سأل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المسؤولين السياسيّين والإداريّين والحزبيّين: كيف تعيشون تكريسكم لخدمة خير الشعب وازدهار الدولة، وجعلها دولة الحقّ والعدالة، فيما نجدها دولة المحاصصة والمحسوبيّات، ويُستباح فيها القانون والعدالة، ويُنهَب المال العامّ، وتُفرغ خزينة الدولة، ويُفقر الشعب، ويُرمى شبابنا وشاباتنا في الشوارع جائعين محرومين بطالين، حرّاقي دواليب، وقاطعي طرق، بينما هم طلاب ثانويون وجامعيون ومتخرّجون بطّالون أو مصروفون من عملهم بسبب الوضع الاقتصادي والصناعي والسياحي والتعليمي المتدهور؟”.
وقال في عظة الأحد، “أنتم أيّها الذين تتستّرون وراء المخرّبين المشوِّهين وجه الثورة الحضارية المحقّة التي نباركها؛ كفُّوا عن دسّ متظاهرين ليليّين مشبوهين، حمّلتموهم غايات خبيثة في نفوسكم باتت مكشوفة، وكلّفتموهم الاعتداء على المؤسّسات والمحال التجاريّة وأملاك الغير وجنى عمرهم، وتشويه وجه العاصمة لعلّكم تكفّرون الشعب بوطنه، وتضربون الانتفاضة- الثورة البهيّة الوطنيّة”.
ألا خافوا الله، وأصغوا إلى تبكيت ضميركم، إذا كان ما زال عندكم ذرة حية من الضمير! وإنّا نطالب الدولة بالتصدّي بحزمٍ لهؤلاء المخرّبين والحدّ من شرورهم، منعًا لانزلاق الوضع الأمني نحو فتنٍ لا نطيق احتمالها.
وأضاف، أن “كنيستنا المارونيّة تنطلق دائمًا من ثابتتين متكاملتين على المستوى الوطنيّ: الأولى، الحفاظ على الشرعيّة، لأنّ لا دولة من دونها، والثانية، احتضان الشعب، لأنّ لا دولة ولا شرعيّة من دون الشعب، فهو الذي يعطي الثقة، وهو “مصدر كلّ السّلطات”.
وتابع، “مشكلتنا الوطنيّة اليوم في لبنان هي أنّ ثقة الشعب بالوطن كبيرة، أمّا بالدولة فشبه معدومة؛ وثقته بالديمقراطيّة كبيرة، أما بأداء السياسيّين والمؤسّسات فضعيفة. هو الشعب اليوم ينتفض عن حقّ بسبب الوجع والقلق والعوز والفقر والخوف على الحاضر والمستقبل. فتحسّسوا أيها المسؤولون وجعه”.
وقال الراعي، “لقد أفقرتموه على جري السنين وهو في الأصل ليس فقيرًا؛ وجوّعتموه وهو في الأصل شبعانًا؛ وأذلّيتموه وهو في الأصل صاحب كرامة؛ وأنزلتموه إلى الشارع وهو لم يكن يومًا ابنَ الشارع؛ حجزتم أمواله وهو الذي كدّ وضحّى لادّخارها؛ وعدتموه بالاصلاح فتفاقم الفساد، وعمّ الهدر، وعادت المحاصصة من بابها العريض من دون حياء، مستهترين بوجع وصرخات المتظاهرين والمنتفضين والثوّار منذ ستّة أشهر.
وسأل، “أهذا هو إنجاز المسؤولين السياسيّين الذين تعاقبوا على السلطة إذ جعلوا الشعب اللّبنانيّ العظيم متسوّلَ بقاءٍ ووجود، فيما تلألأ كالمنارة في كلّ بلد وطئه شرقًا وغربًا، محقّقًا النجاح والابداع في مختلف الحقول؟ لن نسمح لأحد القضاء على دولة لبنان الراقية المحتفلة بيوبيل تأسيسها المئويّ، بل نعمل مع ذوي الارادات الحسنة على تجديد وجه لبنان بهويّته ورسالته، نحو المئويّة الثانية”.
وأكد أننا ندعم الحكم والحكومة ففقط من أجل غايةٍ واحدة، هي أن تسمع صوت الشعب الذي يريد دولةً فوق الجميع، تؤمّن أمنًا واحدًا، وقرارًا واحدًا، وحوكمةً رشيدة، وتعيينات منزّهة عن غايات السياسيّين ومصالحهم، ومرتكزة على معايير قانونيّة تتماشى والمرحلة الدقيقة التي نعيشها. الشعب يريد حكومةً تُجري الاصلاحات المطالَب بها داخليًّا ودوليًّا، والتي كان ينبغي أن تبدأ بها ضمن خطّة إصلاحيّة منذ نيلها الثقة.
وأضاف، “أتينا اليوم لنكرِّس وطننا وبلدان الشّرق الأوسط لسيّدة لبنان وقلب مريم الطاهر، تلبية لطلب السيّدة العذراء في ظهوراتها في فاطيمه في البرتغال للأطفال الرعيان الثلاثة في 13 تموز 1917، إذ قالت لهم: تجنّبًا للحروب والهلاك يريد الله إقامة التكريم لقلبي الطاهر في العالم” وأضافت: “تكرّسوا لقلبي الطاهر فتخلصوا”.