بيان بعبدا: رسائل مبطنة واستهدافية

من يقرأ بيان ما سمي بطاولة الحوار تاريخ 25 حزيران 2020 الصادر عن قصر بعبدا، ويتمعن في ما بين سطوره يتكون لديه انطباعين اساسيين: وجود العهد والسلطة في كوكب اخر منفصلين تماما عن حقائق الارض والواقع المرير والاولويات التي تهم الشعب، وبنفس الوقت وجود بمثابة امر عمليات قمعي بأسلوب النظام الامني السابق اللبناني السوري ضد المعارضين والمنتفضين والثوار.

منذ مدة تدأب المصادر الامنية الموجهة سياسيا الى بث تحذيرات وانذارات حول عدم السماح بالمس بالسلم الاهلي والامن العام والممتلكات العامة والخاصة، وهذا امر مفهوم ومرحب به، الا ان ما يقلق ان يأتي بيان بعبدا، بالأمس ويسلط بين سطوره الضوء على المعارضة، السياسية، تارة باعتبار مقاطعتها الحوار المزعوم رفضا للحوار (في ما الحقيقة عكس ذلك) وطورا باتهامها بطريقة غير مباشرة بانها عنفية وتحميلها اعمال التخريب التي حصلت في وسط بيروت، بما يسهل الربط بين اية معارضة ولو سياسية وبين اي تحرك تخريبي لاحق.

من هنا لا بد من التوقف عند أبرز ما جاء في البيان:

اولاً: عندما يشير في بنده الاول الى ان الاستقرار الامني اساس لا بل شرط للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي والنقدي، يقلب الحقيقة راسا على عقب، لان الوضع المذري والمنهار حاليا في لبنان بفعل الازمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها، يجعل الاستقرار الاقتصادي والمالي والاجتماعي والنقدي في اساس الاستقرار الامني وليس العكس.

ثانيا: في بنده الثاني، عندما يشير البيان الى ان الحرية سقفها الحقيقة ولا حد لها سوى حرية الاخر واحترام القانون، نسأل: اية حقيقة يقصدها البيان؟ حقيقة انين الشعب وجوعه وفقره وحرمانه، والذي يقمع من الحكم والسلطة؟ ام حقيقتهم هم الجالسين على كراسيهم ومناصبهم يمعنون فسادا وافسادا ومحاصصة وتقاسم واقتراعا على ثوب البلد؟ ام حقيقة التغاضي عن الدويلة ضمن الدولة وسلاح الدويلة وسياسات الدويلة الخارجية المرتدة سلبا على لبنان وسياساته الخارجية وامنه القومي والاقتصادي والاجتماعي والمالي والنقدي والسياسي والامني؟

إذا كانت الحرية سقفها الحقيقة فلماذا تقمع الحرية؟ وإذا كانت حرية الاخر عبودية وزل اليس من حق الانسان ان ينتفض على واقعه المستعبد؟

فهل الحكم والسلطة الحالية يمتلكون حصرية الامساك بالحقيقة ام انهم لا يرون الا حقيقتهم التي يردونها على حساب الحقيقة المجردة؟ واعتاد بعضهم ومنذ زمن العضوميات تركيب الحقائق وتركيب الملفات وادباغ حقائق مزورة ومزيفة وملغومة، لاعتمادها بوقاحة وبحاجة على انها هي الحقيقة.

ثالثا: في بنده الثالث يشير البيان الى ان الحياة الديمقراطية لا تستقيم في نظامنا الدستوري البرلماني من دون وجود معارضة ولا سيما معارضة برلمانية، فمع التأكيد على هذه القاعدة الديمقراطية، الا ان نسأل ومن حقنا السؤال: هل يقصدون ان المعارضة محصورة بالبرلمان؟ وما تبقى لا يعتبر معارضة بل تهديد لهم؟ خصوصاً ان البند نفسه اتى على ذكر المعارضة العنفية، والتي ان دل استخدام هذه العبارة على شيء فعلى محاولة نسبة التخريب والشغب بالمعارضة تمهيد لإيجاد ارضية قمع قانوني لها وبحجتها قمع المعارضين والثوار والمنتفضين.

فلا دخل للمعتدين على الممتلكات العامة والخاصة بالمعارضة كي يلصق البيان بهم توصيف المعارضة، وما اقحام تلك العبارة في معرض الاشارة الى المخربين والمشاغبين والمعتدين على الاملاك في بيروت الا من باب الغمز من قناة اي معارض يود التعبير عن معارضته وربما لاحقا اي حزب او تنظيم معارض يتحرك في الشارع لشمولهم بنفس مفهوم القمع والملاحقات.

فاذا كان حق التظاهر يصونه الدستور وهو كذلك، وإذا كان الشعب مصدر السلطات، وهو كذلك دستوريا وشرعيا، فاين الحكم والحكومة والسلطة من ارادة الشعب ومطالب الشعب وتظاهرات الشعب وقد اقر رئيس الوزراء حسان دياب نفسه بان لا قيمة لكل اجتماعاتهم وكلماتهم وخطاباتهم في نظر الناس.

رابعا: وفي بنده الرابع جاء في البيان، تمني بارتقاء الجميع الى المستوى الوطني في العمل السياسي متجاوزين الاعتبارات والرهانات السلطوية، فهل يرتقي حزب الله الى المستوى الوطني في عمله السياسي المبني على تبعية لبنان للمحور الايراني الاسدي؟ وهل يرتقي حزب الله الى المستوى الوطني برفض التنازل عن سلاحه ودويلته لصالح دولة لبنانية مركزية سيدة حرة ومستقلة وقوية بالتفاف كل مكونات الشعب حول دولتهم وجيشهم وقواهم الامنية والعسكرية؟ وهل يرتقي حزب الله القابض على مفاصل الدولة وقراراتها السيادية بالحرب والسلم وفك ارتهانه وارتزاقه بإيران ومعاداته العرب والخليج والغرب، اصدقاء لبنان والمانحين الحقيقيين والوحيدين له؟

وهل يرتقي حزب الله الى المستوى الوطني باحترام الرأي الاخر للشريك الاخر في الوطن الرافض لطروحاته وسياساته واختطافه لبنان واللبنانيين كافة بقوة السلاح الى حروب ومواجهات لا ناقة للبنان له فيها ولا جمل، مسببا نتيجة ذلك للبنان عزلة وانقطاع اوكسيجانه، وتوقف ضخ المساعدات والاموال والاستثمارات الصديقة والشقيقة وهبوط سعر صرف الدولار والغلاء الفاحش والجوع والفقر والانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي والمالي والاجتماعي؟

إذا ارتضينا الالتحاق بإيران ونظام الاسد نرتقي الى المستوى الوطني؟
إذا ارتضينا تبعية لبنان وتجويع لبنان لخدمة اجندة الممانعة والمواجهة نرتقي الى المستوى الوطني؟
إذا قبلنا بالتوجه نحو الشرق وقطع العلاقات مع الغرب نكون قد ارتقينا الى المستوى الوطني؟
تماما كما ان الحوار لدى السلطة يعني الاذعان لرايهم، كذلك الارتقاء الى المستوى الوطني يعني الاذعان لوجهة نظرهم وسياساتهم.

خامسا: يشير البيان في بنده الخامس الى معالجة مفاصل الخلافات الكبيرة التي تؤجج انقساماتنا بروح المسؤولية والتفاهم، والى السعي لتوحيد المواقف او تقاربها اقله حول المسائل الكيانية والوجودية، في وقت واثناء النقاشات لم يتحمل النائب محمد رعد ولا نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي انتقاد الرئيس السابق ميشال سليمان للحزب وسياساته التي افضت الى ما بات عليه لبنان، فكيف يمكن توحيد المواقف وتقاربها في المسائل الكيانية والوجودية لا بل كيف يمكن معالجة مفاصل الخلافات الكبيرة التي تؤجج الانقسامات والحزب وسياساته ونهجه هو في اساس الخلافات الكبيرة وفي اساس الازمة الكيانية والوجودية؟

فليبدؤوا بتقبل وجود راي اخر مخالف، وليبدؤوا بتقبل فكرة الدولة الواحدة الموحدة النهائية لجميع ابنائها لا الدولة الساحة المفتوحة امام الصراعات والمترابطة مع الساحات الاخرى في المنطقة.
سادسا: جاء في البيان الاشارة الى التطوير في النظام السياسي وتطبيق الدستور وتطويره لسد الثغرات وتنفيذ ما لم يتحقق من وثيقة الطائف، كلام حق يراد به باطل، لان اي تطوير للنظام السياسي واي تعديل في الدستور سيفتح على لبنان ازمات اضافية، ما بعدها ازمات خاصة في ظل الظروف الداخلية والاقليمية وتوازن القوى، وسيطرة فريق في الداخل على الفرقاء الاخرين وفائض القوة، اما تطبيق وثيقة الوفاق فامر مفروغ منه، وخصوصاً اللامركزية الادارية ومجلس الشيوخ وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية والذي اصبحت نصا دستوريا ملزما، واعادة النظر في التقسيمات الادارية تمهيدا لقانون انتخابات جديد.

فأي تطوير لنظام لبنان السياسي يجب ان يراعي تطلعات جميع المكونات اللبنانية، ومتطلبات طمأنة كل واحدة منها الى المشاركة الفاعلة والمتساوية في الحكم والادارة، اما ما دون ذلك فمشروع حرب.

سابعا: ويذكر البيان في فقرته الاخيرة، وفي نص متكامل ما يجعلنا نعتقد انه صيغ متوجها لحزب الله، اذ اهم ما تضمنه هذا النص، التأكيد على دور لبنان وموقعه في محيطه والعالم، وتداعيات كل ما يصيب هذا الدور من سياسات خارجية تؤثر على هويته العربية وعلى موقعه الجامع.

فمن يقرأ هذا النص لا يتردد في التفكير بحزب الله، اذ هو الذي لا يرى لبنان الا ساحة اقليمية مفتوحة للمواجهة بين المحاور، لا وطنا ودولة مستقلة وسيدة في محيطها وليس عن محيطها والعالم، وهو الذي لا يرى لبنان الا كجزء من منطقة ومحور يمتد من فلسطين الى افغانستان، مرورا بسوريا واليمن والعراق وإيران. وهو الذي ينتهج سياسات اصطفاف خارجية، الى جانب محور طهران، سوريا، يمليها على لبنان واللبنانيين من شانها التأثير على هوية البلد العربية وموقعه الجامع، وله تأثيرات مدمرة على النموذج اللبناني وتفاعله مع محيطه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل