أميركا تدير الدفة… شيا ضمن الصراع الكبير

لبنان بات دولة عبثية عدمية محكومة بسلطة مستقيلة من أبسط مسؤولياتها، تزجّه قسراً في محور معادٍ للعالم، فيما تتفرغ لقمع شعبها الجائع الثائر على الارتكابات والصفقات والفساد. وآخر إبداعات العبثيات، محاولة تبليع اللبنانيين قضية منع السفيرة الأميركية دوروتي شيا من الكلام عبر قاضي أمور العجلة في صور محمد مازح، الذي قضى أيضاً بوقف بث وسائل الإعلام التي تستضيفها وتغريمها مبالغ طائلة، تحت ادعاءات الحرص على السلم الأهلي.

وسائل الإعلام قاومت القرار ودافعت عن حرية التعبير، والسفيرة الأميركية صعَّدت من لهجتها وأكدت أنه “سيكون للبنان نقطة سوداء على سمعته بعد ما حصل”، فيما توالت تصريحات الممانعين المؤيدين لمازح.

مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية سامي نادر، يرى، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الأمور تتجه نحو التصعيد، على الرغم من أنه “كانت هناك بداية حوار إيراني أميركي من حوالى 4 أشهر إلى ما قبل أزمة كورونا ورأينا مؤشرات عدة في هذا الاتجاه”.

ويلفت إلى أن “من بين المؤشرات إلى الحوار، تبادل الرهائن والموقوفين مثل عامر فاخوري ونزار زكا وإطلاق العالم الإيراني الذي كان مسجوناً في الولايات المتحدة، إلى حكومة مصطفى الكاظمي في العراق والسماح له بشراء منتجات نفطية من إيران مقابل أموال، بالإضافة إلى تجاوب حزب الله في لبنان مع التوجه إلى صندوق النقد الدولي بعد ممانعته. لكن هذا الحوار انقطع اليوم”.

ويعيد نادر أسباب انقطاع الحوار إلى أن “إيران أرادت في البدء عقد صفقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل إعادة انتخابه لولاية ثانية كما كانت تتوقع بحسب صعوده المضطرد في الاستطلاعات، على اعتبار أنها يمكن أن تدفع أقل مما ستدفعه بعد إعادة انتخابه إذ سيكون في موقع أقوى. لكن طهران اعتبرت لاحقاً أن حظوظ ترمب أصبحت أقل بعد تفاعلات أزمة كورونا. وربما تعتبر طهران أن بإمكانها الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل، إذ قد تحاور شخصاً آخر. أو في جميع الأحوال، لأن ترمب أصبح ضعيفاً الآن ويمكن أن تحصل منه على أكثر”.

لكن نادر يشدد على أن “هذا لا يعني أن ترمب هو اللاعب الوحيد في المنطقة، إذ إن روسيا دخلت على خط الأزمة في سوريا وهناك تباين أكثر فأكثر بين الأجندتين الإيرانية والروسية، وهناك ضربات جوية إسرائيلية على المواقع الإيرانية والميليشيات الموالية لها وآخرها في دير الزور منذ أيام”.

ويلفت إلى أنه “يجب وضع تصاعد وتيرة الاشتباك الأميركي الإيراني على الساحة اللبنانية في هذا الإطار، أي بمفهوم الصراع الكبير. وليس مفاجئاً أن العقوبات تشتد، والسفيرة الأميركية تطل عبر وسائل الإعلام بشكل مكثف مصوّبة على حزب الله، بالإضافة إلى سكوت سفراء الدول الآخرين. فعملياً يبدو الأميركي الطرف الدبلوماسي الغربي والعربي الذي يحمل راية المواجهة، وهناك تسليم نوعاً ما لواشنطن بإدارة الدفة بعدما كانت تديرها فرنسا، لكن في آخر زيارة للموفد الفرنسي إلى بيروت أبلغ المسؤولين ألا سبيل إلا باعتماد صندوق النقد، وأنه حتى سيدر أصبح تحت سقف الصندوق”.

ويعتبر نادر أن “الدفة باتت باستلام الطرف الأميركي وعنوان المرحلة تحميل الأزمة إلى حزب الله، ولم نعد في سياق المنطق الأوروبي حول إعطاء فرصة للحكومة ولننتظر، لا”. ويضيف، “السفيرة الأميركية تعلن شروط نجاح الإصلاحات، من حكومة مستقلة إلى تحميل حزب الله بشكل مباشر أعباء الأزمة، وهذا ليس بقليل. فحين تقول السفيرة إن كميات من الأموال تذهب لتمويل الدويلة، هذا اتهام بالمباشر وليس على الطريقة السابقة الرمادية. بتنا اليوم أمام صراع واضح المعالم واستراتيجية مختلفة، والمرجح هو عقوبات إضافية على حزب الله”.

من ناحيتها، ترفض مصادر سياسية متابعة، عبر موقع “القوات”، “المنطلقات القانونية التي ادّعاها القاضي مازح لتبرير قراره”، معتبرة أنها “مزحة سمجة من مازح، يُفترض أنه يعلم مسبقاً أن المرجع الصالح للتعاطي مع البعثات الدبلوماسية هو وزارة الخارجية، وأن الأمر ليس من اختصاصه. فضلاً عن النفس القمعي في قراره باستهداف وسائل الإعلام لإسكاتها على غرار أنظمة الاستبداد”.

وتعتبر المصادر ذاتها، أن “استهداف شيا مرتبط برسائل أراد الفريق الراعي للقاضي مازح إيصالها. ولا يمكن نفي التماهي بين القاضي وهذا الفريق، خصوصاً أن قراره تزامن مع سلسلة تصاريح لنواب في حزب الله تطالب باتخاذ مواقف من كلام السفيرة الأميركية بعد ردها القاسي على اتهامات الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، إذ أكدت أن (واشنطن لا تمنع دخول الدولارات إلى لبنان، والكلام عن أن أميركا وراء الأزمة الاقتصادية تلفيقات كاذبة)”.

وترى المصادر أن “المسألة تتعلق بما اعتبره حزب الله، ومن خلفه إيران، نكوثاً بالتعهدات التي نُسبت إلى واشنطن حول إطلاق سراح مبكر لأحد كبار ممولي الحزب قاسم تاج الدين، المسجون في الولايات المتحدة والذي أوقف في الدار البيضاء في العام 2017 بناء لطلب واشنطن”.

وتذكّر أن “تاج الدين حُكم عليه في آب العام 2019 بالحبس 5 أعوام وبدفع غرامة مالية قدرها 50 مليون دولار أميركي. وقد اعترف في كانون الأول الماضي أمام المحكمة الأميركية بما نُسب إليه من تهمة الالتفاف على العقوبات الأميركية وتمويل منظمة إرهابية، والمقصود حزب الله. وتم الترويج بأنه سيطلق سراحه في إطار تفاهمات لتبادل الأسرى والسجناء بين إيران وحزب الله والولايات المتحدة، والتي انطلقت مع نزار زكا مروراً بعامر فاخوري وصولاً إلى تاج الدين، وغيرهم”.

وترى أن “استئناف وزارة العدل الأميركية، السبت الماضي، لقرار قاضي المقاطعة الأميركية ريجي والتون الذي وافق الشهر الماضي على الطلب المقدم من قاسم تاج الدين، 65 عاماً ويعاني من ارتفاع ضغط الدم، بالإفراج عنه نظراً لمشاكله الصحية التي تجعله هشاً وغير حصين تجاه الإصابة بفيروس كورنا، والاكتفاء بالمدة التي قضاها، دفع حزب الله إلى الرد عبر القضاء اللبناني من خلال القاضي مازح المحتضَن منه”.

وتلفت إلى أن “اعتبار الوزارة أن حالة تاج الدين الصحية ليست متدهورة بشكل خطير، ولا تستدعي تقصير مدة محكوميته بشكل طارئ لأسباب إنسانية، رافضة الإفراج عنه، يؤشر إلى أن الأمور تتجه إلى التصعيد أكثر بين واشنطن وطهران”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل