Site icon Lebanese Forces Official Website

مواجهة المواجهة

تسارعت الأحداث عقب صدور قانون قيصر الأميركي في محاولة للالتفاف عليه. فلبنان في عين العاصفة ماليا ونقديا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. ومما لا شك فيه بأنّ الطبقة السياسيّة اللبنانيّة تقتنص الفرص الأخيرة قبل الاطباق عليها من قبل عامّة النّاس. ولبنان الدّولة يلفظ أنفاسه الأخيرة ما بين خضوعه وإذعانه للبعث السوري ولحزب الله وما بين تحرره سياسيا منهما. فما هي السبل المتاحة اليوم لمواجهة المواجهة التي فرضها الحزب مع المجتمع الدّولي؟ وهل لا يزال في لبنان مقوّمات للصمود؟

ينبغي التوقّف مليا على التطوّر الذي يشهده لبنان في الملفّ المالي اليوم. في حين أنّ التّهافت على الدّولار وصل إلى أوجه في اليومين الماضيين نتيجة متابعة السلطة السياسيّة بسياستها المحاصصاتيّة حيث تمّ توزيع المغانم التي غنموها من النّظام السياسي بين فريقيها الأبرزين، أي حزب الله والتيّار الوطني الحر. وما هذه السياسة المتّبعة من قبل هذا الفريق إلا على قاعدة “مرقلي سياسيًّا تمرقلك وظيفيا”. التيّار يؤمّن الغطاء السياسيّ للحزب بينما الأخير يغدق عليه من جيب الدّولة المثقوب لصالحه وهو النّاصح الجيب لحليفه الاستراتيجي.

والمؤلم في ذلك كله، رؤية هذا الفريق للدّولة على أنها مصدرا للقوّة وللرزق “الحلال”- الحرام، لكأنهما متأكّدان من انتهائها فتراهما مندفعين إلى سحب دمائها قبل سحلها في الميدانين الدّولي والعربي. لذلك كلّه رأينا الحزب يختار المجاعة على الانكسار، والباسيليّون ينهمون ما أغدقه عليهم من مغانم الدّولة. من هنا، نفهم سياسة المواجهة القصوى التي نهجها الحزب في معركته مع المجتمع الدّولي الذي على ما يبدو لن يدخل في سياسة التسويات معه تحت ضغط الأمر الواقع ليسلم لبنان.

زمن التسويات انتهى لا سيّما بعد انتهاء الزمن الأوبامي، وعلى ما يبدو أنّ الزمن الترامبيّ ذاهب هو الآخر في مواجهته إلى ما لا نهاية. وهذا ما قد لا يحمد عقباه لأنّها لن تستثني أحد. فالجوع لا يميّز بين أحد، في حين أنّ قرار الحرب معروف اتّجاهه. لذلك، قد يلجأ الحزب إلى خيار الحرب لسببين رئيسيين:

–  لظنّه بأنّ هذه الحرب ستحيّد اللبنانيّين وتحصر المواجهة مع شارعه فقط كما جرت العادة، وهذا ما سيسمح له بشدّ العصب لمواجهة الأخطر الآتي.

– لعلمه بأنّ أيّ حرب ضدّه سوف لن تقضي عليه، وعلى قاعدة المثل العامي، “الشدّة التي لا تقتلك هي تقويك.” وفي حال وقوعها هي كفيلة بإجهاض أيّ ثورة على السلطة السياسيّة التي يتزعّمها.

من هذا المنطلق، مطلوب من الشارع الثائر توحيد مطالبه المعيشية، وعدم السماح لأيّ حدث مفتعل بتحريكه خدمة للسلطة السياسيّة التي يثور عليها، لا سيّما بعد التحرّكات التي جرت بعد مسرحيّة التعيينات الماليّة والاداريّة التي دارت رحاها في اليومين الماضيين. فما حصل خطأ استراتيجيّ تمّ استدراج الثوّار إليه استدراجًا. فالسلطة مدركة تمامًا أنّ سبيل المواجهة الوحيد للشارع، يكمن من داخل المؤسسات الدّستوريّة في متابعة نهجها نفسه. وهي تستغلّ رفضه التنازل عن مبدأ ” كلّن يعني كلّن” الذي يضع الكلّ في سلّة واحدة، فتواجه به معترضيها لتعطيل قدرتهم الدستوريّة الضعيفة أساسًا.

لمواجهة المواجهة التي تفرضها السلطة السياسيّة لا سبيل إلا في دعم الجمهوريّين اللبنانيّين الذين لم يوفّروا أيّ جهد في متابعة نهجهم المؤسساتي الدستوري، والانقضاض على هذه السلطة من خلال الاطباق عليها بثورة تخلع عنها اللبوس الاجتماعي الصرف وترفقه بالرّداء الدّستوري المتمثّل بكوكبة لا بأس بها من السياسيّين الشرفاء. فمقوّمات الصمود الموجودة اليوم تكمن فقط في العنصر البشري الثائر بعدما تمّ تفريغ الدّولة من مقوّماتها كلّها. عدا ذلك، سيطلب عندها من اللبنانيين جميعهم البحث في شكل الانهيار لمواجهة مفاعيله، إن استطاعوا !

Exit mobile version