الهروب إلى الأمام

 

درجت العادة الاستراتيجية في أوقات الأزمات المختلفة في الدول والكيانات، بافتعال أزمات أكبر من الأزمة التي تواجهها الدولة، أو المنظمة، أو الحزب، وذلك ليستطيع هذا الكيان الهروب إلى الأمام من أزماته بافتعاله أزمة تتوافق مع طبيعته الوجودية.

وممّا لا شكّ فيه، أنّه إذا كانت طبيعة المنظمة عسكرية فطريقة الهروب تكون بوساطة العسكر. ما يعني ذلك اللجوء الى الحرب. ومن المتعارف عليه أنّ وجود إسرائيل هو ذو طبيعة عسكرية، قائم على مبدأ الحرب الدائمة؛ فمن دون حرب إسرائيل لا تحيا. وكذلك حزب الله الذي هو بصدد المواجهة الدائمة مع إسرائيل هو من طبيعة عسكرية؛ لذلك لن يستطيع أن يعيش من دون نظرية الحرب، حتى ولو كان في موقع الدفاع وليس الهجوم؛ لكن الحالة الموجودة اليوم في لبنان، الذي يتحكم حزب الله بحكومته وبسلطته السياسية، تختلف بشكل جزئي عن هذه النظرية إذ يبدو أنّ الحزب اليوم بأمس الحاجة لما يدفعه للهروب إلى الأمام ليتجنب الوضع المأزوم الذي وضع نفسه وحلفائه به نتيجة لتموضعه الاستراتيجي الأيديولوجي في محور إيران.

إضافة إلى أنّ الطروحات السياسيّة التي يطرحها عبر حلفائه، تارة بعرض للإنجازات، وتارة أخرى بطاولة حوار. كذلك يبدو أنّ نتيجة المفاوضات مع صندوق النّقد الدّولي صارت شبه محتومة، بسبب عدم جديّة السلطة السياسيّة، ولأخذها هذه الأمور على “اللبناني” كما يُقال بالعاميّة. فهذه القاعدة لا تنفع بالتّعاطي مع المجتمع الدّولي، وهي من أبرز ما أدّى إلى عرقلة أموال مؤتمر سيدر حتى اليوم، كي لا نقول فقدانها.

على ما يبدو أنّ الأيّام القليلة المقبلة ستحمل تطوّرات اجتماعيّة دراماتيكيّة، لن يكون أقلّها ثورة جارفة قد تطيح المنظومة الحاكمة، هذا إن عرف النّاس تصويب أهدافهم وضبط أدائهم، لمواجهة مندسيّ السلطة. لا سيّما بعد الجريمة المفضوحة بحقّ اللبنانيّين من صيارفة السلطة الذين رفعوا سعر الصرف حتى كاد أن يلامس السبعة ألاف ليرة لبنانيّة للدولار. فبتنا نعيش اليوم في جمهوريّة الصرّافين لا في جمهوريّة المصارف.

وفي حال فشل مواجهة هذه المسائل مجتمعة من قبل السلطة السياسيّة، ستلجأ هذه الأخيرة إلى تصعيد من نوع مغاير؛ قد يكون في مواجهة حتميّة يقودها حزب الله ضدّ إسرائيل. ولن يكون ذلك من دون تقاطع مصالحه مع مصالح إسرائيل نفسها، فكلاهما يحيا على قاعدة نظريّة الحرب. في هذه الحالة، قد يجهض الحزب أيّ مواجهة اجتماعيّة قد تطيح سلطته التي لن يحتمل مواجهتها بطرقه التقليديّة على “موستيكات” أزقّة الفقراء المأجورين بلقمة عيش متّسخة بأيدولوجيّة مُسَيطِرة على العقل والتفكير.

من هذا المنطلق، سنكون أمام حصار من نوع جديد يندرج تحت منظومتين كالآتي:

– منظومة إقتصاديّة دوليّة تسقط أي احتمال لاقتصاد رديف يقوم على أموال منهوبة من العراق أو مغسولة من دول المحور الإيراني؛ وهذا ما سيرخي بتداعياته على الإقتصاد اللبناني، ولن يسمح للبنان بالتّحرّك إقتصاديًّا، ما سيدفع حتمًا إلى انفجار إجتماعي وليس فقط إلى ثورة عاديّة.

– منظومة عسكريّة حربيّة قد تسمح لمنظومة الحزب وسلطته بتأمين مناطقه فقط إقتصاديًّا ما سيخفف العبء على أهله وناسه، وبالتّالي النقمة، حيث سيشدّ العصب بثقافته الحربيّة المعهودة والمعتاد عليها جمهوره. كذلك ستسمح له هذه المنظومة بإحكام السيطرة أكثر على الدّولة اللبنانيّة التي ستصبح تحت أمرته الحربيّة بالكامل. ولن يستطيع تحقيق هذه الغاية إلا إذا نجح بمقاطعة مصلحته هذه مع سير العمليّة الحربيّة تكتيًّا.

خلاصة القول، تنتظرنا أيّام، لا بل ساعات حاسمة، إجتماعيًّا وثورويًّا، إقتصاديًّا وماليًّا، وسياسيًّا وحتى عسكريًّا. وإن لم يحسن اللبنانيّون الأحرار ضبط إيقاع النّاس قد يقع المحظور وندخل في المجهول. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل