#adsense

الى المثلث الرحمات المطران يوسف بشارة: الحرية غربةٌ وتغرُب

حجم الخط

نكتب اليك يا سيدي لاننا ان صمتنا نحذف أهم ما في الوجود، أي الحرية.

لقد علمتَ يا سيدي أن ما من معضلة تقضُ مضجع الانسان كمعضلة وجوده، وما من موضوع شغل المفكرين –وأنت علمٌ من أعلامهم- كما شغلهم موضوع الوجود منذ سقراط وأرسطو حتى هوسرل Husserl)) وتلميذه هايدغر Heidegger)). وما الوجود؟ انه نقيض العدم، انه السؤال القديم -الجديد المتعلق بكيف نكون أو لا نكون، كيف نبقى أو لا نبقى، كيف نحيا ونموت. انه من أكبر المسائل الشائكة التي انبرى هايدغر على دراستها واضعاً نفسه بمواجهة من سبقه.

وعلمتَ أيضاً أن الوجود قبل الفكر وقبل المعرفة، لان الوجود أكثر انباءاً من الفكر وأكثر انباءاً من المعرفة. فالموت والحياة، الدمعة والابتسامة، الالم والسعادة، الحب والبغض، القبول والرفض، الخوف والشجاعة، التقرير والتردد، الحرية والعبودية هي التي تكتب سفر الحياة والتاريخ والوجود.

والوجود قبل سياسة هذا الزمان الفاشلة، الفاسدة، المتلونة، الهابطة الى أدنى مستوياتها وأسفلها، وكم جاهدتَ لتكون في خدمة الحقيقة والخير والقيم. وقد علمتَ أيضاً أن الوجود في صميمه وجوهره شخصيٌ قبل الجماهير الزائفة، الفاشلة، الغائبة، المتهافتة، الغارقة في سباتها غفوة أهل الكهف، الراكضة وراء كل شيء والباحثة عن كل شيء الا عن الحقيقة، القابعة في غفلة هذا الشرق الحزين والبائس كما ردد شارل مالك بعد هايدغر.

وتسأل الناس عن وجودهم، فيُغيِرون الموضوع. يحدثونك عن ألف موضوع وموضوع الا عن ألصق الاشياء بهم. وحده الحرُ يا سيدي يطرح سؤال الوجود. وحده الحرُ يسأل عن معنى الوجود. وأولُ الوجود الحرية. وما الحرية؟ الحرية ليست فكرة، الحرية ليست معرفة، الحرية ليست علماً، الحرية هي الناس الاحرار وأنت منهم، الحرية خطر، الحرية يقظة، الحرية صحوة، الحرية انتباهٌ لان الناس نيامٌ فاذا تحرروا انتبهوا، الحرية غربةٌ، الحرية تغربٌ.

كم كنت غريباً متغرباً يوم قُدتَ تجمع قرنة شهوان بتكليفٍ من المثلث الرحمات البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، الاشدُ منك غرابةً، لمواجهة التحديات التي عصفت بالوطن الصغير بحجمه، الكبير بدعوته ورسالته التي تُقرأُ حرية، يوم هبَ أحرارٌ من بلادي وقد أشعل الله في صدورهم شعلة الحق والتحرر. فرُحتَ تقودُ، وتُوجِهُ، وتُعلِمِ، وتُدبِر، وقد آثرت العمل على الكلام، وما أكثره هذه الايام، فكنت غير آبهٍ الا بما يُرضي ربَك وضميرك.

لقد كنت غريباً متغرِباً على مثال المعلِم الفادي يسوع المسيح، وهو أكثر الناس غرابةً في سفرالتاريخ. ان دعوتنا في الاساس دعوةٌ الى الغرابة، دعوة المسيح غريبة، دعوة الكهنوت الذي تحمله غريبة، دعوة المسيحيين في جوهرها غريبة. الدعوة الى الحرية غريبة، الموضوع من أساسه غربةٌ وتغرُب، يمقته من يجهله.

انما ما هي الغربة؟ وما هو التغرُب؟ الغربةُ وجودٌ من فوق، حريةٌ من فوق، تهزُ الواقع الهزيل من فوق، ترفض التماثل، ترفض المألوف، ترفض الطمأنينة القاتلة، ترفض الاستعباد، فاذا بها جلابةٌ للمتاعب، جلابةٌ للمصاعب، جلابةٌ للخطر، جلابةٌ للموت، لذا، فهي مرفوضةٌ، ممقوتة، مرذولةٌ، وكم كانت عظيمة المتاعب التي جلبتها لنفسك في الفترة الاخيرة لحبريتك.

مرفوضةٌ ممن؟ ممقوتةٌ ممن؟ مرذولةٌ ممن؟ ممَن هم من تحت، ممن هم في الاسفل، ممن هم في الادنى، عرفتهم وعرفوك وقد غلبهم اليأس، ومات فيهم السَعي والامكان، وأصبحوا بحسب تعبير Heidegger كالضمير الغائب: ((On، “هُم”، وتفسيره العدم أو لا شيء، فيقولون: ما لنا ولك يا حرية؟ ما لنا ولك يا خطر؟ دعونا في طمأنيتنا، دعونا على ما اعتدنا عليه من مألوف، دعونا على عبوديتنا، دعونا نعيش. فصرتَ لما سمعتهم -وأنت الحرُ- غريباً عنهم، فلا كنت منهم ولا هُم كانوا منك، وكم اضطهدوك يا سيدي لان لسان حالك غير لسان حالهم.

أنت يا سيدي، كما سائر الاحرار، من عالمٍ آخر لا يأنس اليه الرافضون القابعون في الحُجُبِ. واذ تُحدِثهم عن الحرية كأن هاويةً عظيمةً تفصل بينك وبينهم، فلا هم قادرون على العبور اليك، ولا أنت قادر على العبور اليهم.

علمتَ يا سيدي منذ البدء أن الحرية معركة، ومعركة الحرية الشخصية موضوعها الحقيقة وحرية الضمير. الحرية قبل كل شيء، الحقيقة قبل كل شيء. محنة لبنان بالصميم –كمحنة الشخص البشري المرمي في العالم بحسب تعبير سارتر Sartre)) و هايدغر Heidegger)) – هي محنة الحرية والحقيقة التي اذا لم يجمع عليهما اللبنانيون فليس بمقدورهم أن يجمعوا على أي شيء آخر، لا بل ان ما هو دون الحرية والحقيقة يبقى وهمٌ وعدمٌ.

وعلمت يا سيدي أن معركة الحرية في لبنان هي من داخل الجماعة الواحدة، من داخل اللبنانيين، من داخل الوطن، من داخل الشعب الذي بات شعوباً بعدما تبلبلت ألسنتهم.

لقد كان قدر تجمع “قرنة شهوان” الذي قدت حركته باخلاص كقدر “الجبهة اللبنانية” من قبل، كقدر الكنيسة المارونية التي كنت حبراً من أحبارها الميامين الذين منَ الله علينا بهم زمن المحن، كقدر بقية اللبنانيين المخلصين، الزود عن لبنان ولو مفردين. من طبيعة الحرية أن تكون مفردة وحيدة، فاذا ماتت أتت بثمارٍ كثيرة.

سهلٌ جداً محاربة العدو من الخارج- يقول صاحب “المقدمة”، أما أن تقف بوجه أبناء شعبك ووطنك ومجتمعك وتشهد أمامهم للحقيقة كما فعلت أنت فيا له من صليب. لقد شاءت العناية الالهية يا سيدي أن توجد في الزمان والمكان اللذان وجدت فيهما، تماماً كما شاءت العناية للمسيحية المشرقية، وللكنيسة المارونية تحديداً، وقدرنا أن نعيش بين محبسين: محبس المحبة والعيش الواحد، ومحبس الحقيقة وحرية الضمير، والمحبس الاول لن يقتلع منا المحبس الثاني.

لقد عرِفتَ يا سيدي كيف تحيا حُراً، أبياً، مُحباً، ومن يعرف كيف يحيا يعرف كيف يموت كما تقول الامثولة القديمة منذ الرواقيين الذين ألهمتهم كلمة الله الفاعلة في التاريخ كما ألهمت سواهم. ليس الموت خاتمةً لمسيرة قد تقصر أو تطول، الموت وجودٌ حرٌ مع الذات.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل