ومنها ما تتضمن وقف الدعم المالي للجيش اللبناني وفرض عقوبات على شخصيات لبنانية داعمة لحزب الله.
ثانيا: لم تعد المكابرة تنفع في مواجهة هذا الكم الهائل من الضغوط على لبنان، الذي يكاد يفقد كافة مقومات صموده السياسية والامنية والاقتصادية، ويفقد معها حزام الامان الدولي، الاقليمي الذي مكنه حتى الان من تحمل الصعوبات والتعايش بالحد الادنى مع التعقيدات الجيو ـ سياسية في المنطقة.
لم تعد المكابرة تنفع في رفض الاقرار بواقع مزري لم يعد يهدد فقط لقمة عيش المواطن وليرته ومستقبله، بل تجاوزها ليهدد بسقوط الهيكل على الجميع، فيما البعض لا يزال يتلهى بمحاصصات في التعيينات الوظيفية وبصفقات مغشوشة ويمعن في فساده وافساده لكل شيء، في الدولة، في حين تتخطى السلطات من رئاسة الجمهورية الى الحكومة، كافة معايير الشفافية والنزاهة والدستور والقوانين، من رأسها الى قاعدتها.
لم تعد المكابرة تنفع ونحن ندفع اليوم وسوف ندفع غدا وبعد غد ثمن توريط لبنان في تجاذبات المحاور الاقليمية والدولية، لطالما قلنا ونرددها ان لبنان لا يقوى على تحمل تبعاتها، لان المحاور تدمر لبنان كما دمرته على مر مراحل تاريخه الحديث وصولا الى حرب 1975 وملاحقها.
ثالثا: عام 2018 قدّمت واشنطن لطهران عرضا بمساعدتها في تهدئة الوضع الداخلي في فلسطين في مقابل التفاهم بشأن سورية، وإزالة قاعدتها العسكرية من التنف السورية. فالقوى العظمى والإقليمية، تعمل وفق حسابات مصالحها فيما نحن في لبنان نرفع لواء شعارات مقاومة بالية وساقطة فقط لإرضاء غرور حزب الله على حساب مصالح لبنان الدولة والشعب المستقل وذات السيادة.
وعليه ان يقرر اما ان يكون حزبا للبنان ولمصلحة لبنان والا ان يختار المحور الاقليمي نهائيا وينفصل عن الجسم اللبناني المريض والمتهالك بفضله وفضل هيمنته على مفاصل حكمه وقرار الحرب والسلم فيه. فأين رئاسة الجمهورية من بحث الاستراتيجية الدفاعية؟ او نسأل والجواب معروف، فهل تسأل سلطة اقامها محور طهران، سوريا الممانع؟
رابعاً: في قراءة جيوـ سياسية مختصرة حول لبنان: لطالما قلنا ان المنطقة العربية ومنها لبنان واقعة بين فكي كماشة امبراطوريتين اقليميتين، تحاولان استعادة امجادهما، التركية العثمانية والايرانية.
وهذه الكماشة قسمت العرب بين حليف للإمبراطورية الفارسية (سوريا وجزء من العراق وجزء من اليمن وجزء من لبنان)، فيما البعض الاخر تحالف مع الامبراطورية التركية ـ العثمانية (كما في جزء من سوريا وليبيا وشمال افريقيا العربي) وها ان الاتراك يحاولون التغلغل الان في لبنان (شمالا) في البيئة السنية لملء الفراغ الذي تركه غياب اليد العربية الشقيقة.
الوجود الروسي المباشر والكبير في المياه الدافئة والعودة الى البحر الأبيض المتوسط على ضفاف اللاذقية وطرطوس وغيرها، ساهم في تطعيم المعادلة اللبنانية الهشة بعدا شرقيا، تجلى اخيرا في التلميحات تارة بالانفتاح على الروس، وطورا بالتلميحات الى سحب منظومة لبنان الغربية باتجاه اقتصاديات روسيا والصين وإيران، فيما الفرع اللبناني لهذا المحور اي حزب الله، يصبح أكثر فاكثر حساسية وانكشافا في الداخل اللبناني مثلما اثبتته احداث 6/6 الاخيرة، إذ لم يحتمل مجرد رفع شعار القرار 1559 في ساحة الشهداء.
(بغض النظر عن تقييمنا السلبي لمثل هذه الخطوة من حيث التوقيت والشكل والإطار)، فالحزب الذي بلغ من الادوار الاقليمية، حد استثماره في فائض القوة في دول الجوار العربي وانخراطه في معارك ومواجهات حتى مع الاتراك شمال سوريا، لم يعد من الممكن اعادت تركيز بوصلته على الداخل اللبناني ولم يعد بالإمكان التوقع منه ان يضع مصلحة لبنان فوق اي اعتبار اخر.
وقد لعب على عدة جبهات اخرى في اليمن والعراق وفلسطين، إذ تولى مساعدة الفصائل والمنظمات الفلسطينية حتى اليسارية منها، على الاستحصال على تمويل ايراني.
خامسا: وكما نجحت واشنطن في توجيه ضرباتٍ موجعة للمحور الايراني في المنطقة كان اخرها قتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي سابقا أبي مهدي المهندس، بعد سنوات من اغتيال القائد العسكري الأهم في الحزب عماد مغنية، مسدية ضربة قاصمة لكل الاستراتيجية الايرانية في المنطقة، إذا بها تطبق على نظام الاسد بعقوبات مدمرة عبر قانون قيصر وستنال من لبنان بعقوبات موجعة تضاعف من وهنه واحتمالات انهياره.
في وقت تترك واشنطن تركيا تتورط في الشمال السوري وفي ليبيا، لإضعاف القيادة التركية، وتوريطها في ازمات اقليمية مستعصية، واليوم رفضت انقره اقتراحات مصر لحل سلمي للنزاع في ليبيا، ما ينذر بدوره بتداعيات لن يبقى لبنان وتبقى المنطقة المحيطة بنا بمنأى عنها.
فالمطلوب إنهاك المنطقة، ومن خلالها لبنان، اذ ان تجويع الشعوب الموجودة على خطوط تماس المواجهة في المنطقة، كما الشعوب السورية واللبنانية واليمنية والعراقية، بعد محاصرة إيران وحلفائها في المنطقة (الاسد وحزب الله) وبغض النظر عن فشل سياسات الحكومات الفاسدة في تلك الدول ومنها لبنان، يجعل تلك الشعوب وبحق، أكثر استنفارا وانتفاضة على الواقع الفاسد الذي يحكمهم، فيتلهى الجميع بالأزمات المعيشية والاقتصادية ما يسهل، تمرير صفقة كبرى، بحجم المنطقة انطلاقا من مقايضة المال بالسكوت اقله.
تلك الصفقة التي تحضر والمتعلقة بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية في فلسطين كبديل عن تعثر صفقة القرن حاليا، تتطلب دولا منهكة وسوريا محاصرة ولبنان رازح في الانهيار المالي والاقتصادي والمعيشي.
فمع تخلي الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن كافة اشكال التعاون مع إسرائيل، سيكون احتمال انتفاضة فلسطينية ثالثة أكثر ورودا، لمواجهة الضم، ما سيؤدي الى استفزاز محور المقاومة التي يقف الحزب في صلبها ولوحده، فيهب لمؤازرة انتفاضة فلسطينية ثالثة ستكون اكثر عنفا وضراوة من سابقاتها.
اذاً واشنطن لم تعد ترى لبنان الا من عين إيران وحزب الله، فلبنان في خطر مصيري شديد، وعلينا ان نضغط على حزب الله لمنع استكمال تورطه، فصندوق النقد الدولي لن يستطيع التحرر من الضغوط الاميركية، كما ان مجلس الامن الدولي الذي سوف ينعقد للتجديد للقوات الدولية في الجنوب يتعرض لضغوطات شديدة، يخشى معها ان يفقد لبنان سندا دوليا اخيرا بعدما فقد اسناده الاقليمية والعربية والاوروبية الاخرى.
