التّمهّل والتّروّي في إصدار القرارات وتسطير الانطباعات، هو المسيطر على مقلب أحزاب المعارضة المحتكمة إلى قياس مواقفها بميزان من الحذر والتوجّس في هذه المرحلة التي يخيّم عليها الضباب وتكسوها غيوم ملبّدة من تحدّيات مفصليّة، تبدأ من ضعف الحكومة وعجزها عن قيادة السفينة وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، وتمرّ بالتلويح بتغيير وجه لبنان الاقتصاديّ والدستوريّ عبر شعارات تحمل في جوفها أهدافاً سياسيّة.
ويلمس أن أحزاب المعارضة تعمد إلى تبنّي استراتيجية تدعيم جسور التواصل والالتقاء بنعومة في ما بينها، إذ علم أن الرئيس سعد الحريري رحّب بفكرة زيارة موفد الحزب التقدمي الاشتراكي إلى معراب، وقد كان على علم مسبق بها خلال زيارة رئيس التقدمي وليد جنبلاط على رأس وفد من نواب “اللقاء الديموقراطي” إلى “بيت الوسط” قبل أيام. وتؤكد الأجواء المستقاة في هذا الصدد، بأن ما يجمع بين الحريري وجعجع أكبر بكثير ممّا يفرّقهما، وأن منحى العلاقة يتّجه تصاعديّاً بين “القوات اللبنانية” وتيار “المستقبل”، وهذا ما تعوّل قيادات في الحزبين على تبلوره في القابل من الأيام، مع العلم أن التواصل قائم بين الفريقين. يذكر أنّ خلوة ثنائيّة جمعت الحريري وجنبلاط خلال زيارة موفد التقدمي إلى “بيت الوسط”، استعرض الرجلان فيها مشهد المرحلة المقبلة.
وإذا كان قرار مشاركة رؤساء الحكومات السابقين الأربعة في لقاء بعبدا الحواريّ لم يحسم نهائيّاً حتى اللحظة، بانتظار تنسيق الموقف في ما بينهم في الساعات المقبلة واتّخاذ القرار الواضح، إلا أنّ المؤشرات التي استقتها “النهار” لا تزال تعكس تحفّظاً حول الجدوى من المشاركة لدى الرئيس الحريري، خصوصاً أن كلّ المعطيات الدائرة في فلك الدعوة لا تلمس هدفاً من لقاءات من هذا النوع، وفي وقت تقول أوساط مسؤولة في “بيت الوسط” إن المشاركة تحتاج إلى البناء على نتائج عمليّة منها أوّلاً، وإن العهد يقاطع الناس وليس العكس، مع التأكيد على أن الموقف سيتبلور خلال 48 ساعة بعد تنسيقه مع الرؤساء السابقين، وهذا ما كان أبلغه الحريري إلى رئيس تيار “المرده” سليمان فرنجيه في زيارته إلى “بيت الوسط”. لكن يلاحظ أيضاً غياب القطعيّة في تسطير ترجيحات سلبيّة حول قرار المشاركة من عدمها، إذ تحتكم الأوساط الى الرويّة وعدم الاستعجال في إصدار مؤشرات سلبية من اللقاء بانتظار تبلور القرار الموحّد.
يذكر أنّ الرئيس نجيب ميقاتي اعتبر أنّ “الحوار بين اللبنانيين أكثر من ضرورة في ضوء الأوضاع المأسوية التي يعيشونها على الصعد كافة، ولكن الحوار من دون رؤية واضحة وجدول أعمال محدّد، أو لمجرّد اللقاء والاستعراض ليس مفيداً بل سيحبط اللبنانيين أكثر ممّا هم محبطون”. وبدوره، أعرب الرئيس فؤاد السنيورة عن خشيته من أن يكون الهدف من اللقاء هو “لتبييض حزب الله وجبران باسيل، فتكون الصورة الملتقطة للّقاء كافية لتحقيق هذا الهدف”. ومن جهتها، أشارت مصادر الرئيس تمام سلام إلى أنّه “لن يشارك في لقاء استعراضيّ لن يتّخذ قرارات حقيقيّة، منها ما كان يجب أن يتّخذ مثل التشكيلات القضائية التي يعتبرها سلام من أبرز مقتضيات بناء الدولة والقضاء المستقلّ”.
في غضون ذلك، برز انعدام أمل من قدرة الحكومة على السير بالبلاد إلى برّ الأمان الاقتصادي، من أكثر من فريق سياسيّ معارض عبّر عن هذا الانطباع في صالونات سياسيّة، إذ احتكم أحد النوّاب المعارضين البارزين في إحدى اللقاءات، إلى استخدام العبارة القائلة بأنّ “الحكومة فقدت الأمل بنفسها ولسنا وحدنا فقط من فقد الأمل بها”، ولا تعويل عليها وعلى رئيسها حسان دياب، لكن الأمل يبقى قائماً في تغيير العقلية، وأن المطلوب فريق حكوميّ من “تكنوقراط” حقيقيّين، يساهمون في قيادة المركب من خلال تشكيل حكومة جديدة خارج إطار ما يجري حاليّاً، لأن الانزلاق الكامل صار على الأبواب.
إلى ذلك، سلّطت الأضواء في الساعات الأخيرة على زيارة موفد جنبلاط إلى معراب الذي شمل النائبين أكرم شهيب ونعمه طعمه، وعلم أن الزيارة تطرّقت إلى العلاقة الثنائية الثابتة بين الحزبين الحليفين مع استعراض النشاط المشترك في الجبل ما ينعكس إيجاباً على المكوّنين اللذين وصلا إلى قمّة علاقتهما في السنين الأخيرة. وتطرّق اللقاء أيضاً إلى المواقف المشتركة في مجلس النواب وضرورة تعزيزها. واستعرض الاجتماع وضع الحكومة وتخبّطها والقناعة الراسخة بأن الأمل مفقود من السلطة الحالية، لكن ذلك لا يلغي أن الجميع في مركب قعره مثقوب وعلى الجميع التجذيف والعمل للوصول إلى الشاطئ. وعلم أن الدكتور سمير جعجع متمهّل قبل إصدار القرار بالمشاركة في لقاء بعبدا من عدمها، لكنه حريص على الحوار. ومن جهته، لا يجد جنبلاط مشكلة في المشاركة باعتبار أنه من دعاة الحوار ويتوخّى مصلحة العيش الواحد في الجبل.
تبقى الخلاصة الأساسيّة المسطّرة لدى المعارضين في أن الغاية الرئيسية من لقاء بعبدا الحصول على غطاء سنيّ تتوخّاه الحكومة ورئيسها دياب من الأقطاب السنّة المتمثّلين بالرؤساء الأربعة… وتاليًا فإن نتائج اللقاء مرتبطة أوّلاً بالقرار النهائيّ المرتقب للرؤساء الأربعة.