.jpg)
ملفت ما يحدث في بلدنا لبنان! لا يستطيع أي عاقل إلا أن يقف أمام الظهورات الاجتماعية. نستذكر هنا الفلسفة الظهورية التي ترجمها المفكّر اللبناني، الدكتور شارل مالك، عن مؤسس هذه المدرسة الفلسفيّة، إدموند هوسّرل، واشتهر من بعده هايدغر بما عرف بـ”الفينومينولوجيا”. وتعتمد هذه المدارس الفلسفية على الخبرة الحدسية للظواهر كنقطة بداية، ثمّ تنطلق من هذه الخبرة لتحليل الظاهرة وأساس معرفتنا بها. غير أنها لا تدّعي التوصّل إلى الحقيقة المطلقة المجرّدة بل تراهن على فهم نمط حضور الانسان في العالم.
من هذا المنطلق نحاول فهم ماهية الثورة وهكذية ثوارها على تنوّعهم. الحدس الذي يقود الثوار نابع من خلفيّات انتماءاتهم الحضاريّة. فهذه نقطة انطلاقهم لساحات الثورة حتى تحولت ظاهرة وجب التوقّف عندها. فالثوّار ينطلقون من خلفيّات مختلفة لم يستطيعوا التفلت منها. يجب التمييز بين أولئك المنطلقين نتيجة الجوع والعوز اللذين أصاباهما بعدما فقدوا وظائفهم، وبعدما باتت رواتبهم التي يتقاضونها تساوي ربع قيمتها بعد ارتفاع سعر صرف الدولار. وهنالك الذين انطلقوا بعدما حرّكتهم أحزابهم لإجهاض الثورة.
وباتت أنماط حضور الناس مرتبطة بحقيقة تحركها. من هنا، نستطيع فهم أداء الثوار، ولا نتفهّم هذا الأداء تحت أيّ ذريعة كانت. فالدّولة هي الأساس تماما كالنّفس البشريّة. فما ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ وما ينفع هؤلاء الذين كسروا وضربوا وهتفوا تحت مسميات ضيّقة لتدمير الدولة؟ ماذا سينفعهم إن ربحوا نمط حضورهم وانتماءهم وخسروا جوهر وجودهم، وجوهر انتمائهم أي الدولة؟
بين الماهية والهكذية يجب ألا تضيع الثورة. وهذا هو المهم. واضح أن هنالك مجموعات تتحرك غب الطلب. ولا نخفي سرًّا إن قلنا بأن حزب الله هو الذي يحرّك هذه المجموعات لتضرب الدّولة، ويعود ليقف بعدها ويحاضر بضرورة وجودها. حتّى لو نكروا، يبقى أنّ انتماءهم اللاوعي لخلفيّة أيديولوجيّة شرّبهم إيّاها الحزب طوال ثلاثة عقود على حساب الدّولة اللبنانيّة لصالح الثورة الاسلاميّة المزعومة والمنطلقة من إيران، هو الدّافع النّمطي الذي يحثهم على ارتكاب ما قاموا به ليل أمس في وسط بيروت.
لكأن هؤلاء يصبّون جام غضبهم الأيديولوجي على من لا يتفقون معه تاريخيا وأيديولوجيًّا. أعني هنا المكوّن الحضاري السنّي لأنّ الرّئيس الشهيد رفيق الحريري هو بنظرهم من عمّر بيروت. فهم يدمّرون الثمار الحريريّة. هي حرب دفينة بين مكوّنين حضاريّين مختلفين تاريخيا منذ أكثر من ألف عام. وحدهم الثوار الحقيقيون يدفعون ثمنها وإن استمرّت بهذا الشكل، سينجح الحزب بإجهاض الثورة الحقيقيّة.
هذه هي الظهورة الفلسفية التي لم يشِر إليها مالك في فلسفته الظهورية لأنّها لم تكن مستعرة حينها. بل هو أسماها في كتابه ” المقدمة سيرة ذاتيّة فلسفيّة” بظهورة الحسد والحقد لتتحول اليوم إلى ظهورة أيديولوجيّة لها نظامها الحاقد على الآخر المختلف. وما يجب القيام به لمجابهتها لا يكمن في اعتماد النهج نفسه، أي القوّة والتكسير. لذلك الثورة الحقيقيّة مدعوّة اليوم لإنتاج فكر ثورويّ حقيقيّ لا يقوم على موروثات يساريّة بائدة، بل على فكر تحرّري قوامه الحريّة والسيادة والاستقلال.
نعم، يجب استعادة هذه الشعارات وربط ثورة 17 تشرين مع ثورة 14 آذار لأنّهما كلّ لا يتجزأ. فإن تحقّقت الحريّة والسيادة والاستقلال بأشكالها الحقيقيّة لزالت حتمًا الظروف الاجتماعيّة القاهرة التي دفعت الناس إلى الثورة في 17 تشرين، وذلك لأنّ أساس مسبّباتها هي سياسيّة قبل أن تكون اجتماعيّة بحتة. هذه هي الحقيقة المطلقة المجرّدة التي يرفضون قولها اليوم. وما لم يتمّ الاعتراف بها، ومواءمة الثورة الاجتماعيّة مع ثورة فكريّة يخوضها المفكرون المتحررون في المجتمع اللبناني، وهم كثر؛ كذلك مع ثورة سياسيّة جمهورية دستوريّة يخوضها الساسة الذين أثبتوا نظافة كفّهم وكفاءتهم طوال 15 سنة، وهم كثر أيضًا، يبقى السؤال الوحيد المشروع، ” ثورة على مين؟”