.jpg)
النصيحة، في اللغة، هي الإرشاد الى ما فيه خير وصلاح، أو هي تقديم المشورة لتجنب الفساد. واستناداً، يمكن لنا أن نطرح إشكاليةً موضوعية: هل ما دأب على إتحافنا به، في كل مناسبة، أولئك الذين يعتبرون أنفسهم إلهيين، من أقوالٍ متراكمةٍ، يصب، فعلاً، في باب النصيحة؟
في البداية، ينبغي أن نوضح كيف يرى هؤلاء الربانيون أنفسهم: إنهم يعتبرون أن الوحي يفيض عليهم من العقل الفعال، ليرتفعوا، بذلك، عن مستوى العامة من البشر، ويتصلوا بصفحات اللوح المكتوب، وينقلوا إلينا، ما خطه الله وكلفهم بنقله، وذلك، بأسلوب النصيحة.
في الوقائع، لم يطل واحد من هؤلاء المصطفين على الشاشات، إلا وبات خطابه يتضمن من الإرشادات النصحية، أكثر مما يشتمل عليه مضمونه من مقاطع تعالج المستجدات، وتحاول أن تجد حلولاً لما يقلق الناس، وما أكثر ما يقلق. وهذا الأسلوب مقصود الهدف، بمعنى إيهام المسمعين، بأن الناصح رزين، نقي التوجه، مهتم بشؤون مواطنيه، وأن هؤلاء منقوصي اللب، وفي سن المراهقة، وينبغي نصحهم، وهذا تكليف الناصح الشرعي.
بين الجملة والجملة، نصيحة. وبين النصيحة والنصيحة، نصيحة، أيضا. هذا الكم من النصائح يدفع الى التحير، والبحث عن الأهداف المضمرة التي يقصد إليها الناصحون. هل هي أهداف نبيلة، مقبولة، أم أنها تستبطن ما يجب الكشف عنه؟ لذلك، كان من الضروري أن نقسم بحثنا الى ثلاثة أقسامٍ، هي: تبيان أهلية الناصح، وطبيعة المنصوح، ومقاصد النصيحة.
أما الناصح الذي يوزع الإرشاد، في كل اتجاه، تمويهاً، فهو لا يتحلى، في الواقع، بالقداسة وبالمواصفات الطوباوية التي تسمح بوضعه في موقع الداعية، أو الواعظ الذي يحدث الناس عن جوهر الحياة، وما بعدها، أو عن المسلكية الصالحة التي توطد علاقة الفرد بالجماعة، أو عن إلزامية التقيد بالثوابت الخلقية والإنسانية، أو عن فلسفة فيض النعم من لدن الله على الناس. فالناصح بشر كباقي البشر، خاضع لمعادلة الصائب والمخطئ، لذا، هو، كما غيره، لاهث خلف مصالحه وميوله، وأهدافه، وهو مدمن تعشق القوة، يكلم الآخرين من فوهة مسدس، ويتنفس تحدياً ملْء رئتيه، ويحسب نفسه الخليفة المعصوم الذي ينأى عنْه الشطط، وكأنه الحاكم بأمره على جزءٍ من الدولة، والساعي الى استكمال السيطرة على ما تبقى منها. وهو المرتبط بأجندةٍ خارجيةٍ مشهودةٍ، وبنموذجٍ لا رابط بينه وبين الوطن، يتهم الآخرين بالعمالة، لمجرد أنهم يخالفونه الرأي. هذا الذي تصور أن الله قذف نوراً في صدره، تبنى ما قالته “المطرة” في “نبي” جبران، للمصطفى، حين هم بمغادرة أورفليس: “كل ما نطمع فيه، منك، هو الحصول على بعض الحقيقة التي أنت حاصل عليها، كاملةً”.
اما الذي يعتبره الناصح بحاجةٍ الى نصحه، طلباً للحقيقة، فهو، في الحقيقة غير محتاجٍ لهذا النصح المغرض. فالمتلقي ليس من أهل الحضانة أو المراهقة، إنه المقيم على الضفة الأخرى من الوطن، والذي يحق له، أن يرفض الناصح ونصحه، وأن يدلي برأيه، ويصرح بما يريد، من دون أن يصادر الناصح حقه، تحت أي شكل أو ادعاء. إن “المنصوح” هو الذي ينبغي أن يقدم النصيحة للذي يدعيها، فالمنصوح هو الذي تنازل، وتراجع، واغتال أكثريته أكثر من مرة، وأغضب جمهوره، ولم يواجه، لا خوفاً، بل حفاظاً على السلم الأهلي، وعلى معادلة التشارك في العيش فوق ترابٍ واحدٍ، وبظل رايةٍ واحدة، وخرج، من كل هذا، صفر اليدين، محبطاً.
أما رسالة الناصح، فمشروع شره القوة، يمكن اختصاره بكلمة، وإنْ تعددت الأساليب، وتنوعت الأطروحات، هي الترهيب. ومهما نشط الناصح لتجميل النص النصحي، سيبقى الباطن المموه جلياً، على الرغم من إلباس الظاهر أثواب الزخرفة، والتزيين. الهدف الإستراتيجي، من كل ذلك، هو وضْع اليد، بالكامل، على الوطن، والدولة، والحكم، والسلطة، لبسط سلطان الأيديولوجية الثيوقراطية كنظام، والأحادية المستبدة كممارسة. إن ترهيب الآخر، بمفهوم الناصح، يشل قدرته على الحراك المناهض، فلا يعود قادراً على الوقوف في وجْه خطة تغيير الحيثية اللبنانية، برمتها، وبالتالي يصبح، سهلاً، استحضار النموذج الغريب، بكل مندرجاته، نظاماً إلهياً ممدْمكاً بقوة السلاح.
النصح، أياً يكنْ صاحبه، يصبح ترهيباً، وتهديداً، وبالتالي مرفوضاً، شكلاً ومضموناً، عندما يستتبع بكلمة: “وإلا “.