
بداية يجب الا يغيب عن بال الحكم ان عقد طاولة حوار وطني من دون الخروج بنتائج ملموسة، ينعكس مزيدا من الاحباط في الشارع اللبناني ولدى مختلف الشرائح الطائفية والمذهبية ما من شأنه ان يعطي مفعولا عكسيا أكثر تأجيجا وتوترا في ظل انسداد افق الحلول.
اولا: فاذا كانت غاية الحوار، ايجاد غطاء وطني لفشل حكومة حسان دياب وتعويمها، فهذا ليس حوارا بل خديعة لا يمكن ان نقبل بها. واذا كانت غاية الحوار خلق صمام امان وطني جامع لحزب الله وسلاحه في لحظة الاحتدام الاقليمي والدولي على وقع حزمة قانون قيصر في سوريا والعقوبات على ايران واشتداد العقوبات على الحزب، فتلك الغاية لن نقبل بتحقيقها.
واذا كانت غاية الحوار وضع افرقاء اللبنانيين امام امر واقع تحت شعار انقاذ البلد، بعد امعان فريق الحكم والسلطة في افساد ما افسدوه ومحاصصة ما تحاصصوه، ليطلع علينا من يتهم من لا يشارك بانه هو اصل المشكلة، فهذا تزوير للحقائق واحتيال.
اما اذا كان الحوار فقط لمجرد التقاط صورة جماعية ترسل اشارات الى العالم بوجود التفاف لبناني يشكل ارضية طمأنينة للغرب وصندوق النقد والمانحين وينفي عزلة فريق حزب الله المتهم بإدارة البلاد والسيطرة على مفاصل الدولة، ويغطي السموات بالقبوات، فهذه لعبة قديمة ممجوجة اثبتت فشلها وعدم مصداقيتها اذ لم تعد تنطلي لا على اللبنانيين ولا على الخارج.
ثانيا: السؤال يطرح: لماذا حوار بعبدا؟
عندما اجتمع الرئيس ميشال عون بموفد اميركي منذ أكثر من عام، وردا على تحذيره الرئيس من مغبة الاستمرار في تأمين الغطاء لحزب الله، اجابه عون إن اي سحب للغطاء عن حزب الله يعني حربا اهلية.
فهذه الروحية المستحكمة بالعهد وفريق الحكم هي العقبة الاساسية على طريق افشال اي حوار، لان قسما كبيرا من اللبنانيين، وصل الى قناعة بان السبب الاول والاساسي للازمات الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية التي يعانيها لبنان السلاح غير الشرعي للحزب واستيلائه على قرار الدولة اللبنانية وسياساتها لأجندته الاقليمية المعروفة.
والحالة هذه من حقنا ان نسأل: اي حوار وطني يمكنه ان يصل الى نتيجة بناءة ما دام ثمة خط احمر عريض ممنوع على اللبنانيين التحاور بشأنه بحجة الخوف من حرب اهلية؟ لا نفهم هذا المنطق الذي يفرض على اللبنانيين الابتزاز بالسلاح ان فتح ملف البحث في الاستراتيجية الدفاعية المشتركة.
لا تنقصنا طاولات وحوارات، وقد حفل تاريخنا بطاولات وحوارات، بقيت في قسمها الاكبر والاهم حبرا على ورق، فماذا تغير ونحن في صلب المواجهة ولعبة المحاور اقليميا ودوليا؟ واي حوار هذا الذي من منطلقه يوضع عليه شرط مسبق، بعدم الكلام او المس بالدويلة؟
واي حوار منتج يرتجى، وقانون قيصر وضم الضفة الغربية حدثان اقليميان على جانب كبير من الخطورة في تأثيراته وتداعياته على الواقع اللبناني تزيد من محاصرة الحزب بما يشبه مرحلة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتداعياتها السياسية والامنية والاستراتيجية.
واي حوار منتج يرتجى والسيد حسن نصرالله يتكلم عن بدائل جاهزة للمواجهة، ملمحا في كلامه الاخير الى ما يشبه التحذير او التهديد بان ثمة كلام اخر واجراءات اخرى في حال استمر تجويع اللبنانيين، وكأنه هو الامر الناهي والمؤتمن والوصي على اللبنانيين، والولي على مصيرهم. فمن قال له ان اللبنانيين يقبلون بخيارات الحزب وفريقه السياسي، بالتوجه شرقا وتحديدا باتجاه إيران والصين والتخلي عن الدولار الاميركي؟
ثالثا: إيران غارقة في ازمتها الاقتصادية والمعيشية الخانقة في ظل اشتداد الحصار الغربي والاميركي عليها والعقوبات التصاعدية، وقد بدأ نفوذها الاقليمي يتقهقر، كما في سوريا واليمن، والعراق، وبخاصة مع تفاقم اوضاعها في ظل كورونا. فهي في حصار مزدوج بين كورونا والعقوبات الاميركية، تتحول من صانعة معادلات اقليمية الى معرقلة للحلول بأقصى حد.
والجدير ملاحظته ان الدول العربية الواقعة تحت تأثير إيران وحدها على علاقات سيئة مع المحيط العربي والغرب، فيما دول المنطقة الاخرى كلها تتجه نحو المزيد من الشراكات الاقتصادية وتوسيع التبادل التجاري والاقتصادي، مع دول العالم.
وايران لم تستطع حتى فك ارتباط سعر عملتها بالدولار الاميركي اسوة بتركيا التي لم تفلح في ذلك نظرا لصعوبات جمة تعترض هذا التوجه، فسيطرة الدولار على الاسواق العالمية مستمرة ومن المبكر جدا استبداله بأية عملات اخرى ان اردنا التبادل التجاري والاقتصادي حتى مع ايران وروسيا والصين، فحتى ايران لن تقبل بالتعامل بالليرة اللبنانية في مطلق الاحوال، فضلا عن منظومة اقتصادنا الوطني المدولر.
اما بخصوص التوجه نحو الصين، فالسؤال البديهي الاول يطرح حول مدخول لبنان من اليوان الصيني؟ فأي استثمار صيني في لبنان لن يكون سوى كقرض على الدولة اللبنانية، لن تقبل بيجين بالعملة اللبنانية بل ستضعنا امام خيار بين اليوان او الدولار، فاذا عدنا مع الصينيين الى الدولار كعملة تعامل فنكون قد عدنا للمربع الاول، واذا تعاملنا باليوان فلبنان لا يصدر اي شيء للصين كي تتدفق لديه العملة الصينية.
اما على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فهل يعلم الأمين العام لحزب الله ان للصين علاقات تجارية ومالية وسياسية مميزة مع اسرائيل منذ التسعينات؟ وقد بلغت صادرات الصين الى اسرائيل عام 2019 ما يقارب 3 مليارات دولار، وبلغ ازدهار العلاقات الثنائية حد اقلاق واشنطن ضامنة اسرائيل، إذ كان البند الاول على جدول اعمال زيارة وزير الخارجية الاميركية بومبيو أخيراً الى اسرائيل وقف التعامل مع الصين او بأحسن الاحوال تقليص حجم العلاقات التجارية والاستثمارية بين اسرائيل والصين منعا للتجسس وسرقة التكنولوجيا الاميركية لصالح الاستخبارات الصينية والنظام الشيوعي في بيجين؟
فهل التوجه نحو اقتصاديات الصين، ينسينا ان اسرائيل تعاونت ولا تزال مع الصين في بناء الجيش الصيني منذ الثمانينات والتسعينيات وان الاف المستخدمين الصينيين يعملون حاليا في مشاريع اسرائيل الضخمة مثل محطات توليد الطاقة وسكك الحديد والانفاق والجسور وسواها؟
وللعلم ان جامعة تل ابيب انشأت مركز مبتكرا للبحث والتعليم مع جامعة تسينغ هوا، وجامعة بن غوريون انشأت مركزا مشتركا لريادة الاعمال والابتكار مع جامعة تشيني، وكبريات الشركات الصينية في مجالات الاتصالات والمعلوماتية تعمل في اسرائيل، وهناك اتفاق مدته 25 سنة لبناء ميناء حيفا مع اعطاء الصينيين صلاحيات كاملة في ادارة الميناء واستثماره.
وللتذكير أيضا، موقف الصين في مجلس الامن الدولي كان داعما للعقوبات على ايران، وكلها قرارات اممية منذ العام 2008 ومرورا بالعام 2010 حازت على موافقة الصين.
وللتذكير ايضا، ان الصين ومنذ تشديد العقوبات الاميركية على النظام الايراني اثر الغاء الاتفاق النووي، لم تجرؤ على تنفيذ اي مشروع استثماري في ايران وجمدت علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الجمهورية الاسلامية، تجنبا لشمولها بعقوبات واشنطن على طهران.
ناهيك عن المأزق المالي التي تعاني منه الصين حاليا بفعل جائحة كورونا، وتأثيراتها على الاقتصاديات العالمية حيث تعجز بيجين حاليا عن تحصيل ارباح وايرادات استثماراتها في العالم، والتي كانت وبموجب مبادرة الحزام والطريق، التي شكلت عصب سياستها الخارجية منذ العام 2013، تتوقع استعادة ارباحها من تلك الاستثمارات كما في مصر وباكستان واميركا اللاتينية وجنوب شرق اسيا وبعض دول اوروبا.
لو كان بمقدور الصينيين الاستثمار في المنطقة، الم يكن الاسهل لهم التقاط السوق السوري والانخراط في اعادة اعمارها؟ علما ان الروس حلفاء للصين وموسكو كما طهران بحاجة لتأمين الرساميل لإعادة اعمار سوريا.
لذلك نستنتج بأن طرح حزب الله بالتوجه نحو اقتصاديات الصين طرح سياسي بامتياز، وإذا كان الحزب يعيب على الاميركيين اجندتهم الاقليمية لصالح اسرائيل فللصين ايضا حلفها واجندتها مع الدولة العبرية.
رابعاً: اما وبالعودة الى حوار 25 الشهر، نذكر فريق العهد والسلطة، بأنهم كانوا في طليعة الداعين الى فصل الموالاة عن المعارضة وترك فريقه السياسي والحليف له يحكم لوحده فيما الفريق المقابل ينتقل الى المعارضة. فهل الدعوة لإشراك المعارضة في تحمل المسؤولية تراجع سياسي ينطوي على اقرار ضمني بفشل حكم 8 اذار وحزب الله من خلاله؟
الن يحاول الحزب من خلال طاولة 25 حزيران المقبل، حشر المعارضين لطروحاته وسلاحه، في زاوية مناقشات الخيارات المتاحة، وبما ان البحث في السلاح غير وارد، لا يعود امام المجتمعين الا الاقرار بالبدائل التي يسوق لها الحزب؟
على طاولة الحوار حقيقة واحدة: الاصلاحات ليست من مصلحة الحزب لأنها تفقده سيطرته وانتفاعه من مرافق الدولة وبالتالي ان كانوا قلقين على السلم الاهلي فليباشروا بإصلاحات سريعة تعيد ثقة المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي فتتدفق مجددا الاستثمارات الاجنبية وينتعش لبنان اقتصاديا ونقديا، فتنتهي التوترات المذهبية والمناطقية. والا فملهاة ما بعدها ملهاة في وقت نحن باشد الحاجة الى انقاذ فوري.
