رئيس جامعة “اللويزة”: لا نسمحنّ لرياح اليأس بتدمير حلم الله في وطننا

أحبّائي، عائلة جامعة سيّدة اللويزة

أكتب إليكم، وكم أودّ لو كان اللّقاء الشخصيّ ممكناً، فجائحة كورونا لا يزال خطرها رابضاً، والوقاية ما زالت واجباً مجتمعيّاً. ألتقي بكم عبر هذه الأسطر، جاعلاً من هذه الرسالة واحة لقاءٍ صادق وحوارٍ شفّاف كما اعتدنا في كلّ لقاء.

أخاطبكم وفي ذهني كلمة السيّد المسيح ” في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم” (يو ١٦: ٣٣). عالمنا في ضيق، وطننا في محنة متعدّدة الأوجه، جائحة صحيّة، أزمات اقتصاديّة بدأت ترهق كاهل الجميع، ولكنّ كلمة المعلّم تبقى: ثقوا، أنا غلبت العالم.

بهذه الثقة عينها أخاطبكم اليوم، لأقول لكم إن جامعة سيّدة اللويزة لم تولد في الرّخاء، بل خرجت من رحم المعاناة والضيق يوم تأسّست في فترة الحرب، وحملت اسم امرأة ما اتكّلت على قواها الخاصّة، ولا على غناها ومقتنياتها، بل على الله الّذي جعل منها قدوة في الثقة بالله، ومعلّمة في الإتكال على عنايته التي تقود سفينتنا عبر هذا العالم وظلماته. مثلها، نمت جامعتنا متّكلة على كلمة الله واثقة به ومنطلقة نحو المستقبل، لم تخش مصاعب، ولا مخاطر ولا ضيقات، إنطلقت بإتّكال مطلق على الله الّذي أرادها أن تكون.

نحو هذا المستقبل عينه لا نزال منطلقين، باتكّال على الإله الّذي لا يزال يريدنا أن نكون وسيلة خدمة وأداة ترتقي بمجتمعنا إلى حيث يجب.

ممّا لا شكّ فيه أنّنا نمرّ في واحدة من أسوأ الأزمات التي عرفها وطننا في تاريخه الحديث، وأن قطاع التعليم الخاص، الأساسيّ كما العاليّ، يواجه تحدّيات جمّة وفي بعض الأحيان مصيريّة، تحديّات سوف ننتصر عليها بإيماننا برسالتنا، بتكاتفنا، وبتضحياتنا. سوف ننطلق دوماً نحو الأمام والأعلى، بثقة لا تتزعزع، وبإيمان مريميّ، محافظين على دورنا الرياديّ والأكاديميّ والمجتمعيّ، جاعلين من جودة التعليم هدفاً لا نساوم عليه، عاملين على تطوير مؤسّستنا لنقدّم لطلاّبنا ما يليق بهم.

لقد استشرفنا منذ عامين ملامح أزمة مقبلة، فما انتظرنا بل بادرنا منذ العام ٢٠١٧ إلى اتخاذ مجموعة من التدابير الإحترازيّة التي سمحت لنا أن نواجه بمتانة أكثر أزمات هذا العام المتتالية، فقمنا بترشيد الإنفاق، وتمكين الحوكمة الشفّافة بحسب المعايير العالميّة، وضبط المصاريف، ووقف التوظيف والبناء، وتقليص النشاطات والسفر وحصرها بالضروريّ المطلق، وإعطاء الأولويّة للجودة الأكاديميّة، وللتطوير البحثيّ كما لدعم صندوق المساعدات الماليّة للطلاب الأكثر حاجة والمنح للطلاب المتفوّقين عبر وضع آليات موضوعيّة تضمن العدالة والإنصاف لطلّابنا، وهم يعلمون، وإن كانوا لا يبوحون أحياناً، أن أكثر من ٦٠ بالمئة منهم يحظى بمساعدة ماليّة أو منحة، وما لا يعلمونه أن مساعداتنا الماليّة لهذا العام قد بلغت العشرة ملايين دولار أميركي.

بدأنا نحصد ثمار جهودنا جميعاً، إداريّين ومعلّمين، حين استهلّينا العام الدراسي ٢٠١٩- ٢٠٢٠ بإزدياد ملحوظ في أعداد الطلاب المنتسبين الجدد، يتخطّى السنوات السبع الأخيرة، وأثبتت إنجازات جامعتنا المتعدّدة أهمية دورنا الرياديّ أكاديميّاً ومجتمعيّاً.

ولكنَّ الأزمة الإقتصاديّة كانت لنا بالمرصاد، مع كلّ ما جلبته من صعوبات وتحدّيات لنا ولطلاّبنا ولأهلهم.

وفي الخريف الماضي، مع انتفاضة ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، وقفت الجامعة كعادتها إلى جانب طلابها، فحاولنا التوفيق بين صون حقّ من يريد التظاهر، ومن يرغب في معاودة الدروس، فقدّمت جامعة سيّدة اللويزة آنذاك الدعم الأكاديميّ والمعنويّ والماليّ، من خلال تعديلات في المناهج، وخلق خليّة أزمة رافقت من تعثّر ماديّاً بسبب فقدانه أو أهله لعملهم، وتمّ التواصل مع الطلاّب المحتاجين بشكل فرديّ لإيجاد حلول تناسبهم، وتساعدهم للإستمرار في دراستهم، فازدادت قيمة المساعدات الماليّة، وخفّضت الدفعة الأولى لفصل الربيع إلى النصف، ومدّدت الدفعات إلى ست دفعات بدلاً من أربعة، لنكون إلى جانب طلاّبنا وأهلهم بقدر ما أمكن.

وجلب فصل الربيع معه تحدٍّ آخر، فترافقت الأزمةَ مع الوباء، وجاء الحجر المجتمعيّ وإقفال المؤسسّات والبلاد ممّا زاد في طين الأزمة الماليّة والإقتصاديّة بلّة وبلايا.

بالرغم من كلّ التحدّيات إنطلقنا في اختبار التعليم عن بعد لئلا يخسر طلاّبنا فصلهم، فتحدّينا الصعاب، واستطعنا في فترة وجيزة بعد إعلان حالة التعبئة العامة، إطلاق  البرنامج الأكاديميّ عن بُعد، وهنا لا بدّ من تحيّة الجسم التعليميّ الّذي أبدى كلّ مرونة واستعداد، بالرغم ممّا يتطلّبه هذا النمط التعليميّ من جهود مضاعفة، فأمّنوا نجاح العمليّة وأنقذوا الفصل الدراسيّ لطلاّبنا دون المساومة على جودة محتوى التعلّم، فتحمّلوا مسؤوليّتهم الأكاديميّة والمجتمعيّة ونجحوا.

ولأن جامعتنا هي جزء من هذا الوطن المثقل بالمشاكل، ولأنّ الأزمة الماليّة وتحدّيات المصارف قد أثّرت على كلّ قطاعات المجتمع، لا سيّما التربويّة منها، كان لا بدّ من مجموعة من التدابير إتّخذناها لضمان ديمومة الجامعة واستمراريتها على المدى البعيد.

لقد عقدنا جمعيّتين عامّتين في الفصل الأوّل من هذا العام، حين كان اللّقاء لا يزال ممكناً، وعرضنا جميع التحدّيات، لا سيّما صعوبة تحصيل الأقساط بسبب الوضع العام، وتأثير هذا الأمر على ميزانيّة الجامعة. ومع تفاقم الأزمة، وعدم قدرة الطلاّب على دفع مستحقّاتهم بسبب جائحة كورونا، كان لا بدّ من البدء باقتطاع جزء من رواتب الأساتذة والموظفين، عبر معادلة تصاعديّة بحسب الشطور، لكي لا يتأثّر ذوو الدخل المنخفض. أشكركم من القلب على تفهّمكم وتجاوبكم، فالتكاتف والتضامن هما السبيل الوحيد لعبور هذه المرحلة المصيريّة، إذ لا بدّ لنا أن نضحيّ بالقليل، لنستمرّ منطلقين نحو غد نأمله أفضل.

لقد أقلقتكم مؤخّراً الكثير من الأخبار والأحاديث التي طاولت جامعتنا، حول عدد من الأساتذة لم تجدّد عقودهم: لقد بدأنا منذ العام الماضي، قبل الأزمات كلّها، بتقييم حاجات الجامعة الضروريّة من قوى عاملة، بصورة منطقيّة وعلميّة، آخذين بعين الإعتبار حاجة كلّ كلّية وبرنامج لأساتذة متعاقدين، بناء على نسبة عدد الأساتذة مقابل عدد الطلاّب، كما قيّمنا البرامج التي نقدّمها ومدى جاذبيّتها واستقطابها لمنتسبين جدد، وبناءً على هذا التقييم إرتأينا ضرورة عدم التجديد لعدد من الأساتذة، للإعتبارات التي ذكرناها حصراً.

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الجامعة لم تطرد أساتذة، ولم توقف عقوداً قائمة كما أشاعت عن جهل أو عن سوء نيّة بعض الصفحات والألسن. إن استمراريّة المؤسّسات وثباتها، لا سيّما في أوقات الأزمات العامّة، تتطلّب قرارات صعبة وجريئة، وإن كانت مؤلمة.

إننا نتفهّم صعوبة المرحلة على الجميع، ونحن إذ نثمّن جهود هؤلاء الأساتذة ومقدّراتهم وتعبهم، نؤكّد وقوفنا الى جانبهم، بأيّ شكل ممكن في المرحلة القادمة، فهم يبقون جزءاً من أمْسِ جامعتنا كما ومن حاضرها.

كما أحيّي الأساتذة الّذين بلغوا سنّ التقاعد القانونيّة، وأشكرهم على تعبهم وخدمتهم في مرافقة أجيال من طلاّبنا وخرّيجينا، هم أيضاً يبقون جزءاً عزيزاً وغالياً من عائلتنا، ولهم في جامعتنا وفي قلبنا المكان الأعزّ.

لذلك، أركن إلى حكمة كلّ فرد من عائلة الجامعة في أن يقيّم أيَّ معلومة تصله عبر وسائل التواصل الإجتماعيّ أو في الصحف والمواقع الإلكترونيّة، فليس في كلّها الحقيقة، لا بل إن في بعضها تجنّ ومجافاة للحقّ كُتبت لغاية في نفس يعقوب.

ولكم، طلاّبنا الأحبّاء، كلمة صادقة من القلب أرسلها: أعلم قلقكم وأشعر بتعب أهلكم، وأعي حجم التحدّيات الماليّة والصحيّة والإجتماعيّة. تتساءلون عن غدكم ومستقبلكم، تتمنّون الرحيل أحياناً. أتفهّم مطالبكم، فالإبن يطلب من أمّه أوّلاً، والجامعة صارت أمّكم حين تخلّت الدولة عن واجبها تجاهكم مقابل ضرائب يدفعها أهلكم. تعلمون أنّ جامعة سيّدة اللويزة لم تبخل عليكم يوماً بما تقدر أن تقدّم.

لقد كانت جامعتكم دوماً السبّاقة في الوقوف إلى جانب طلاّبها، وفي احترام حقوقهم وحمايتها، وفي المحافظة على حريّتكم في التعبير، إن داخل حَرَم الجامعة أو خارجها. وعندما بدأت الضائقة الماليّة تطالكم وأهلكم، رفعنا عتبة المساعدات الإجتماعيّة إلى أعلى ممّا تسمح به ميزانيّتنا، فوصلنا إلى حدود العشرة ملايين دولار حتى اليوم، كما قسّمنا الأقساط إلى ستّ دفعات، وتمّ إلغاء مستحقّات إيجار مواقف السيّارات عن فصل الربيع كلّياً، وعن منامة الطلاّب جزئيّاً، علماً أنّ الجامعة بقيت ملتزمة بدفع كلّ المتطلّبات من يد عاملة، وصيانة، وحماية وغيرها.

لقد تعهّدت إدارتنا منذ ثلاث سنوات بأن لا تتخطّى الزيادة على الأقساط ال٢،٥ بالمئة سنويّاً، فلم تتجاوز الزيادة ال ٥٪ في فترة الإدارة الحاليّة (٢٠١٧- ٢٠٢٠)، لأنّنا مقتنعون بأنّنا لن نطلب منكم إلّا ما هو ضروريّ لإستمراريّتكم واستمراريّة المؤسّسة. أكثر من ٦٠٪ من بينكم يستفيدون من مساعدة ماليّة أو منحة دراسيّة، لم تتوقف في فترة الحجر، فاستفاد منها حتى من هم على لائحة ال Work-Study Grant.

وبالرغم من هذا، لا تزال ٥٦ ٪ من مستحقّات الربيع غير مسدّدة، فقط ٤٤ ٪ من الأقساط قد دفعت عن فصل الربيع (القسط الخامس) ممّا يعرّض المؤسّسة لأخطار وتحدّيات، سّيما وأن لا مداخيل أخرى لنا سوى الأقساط.

نتوقّع، كما سائر مؤسّسات التعليم العاليّ تراجعاً كبيراً في مداخيل العام المقبل، لا نسميّها خسارة، بل أمانة في أيدي طلابّنا وأهلهم، فنحن وأنتم عائلة تتضامن في مرحلة الصعوبات، لتبقى جامعتنا ثابتة، قويّة، منطلقة نحو التطوّر والإزدهار من أجلكم، ومن أجل من سوف يأتي بعدكم.

دعوتي لكم أن تعوا حجم التحدّي، وخطورة المرحلة على مؤسّسات التعليم العالي، ومن ضمنها جامعتنا.

إن أزمة التعليم العالي في لبنان ليست بسبب الجامعات، ولا بسبب الحوكمة فيها أو نمط إدارتها، أزمتنا اليوم هي أزمة الدولة اللبنانيّة، والجامعات ليست بجزيرة منفصلة عن مجتمعها وعن الدورة الإقتصاديّة في البلد، لا بدّ أن تتأثر الجامعة، حين تضطر إلى تقديم ما على الدولة تقديمه لطلابّها من دعم لكيما يتعلّموا.

فتّشوا عن مشاكل مؤسّسات التعليم العالي في مكان آخر:

في سوء إدارات الدولة المزمنة التي أوصلتنا إلى ما وصل إليه بلدنا.

في سياسات خاطئة جعلتنا لا نقدر على التصرف بمدّخرات وضعناها جانباً للأيام الصعبة، وأفقدت عملتنا قيمتها،

في أداء إقتصاديّ وإجتماعيّ نتج عنه مليون عاطل عن العمل، وقد يكون أهلكم من بينهم.

جامعتنا لا تعاني من أزمة داخليّة، بل تتأثرّ بسبب ارتباطها العضويّ بدورة البلد الإقتصادّية، فتتحمّل عن غير حقّ نتائج نهج مزمن من فساد وهدر وسوء إدارة، وتدابير أفقرت الشعب وجعلته غير قادر على تحمّل كلفة التعليم الخاص، ولم تهيئ القطاع العام بشكل كافٍ ليستوعب أعداد دافعي الضرائب مقابل العلم.  صحّحوا بوصلة العتب، وعاينوا سبب الداء، وارفعوا الصوت ضدّ مكامن الخلل الحقيقيّة، لتتحقّق العدالة الإجتماعيّة، ولتحصلوا على حقوقكم دون منّة من أحد.

سوف تبقى جامعتكم إلى جانبكم ولكم، بقدر ما تسمح به إمكانيّاتها، فأنتم جزء من العائلة، وأساتذتكم أيضاً، وكذلك الجسم الإداريّ، ونحن نسعى إلى صون حقّ الجميع، دون أن تقوم راحة جزء على حساب أجزاء أخرى من العائلة الواحدة.

آمل أن توقنوا أن ما قامت به جامعتكم من أجلكم، قلّة من الجامعات قامت به، إنّما المحبّة تقاس بأن يعطي الإنسان ممّا يحتاج إليه، لا ممّا يفيض عنه.

ختاماً، أعود إلى كلمة “ثقوا، تقوّوا”، لأقول لكم، نحن لا نسير وحدنا في ظلال هذا العالم وظلامه.

بثقة نسير، متّكلين على عناية الآب الّذي شاء أن نكون، ونبقى لأنّه يريدنا أن نبقى. صعبة التحدّيات، قاسية الصلبان، نقلق حيناً، نغضب حيناً، نرغب أحياناً كثيرة بالرحيل، ولكنّ الرّجاء الراسخ بأن الصليب هو درب القيامة يدفعنا إلى المضيّ قُدُماً بشجاعة، بإيمان وبإتكّال على الله، واثقين أن الخلاص آتٍ لا محالة.

لقد أقلقنا جميعاً ما حصل في بيروت يوم السبت الماضي، إذ رأينا أمامنا في ساعات قليلة عقوداً من حرب عشناها. لا تجعلوا للإنقسام بينكم مكاناً، ولا تسمحوا للإختلاف بالرأي أو بالمعتقد أن يكون سبب عداء، ولا تصدّقوا من يقول إن لبنان النموذج قد فشل. ثابروا على تنشّق هواء الحرّية وعلى رفع الصوت ضدّ كلّ ظلم، واسعوا إلى تحقيق المجتمع الذي تطمحون اليه، واحترموا دوماً حقّ الآخر في الإختلاف.

لقد شاءنا الله في هذه الأرض علامة وشهادة، فلا نسمحنّ لرياح اليأس بتدمير حلم الله في وطننا.

لبنان الّذي نحتفل بمئويّته بالألم والدموع هو أمانة وضعها الله في أعناقنا، فلا نضيّعن الأمانة. ولنتذكّر دوماً كلام الله في الكتاب المقدّس “الّذين يزرعون بالدموع، يحصدون بالفرح، والّذي يذهب باكياً حاملاً بذراً يزرعه، يجيء مرنّماً حاملاً غلاله” (مز ١٢٦: ٥- ٦).

نزرع اليوم بالدمع والألم، لنحصد بالإبتهاج، فلنثق بكلمة الرّب، فهو الراعي، وهو الأمين الدائم، به سوف ننتصر، وبه جامعتنا تنتصر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل