من الخطة الإقتصادية إلى صندوق النقد

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1706

من الخطة الإقتصادية إلى صندوق النقد

لا أموال من دون تحقيق الإصلاحات

في أول أيار وقعت الحكومة اللبنانية طلبًا رسميًا للحصول على مساعدة من صندوق النقد الدولي. واعتبر رئيس الحكومة حسان دياب عقب التوقيع مع وزير المالية غازي وزني أن «الحكومة بدأت اليوم بالخطوة الأولى نحو ورشة إنقاذ لبنان من الهوة المالية التي يصعب الخروج منها من دون مساعدة فاعلة ومؤثرة». لكن جمعية مصارف لبنان أعلنت رفضها خطة الإنقاذ الحكومية، كما انتقدها العديد من الخبراء والقوى السياسية والشعبية.ويقدّر مسؤولون حكوميون حاجة لبنان اليوم إلى أكثر من 80 مليار دولار للخروج من الأزمة والنهوض بالاقتصاد، حيث يرزح 45 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر،بحسب تقديرات الخبراء. في المقابل يعتبر المسؤولون الغربيون أن لبنان في حاجة إلى إدارة حكومية سليمة والتحرر من قوى الأمر الواقع ووقف الفساد والهدر، قبل أن يأمل في نجاح أي خطة إقتصادية مهما كان شكلها… فهل تنفع كل هذه الجلبة الحكومية وسط الواقع غير المؤاتي للمساعدة الدولية؟ وما مصير الخطة على ضوء ذلك؟

 

تأمل الحكومة اللبنانية في أن يشكل طلب المساعدة من صندوق النقد «نقطة تحول في المسار الانحداري للواقع المالي والاقتصادي» للبنان.لكن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية آنييس فون دير مول،قالت «إن باريس مستعدة لدعم جهود لبنان على أساس خطته المعلنة»، معتبرة أنه «من الضروري أن يطبق لبنان إصلاحات ضرورية من أجل تعافي اقتصاده». وفي هذا الموقف مؤشرات كثيرة ورسائل بالغة الأهمية، إذا لم تلتقطها الحكومة أو لم تقوَ على ذلك، فعلى اللبنانيين ألا ينتظروا أي جدوى من كل الوعود الحكومية، وخططها الإقتصادية.

ويهدف لبنان إلى الحصول على برنامج دعم مالي، يأمل أن يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، إضافة إلى مساعدة فورية بقيمة 900 مليون دولار. في حينوسّع المسؤولون في صندوق النقد اتصالاتهم بالعديد من المسؤولين اللبنانيين الحاليين والسابقين في قطاعات حيوية، كالسلطة النقدية والقطاع المصرفي وبعض الخبراء المستقلين. وهم يستطلعون المواقف القطاعية والخلفيات وتقصي تحليلات الخبراء المحليين بشأن النقاط الرئيسية، وخصوصاً ما يتصل بتحرير سعر صرف الليرة، وتوقيته الأنسب، وبالآليات المطروحة لإعادة هيكلة البنك المركزي والجهاز المصرفي، والسبل الأنجع لحماية المدخرات الوطنية، وإمكانية الدخول في مرحلة التخصيص، فضلاً عن التحقق من إمكانيات الدولة وجديتها في التصدي لعمليات التهريب عبر المعابر غير الشرعية، والتهرّب الجمركي، والتزوير في فواتير المنشأ عبر المعابر الشرعية.

 

شروط ووعود والتزامات

أول الرافضين للخطة الحكومية للإنقاذ الإقتصادي، كانت جمعية مصارف لبنان التي أعلنت في بيان إنها لا يمكن أن توافق «بأي حال من الأحوال» على خطة إنقاذ اقتصادي حكومية لم تجر استشارتها بشأنها، ووصفت الإجراءات المتعلقة بالإيرادات والنفقات في الخطة بأنها غامضة وغير مدعّمة بجدول زمني دقيق للتنفيذ.وقالت الجمعية إن الخطة لا تعالج الضغوط التضخمية، وقد تؤدي عمليًا إلى تضخّم مرتفع جدًا.

كذلك، فحاكم البنك المركزي رياض سلامة صرح علناً بأنه لم يشارك في صوغ الخطة الحكومية ومقترحاتها، في تعبير واضح عن عدم رضاه عنها، الأمر الذي دفع بالمسؤولين في صندوق النقد إلى إدخال التباعد بين السلطتين التنفيذية والنقدية في البلاد، في حسابات التعاطي مع الموضوع برمّته. وتشير المعلومات حولالجولة الأولى من مفاوضات خبراء الصندوق مع المسؤولين اللبنانيين، إلى أن الخلاف المعلن بين رئيس الحكومة حسان دياب وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة، يترك انطباعاً سلبياً لدى المؤسسة الدولية، التي لم تواجه هذا النوع من التباين خلال تعاونها مع كثير من الدول.

ويركّز الصندوق على أكثر من خط ومستوى، وليس على ما قدمه لبنان من أوراق فقط. وبناء على ذلك يعمل على تحضير تفاهم عريض ومسبق بشأن البنود التي يجري طرحها.فيما تستند الحكومة إلى إقرار الخطة الإقتصادية وتعوّل عليها لإنقاذ الوضع، آملة في الحصول على قرض من الصندوق يصل إلى 10 مليارات دولار موزع على 5 سنوات، ومعزز برهان لاحق على استجابة المانحين لإحياء التزامات مؤتمر «سيدر» البالغة نحو 11.6 مليار دولار.

لكن تمنيات الحكومة اللبنانية لن تترجم بالضرورة قرارات ولن تتحوّل إلى أموال من غير شروط وقرارات داخلية جريئة. فنائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج، اعتبر أنه لا يمكن للسياسيين اللبنانيين الاستمرار في فعل ما كانوا يفعلونه لسنوات، عندما يتأملون في رد فعل الشارع والحالة التي وصل إليها اقتصاد البلد. وبدورها كشفت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كريستينا جورجيفا، أن الصندوق سينظر في المساعدات المالية «إذا كنا مقتنعين بأن هناك جدية في النهج الذي تتبعه الحكومة»، وهو ما يمكن اعتباره شرطاً يفرض على السلطات اللبنانية أن تلتزم به.» كما أن هناك شروطاً أخرى كثيرة تبدو الحكومة عاجزة عن تلبيتها، تبدأ بالسياسة وسيادة القرارات الحكومية، ولا تنتهي برفع الضرائب، والتخلي عن ربط سعر صرف الليرة بالدولار، وتحسين التغذية بالتيار الكهربائي، وتحرير قطاع الإتصالات وإصلاح التعليم وغيرها مما اعتبر «أمورًا ضرورية» لنيل رضا المؤسسة الدولية.

ويرى المراقبون أن تخفيض الدين العام على حساب البنك المركزي ورساميل المصارف والودائع، لن يسمح بتخصيص أموال لدعم الاقتصاد، ولن يسهم بأي دفع لتغطية متطلبات النهوض التي تتوخاها الحكومة، وهي من صلب أهداف الصندوق في برامجه المعتادة. ومن الأجدى بحسب رئيس لجنة الرقابة على المصارف (المنتهية ولايته) سمير حمود، أن يبدأ حل الدين العام بمعالجة كلفته، ومنح مهلة سماح شرط الشروع في خطة متكاملة تقود إلى توازن المالية العامة، إذ إن وقف تسديد الفوائد والأقساط على كتلة الدين العام لمدة خمس سنوات مثلاً، سيؤدي تلقائياً إلى تقليص الأعباء عن الموازنة العامة وتسهيل تنفيذ الإصلاحات المنشودة».

كما أن خفض عدد المصارف عبر الدمج أو عبر تصفية بعضها، هي خطوة مشكوك في جدواها وفي دوافعها وغاياتها أصلًا. والدليل أن الحكومة تتحضر لمنح تراخيص عمل لمصارف جديدة. ويرى المصرفيون أن تحجيم الجهاز المصرفي يفتقد إلى الموضوعية. فهو يتوجه إلى خفض عدد المصارف إلى النصف من مجموع الـ49 مصرفاً العاملة حالياً، علماً بأن العدد الحقيقي للمجموعات المصرفية لا يتعدى الـ 30، وتملك كل منها مصارف تابعة ذات رخص مستقلة.

 

لماذا خطة القوات هي الأفضل؟

من الناحية الحسابية البحت، رأت وكالة «بلومبيرغ» أنّ لبنان يحتاج إلى 28 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتخطّي أسوأ أزمة مالية تضربه. وأوضحت أنّ مصرف لبنان سيحافظ على سعر صرف الليرة الحالي، ناقلةً ما قاله وزير المالية غازي وزني خلال اللقاء التشاوري الذي عُقد في قصر بعبدا عن أنّ «تحرير سعر الصرف قبل استعادة الثقة ووجود دعم دولي يؤدي الى فلتان أسعار السلع وتدهور كبير لسعر صرف الليرة». وشدّد مصدر مطلع على ضرورة وجود برنامج اقتصادي قوي في لبنان، إضافةً إلى التمويل، وإلا سيفقد مصرف لبنان قدرته على تمويل واردات القمح والوقود والأدوية.

لكن عمليا وضعت القوات اللبنانية الإصبع على الجرح، بطرح رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع إقتراحات واقعية للحل. وهو حمل باسم تكتل «الجمهورية القوية» الى قصر بعبدا بنودًا إصلاحية عملية عدة تقدم حلولًا لمعالجة الوضع الاقتصادي والمالي الراهن. واعتبر التكتل في ورقة الخطوات الاصلاحيّة، أنّ «أيّ خطة إنقاذية للبلاد تستوجب قبل كل شيء مجموعة خطوات إصلاحية عملية، وليس مجرّد إعلان نوايا، تكون مدخلاً لسدّ جزء من مكامن الهدر في الدولة، ومن جهة ثانية مدخلاً لزيادة مداخيلها، من دون فرض أية ضرائب جديدة». وشدد على أن «الأهمّ من ذلك كلّه، هو أن الحكومة الحالية، أو أية حكومة أخرى، لن تستطيع استعادة ثقة الداخل او الخارج – هذه الثقة المهمّة جداً جداً لأي خطة إنقاذية – من دون خطوات عملية ملموسة بعد سنوات وسنوات من الوعود العرقوبية الكاذبة والتي لم تؤدِّ سوى الى هلاك البلاد».

وكانت للقوات ملاحظات وصفت بالجوهرية على الخطة الإقتصادية «من باب الإضاءة على ثغرات كبيرة موجودة فيها»، خصوصاً انّ بعضها يضرب عرض الحائط بأسس نظامنا الاقتصادي الحر الذي قام عليه لبنان منذ الاستقلال، كما ويخالف أحكاماً أساسية من الدستور اللبناني. وحددت ملاحظات القوات نقاطًا عملية لجعل أية خطة قابلة للحياة، وأهميتها أنها يمكن المباشرة بتنفيذها فوراً، وهي على سبيل المثال لا الحصر:

إلغاء الـ5300 عقد عمل التي أُبرمت بشكل غير قانوني بعد صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب لمصالح انتخابية وتعيينات سياسية. وذلك نظرًا لما لحجم العمالة في القطاع العام من تأثير سلبي على المالية العامة ومساهمة في أزمة الديون.

إغلاق جميع المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا، إذ أنها تتسبّب في هدر مئات الملايين من أموال الجمارك والضرائب بالإضافة إلى الإغراق التجاري للأسواق المحلية بالسلع المهربة وضرب الصناعة والزراعة اللبنانيتين، بالإضافة الى تعطيل التجارة الشرعية.

تحسين التحصيل الجمركي، حيث الفساد المنتشر على نطاق واسع هو مصدر خسارة كبيرة في المداخيل وتلزم معالجته على الفور من خلال التغيير في إدارة الجمارك.

إصلاح قطاع الكهرباء، حيث يكلّف دعم الكهرباء الخزينة حوالى ملياري دولار أميركي سنوياً. بقي هذا الملف من دون حل على مدى سنوات عديدة بسبب رفض الطرف الذي سيطر على وزارة الطاقة والمياه تطبيق الحلول المناسبة. فلم يتم تشكيل الهيئة الناظمة، ولم تُنفّذ القوانين المعمول بها، وتم اعتماد نهج ملتوٍ لإدارة القطاع، مما أدى إلى الفشل في توفير خدمات الكهرباء على النحو المطلوب، واستمرار الخسائر الكارثية المتكررة، مما ألحق أضراراً جسيمة بالمالية العامة تمثّل حوالى 45 بالمئة من الدين العام المتراكم في السنوات العشر الماضية فقط.

ما ينطبق على الكهرباء ينطبق إلى حد كبير على الاتصالات، حيث تم حلّ الهيئة الناظمة ولم يُنفّذ القانون الذي صدر عام 2002، مما أدى إلى ركود القطاع وارتفاع الأسعار مع تناقص العائدات. الاستفادة من إدارة المناقصات العامة التي تم استبعادها من جميع أنشطة المشتريات الرئيسية لتغطية الرشوة والفساد.

اعتماد آلية شفافة وفعّالة للتعيينات،في شكل حاسم، في المراكز العليا من إدارة الدولة.

واعتبرت ورقة «القوات» أن ما سبق ذكره لا يتطلب جهوداً كبيرة وهو ليس تعبيراً عن أفكار عامة غير قابلة للتنفيذ، بل خطوات يمكن أن تنفّذ على الفور إن كان هناك قرار سياسي بذلك. وبالتالي فإن أهمية هذه الخطوات تتلخص، في حال تنفيذها، في العناصر الثلاثة التالية:

العنصر الأول: إن تطبيق هذه الإجراءات يسمح للحكومة بتأمين إيرادات إضافية فورية من دون أية زيادة ضريبية على المواطن.

العنصر الثاني: لا يمكن تنفيذ أية خطة إنقاذ من دون معالجة الثغرات المسبِّبة للهدر والتي تعد ضرورية لإعادة الإنتظام في الإدارة العامة والمالية العامة، وطمأنة المواطنين إلى أن الحكومة تستعيد دورها.

العنصر الثالث: توجيه رسالة إلى الداخل كما الى المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، وخصوصًا صندوق النقد الدولي، مفادها أن الحكومة جادة بشأن الإصلاحات التي، بمجرد إثبات جدّيتها، تفتح آفاقًا مستقبلية للتعاون والدعم، لأن الثقة هي مفتاح الاستقرار المالي والاستثمارات .

ويقول خبير مالي عمل في مؤسسات دولية، أنه يصعب ترقب استجابة دولية منشودة، ما لم يتم تحضير الميدان المحلي جيدا واستباقها بتوافق وطني داخلي ضامن للتعهدات والالتزامات الإصلاحية المطلوبة، بدءا من المقاربة الجدية لملفات النقد وإعادة هيكلة القطاع العام والتوزيع العادل للخسائر، بعيدا عن تنصّل الدولة من ديونها القائمة. كما أن مصادر اقتصادية أعربت عن خشيتها مما تضمّنته الخطة من أفخاخ قد تؤسس لتغيير هوية لبنان الاقتصادية ودخوله الى سجن التأميم المالي والاقتصادي.

قد يكون الأبرز في كل ما تم طرحه من مقاربات، ما تطرق إليه ديبلوماسي غربي في لبنان، من أن «أي مقاربة للأزمة المالية والإقتصادية في بلدكم من زاوية بحت علمية حسابية، هي مقاربة خاطئة ولن تؤدي النتيجة المرجوة منها. فأزمة لبنان هي أولا صراع بين مفهومين ونظرتين متناقضتين لإدارة البلد وهويته ومستقبله، وهي ثانيا مزيج من الأزمات السياسية والمالية والإقتصادية… وحتى الأمنية. وعليه فلن تستقيم أمور البلد وأحواله قبل ترتيب سلم الأولويات في حل الأزمات. وإن أي محاولة من أسفل السلم لن يكتب لها النجاح… والمسألة تتطلب بعض الوقت».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل