الاستدارة إلى الشرق … إنتحار

 

تعالت في الآونة الأخيرة دعوات الاستدارة إلى الشرق،  لا سيما من رائدي محور الممانعة، أي حزب الله والتيار الوطني الحر. وللتوضيح، إن ما ينادون به يختلف كثيرًا عن نظرية الانفتاح إلى الشرق. هم ينادون بالاستدارة الكلية نحو الشرق، وإدارة ظهرنا كبلد إلى الغرب. فما هو الفارق بين الاستدارة والإدارة والانفتاح؟ وماذا تعني عملياً الاستدارة إلى الشرق؟ وهل تشبه الكيانية اللبنانية والفلسفة التي قامت عليها الدولة في لبنان؟

للوهلة الأولى، لا يقف المستمع أمام حقيقة هذه الأصوات، وقد تتبادر إلى ذهنه أسئلة محقة لعل أولها يندرج في إمكانية قبول هذه الطروحات. ما نختلف به مع أصحاب هذا الطرح اليوم إنما هو نابع من مبدأ أيديولوجي وفلسفي لقيام الدولة في لبنان، وليس نتيجة لموقف سياسي. وجه  لبنان نحو البحر وليس نحو الجبال. وهذه نظرية جغرافية أكثر  من تحدث عنها المفكر اللبناني، الباحث التاريخي والجغرافي، جواد بولس.

لقد أورد جواد بولس في الجزء الأول من موسوعته ” شعوب الشرق الأدنى وحضارته، تاريخ مقارن منذ الأصول حتى يومنا” الصادرة عن دار سائر المشرق، في طبعتها الثانية عام 2018، وفي الصفحة 486، تحت عنوان :” فينيقيا- سوريا الشمالية- بلاد ما بين النهرين، منطقة مرور كبير وتبادل تجاري عالمي بين الشرق والغرب” ما يلي:

” إن تأثير الأسباب العامة والدائمة التي  تحددها الجغرافيا، والتي جعلت منذ فجر التاريخ دولتي ما بين النهرين ومصر على تضاد دائم، سيكون أشد وطأة منذ مطلع الأف الثاني (ق.م.) بفعل تطور الحياة الاقتصادية … وإن الدور الذي كانت تلعبه هذه المنطقة كأرض مرور بين بلاد ما بين النهرين ومصر هو منطقة توسع بالنسبة إلى الأولى ومجال حماية بالنسبة إلى الثانية، أضيف إليه بل طغى عليه دور جديد وأكبر على فينيقيا وسوريا الشمالية أن تلعباه، بعد ذلك التاريخ إلى جانب بلاد ما بين النهرين على مسرح التاريخ وهو دور منطقة المرور الكبير والتبادل التجاري العالمي بين الشرق الآسيوي والغرب المتوسطي.”

ما هذا الشاهد إلا لنوضح  بأن دور لبنان هو ثابت بفعل الجغرافيا لا يتبدل، إلا إذا كان المحور الإيراني- السوري المتمثل بحزب الله في لبنان يريد أن يغير الجغرافيا بعد فشله بتغيير التاريخ. وهنا الخطورة الكبرى، إذ يبدو عندها السؤال المشروع عن دور الحزب في سوريا، لا سيما في الحزام الحدودي الممتد من القصير وريف حلب شمالا حتى القلمون وريف دمشق جنوبًا. هل يسعى لتغيير جغرافي على قاعدة تواجده العسكري في هذه المنطقة مثلا؟

دور لبنان هو ممتد من تاريخ وجوده منذ زمن دولة المدن الفينيقية، ولا يستطيع أحد تبديله. ولن يستطيع ذلك طالما وجد في لبنان مَن هم مستعدون للدفاع وقت السلم كما في  وقت الخطر. وإحياء حلم طريق الحرير مشروع بالنسبة إلى الصين، لكن ما ليس مشروعًا هو أن يكون لبنان أداة لتحقيق هذا الحلم على حساب كيانيـته ووجوديته الضاربتين في جذور التاريخ.

أن نتعاون مع الشرق وننفتح عليه، هو أمر مشروع، لكن أن ندير ظهرنا إلى الغرب فهذا يعي إقفال 210 كلم من الواجهة البحرية على العالم، أي في ذلك خروج من الواقع التاريخي للشعب الذي عاش في الساحل الشرقي للمتوسط منذ زمن الفينيقيين وحتى اليوم. مع ما يعني ذلك من استدارة حضارية على حضارة الغرب. يبدو أن المنظرين لهذه النظرية لم يمروا في هذا الكوكب ليدركوا واقع تطور الحضارات!  ففي حين التقهقر الحاصل لحضارات الشرق اليوم، والتطور الهائل الذي تحققه حضارة الغرب، يريدون للبنان أن يلتحق بالشرق، يوم هو كان رائد هذه النهضة والحضارة في ذلك الشرق الهاجع في نوم أهل الكهف. مع عدم إغفالنا للتقدم الصناعي الذي تشهده بعض دول الشرق، لكن مع ملاحظتنا إلى اختلافنا الحضاري عنهم.

لمن لم يفهم بعد ماذا تعني الاستدارة، عليه أن يدرك بأن وجه لبنان الحضاري في خطر. هم ينقلون الحرب من مفهومها الوجودي إلى مفهومها الحضاري. وفي ذلك هروب منهم إلى الأمام، بعد استشعارهم بفداحة الخطر الوجودي الذي بات  يتهددهم في  كل لحظة. حذار مجاراتهم في حربهم هذه، لأن من يجاريهم يحقق ما تحدث عنه الفيلسوف اليهودي ” صموئيل هنتنغتون” في كتاب ” صراع الحضارات” 1993، وبالتالي ينسف دور لبنان ” مختبر الحضارات” و “لبنان الرسالة” ويحقق الغايات الصهيونية العالمية. ومن له أذنان للسماع  فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل