بعد إعلان رئيس الحكومة حسان دياب عن إحباط المحاولات الانقلابية كلها، استفاق اللبنانيون مطلع هذا الأسبوع وهم ينتظرون الاستنابات القضائية بحق الانقلابيين، ومذكرات الجلب بحق من سولته نفسه على إحراق أرزاق الناس وجنى أعمارهم في وسط بيروت. ومن المتوقع أيضًا هبوط دراماتيكي لسعر الدولار بعد الاطمئنانات التي أرخاها خطاب رئيس الحكومة. هذا المرتجى لكن الواقع عكس ذلك تمامًا!
يبدو للقارئ أن المسار الطبيعي للأمور قد سلك طريقه نحو التطبيق الفعلي لدولة المؤسسات والقانون. إلا أن ما ينقص هو عملية عفو، وليس العفو الذي يتحدثون عنه، بل هو عفو من نوع آخر. المطلوب العفو عن ملف التشكيلات القضائية الذي بات من المخزي تأخيره أكثر نتيجة للتجاذبات السياسية التي تخضع لعملية شد الحبال بين أبناء البيت الواحد وبين السلطة القضائية المستقلة والتي تجاهد للحفاظ على استقلاليتها، وبين السلطة السياسية المأسورة، وتحديدًا سلطة القصر التي تريد أن تفرض كلمتها على القضاء؛ أو على الأقل تريد أن تكون لها الكلمة الفصل في هذا الملف. وبذلك، تضرب هذه السلطة نفسها بنفسها حيث لم تأخذ في الاعتبار مبدأ فصل السلطات المشار إليه في الدستور.
ذلك كله مصحوباً بمعالجات اقتصادية أسبيرينية لداء السرطان النقدي المنهار على قاعدة العمل الدؤوب لضخ الدولار في السوق اللبناني من احتياط المصرف المركزي. قد تأتي بثمار هذه العملية لو أن النزف الحدودي توقف منذ أن تم إثارة ملف التهريب على الحدود اللبنانية السورية، من خلال المعابر غير الشرعية. لكن كمن يضع المياه في السلة! ووجهة هذه الأموال ستكون نحو الأراضي السورية لضخ الأوكسيجين للنظام السوري الذي سيخنقه قانون قيصر الأميركي.
لا بد من التوقف هنا عند التعنت في تحدي أميركا صاحبة ميزانية ال 850 مليار دولار لوزارة الدفاع. وليس لبنان الذي يتحدى هنا بل المحور الايراني- السوري بأكمله. ولبنان للأسف هو “المنصة” التي يتم إطلاق الحجارة منها على الأرض الأميركية. يبدو هذا المشهد أكثر من سوريالي لا يستطيع أي عقل أن يحده. لبنان يتحدى أميركا! من هذا المنطلق، صحيح أن قانون قيصر تم وضعه لمواجهة النظام السوري، لكن عواقبه على النظام اللبناني ستكون أكبر بكثير. وهذا ما سيسرع الانهيار في المنظومة اللبنانية القائمة.
في حين أن حزب الله كان بإمكانه الدخول في تسوية ما مع الولايات المتحدة الأميركية عبر إيران، وكان بإمكانه أن يغنَم لبنان كما حصل مع الأسد الأب بعد حرب الخليج. لكنه أضاع هذه الفرصة، وبات الرئيس الأميركي بعد تظاهرات فلويد بحاجة إلى نصر خارجي ليعوم نفسه بنفسه قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. لذلك، سيكون لبنان هو الميدان، والهدف هو المحور الايراني السوري بأكمله مع أذرعته؛ ما سيؤمن للرئيس فائضًا من الانتصارات، قد يستثمره في ولايته الجديدة.
أمام هذا الواقع الذي بات محسومًا، لم يبق أمام اللبنانيين إلا أن يقولوا لهذه الطبقة السياسية كلمة واحدة هي أصدق إنباءً من المواقف كلها وهي: “ارحلوا.” مطلوب أن يرحلوا قبل أن يُرَحلوا ويكلفوا لبنان سقوطًا لم يشهده طوال مئويتـه الأولى. لكن في مراقبة بسيطة لأدائهم، لن يرحلوا إلا بالقوة. والمشكلة هذه المرة هي بأن اللبنانيين جميعهم سيدفعون الثمن. وهذا ما حذرنا منه مراراً وتكراراً. فسقوط الهيكل اقترب، ولن يسلم منه أحد. ومن له أذنان للسماع فليسمع.