حرب المئة يوم ومعاركها – 1

كتب بول عنداري من كتاب «هذه شهادتي»  – المسيرة – العدد 1707

لم تكن حرارة تموز أشد وطأة على سكان المنطقة الشرقية من القصف السوري. ففي اليوم الأول من ذلك الشهر أوقفت عناصر القوات السورية الشيخ بشير الجميل في الأشرفية وهو يقود سيارته. ففتشوها على رغم تعرّفهم إليه واقتادوه الى مقر قيادتهم في برج رزق، ثم أطلق فورًا.

قبل ذلك دارت معركة في الشياح وسقطت قذيفتان في الجديدة. وقرابة السادسة مساء إشتد القصف السوري على منطقة عين الرمانة وامتد ليشمل فرن الشباك والتحويطة وطريق الحازمية واشتعلت الحرائق. وسقط القتلى والجرحى بالعشرات…

عقدت القيادة الموحدة لـ»القوات اللبنانية» إجتماعًا إستثنائيًا إستنكرت فيه ما تعرّض له الشيخ بشير الجميل ودانت الأحداث الجارية، ووضعت المسؤولين أمام مسؤولياتهم التاريخية. لم يهدأ الوضع إلا في ساعة متقدمة من الليل.

وفي اليوم التالي إشتعلت بيروت، لا سيما الأشرفية وعين الرمانة، وعند الرابعة إلا ربعًا من بعد الظهر بدأ الهجوم على الصيفي، فيما القصف يتركز على المنطقة الشرقية ويوقع أكثر من 50 قتيلاً و200 جريح.

خلال الليل عمّم المجلس الحربي على كل المراكز برقية يقول فيها «إن ما يحصل على أرض الوطن من الهجمات البربرية على مناطق بيروت الشرقية منذ الساعة 15,45 بعد ظهر 2 تموز قد فضح بوضوح نوايا القوات السورية المسمّاة قوات ردع عربية. الحالة جيدة رغم إستعمال السلاح الثقيل، وقد أحبطت كل محاولات التسلل والتقدم التي تهدف الى تركيعنا، بعدما تكبّدت القوات السورية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. يطلب منكم الإنضباط واليقظة والإنتباه ورباطة الجأش وإيمان بالقضية التي تتطور معطياتها إيجابيًا للحفاظ على لبنان».

إذن بعد تفريغ الشمال والسيطرة عليه جاء دور تدمير بيروت.

وفي الثالث من تموز عُقد إجتماع موسّع في القصر الجمهوري جرى خلاله إتصال بين الرئيس الياس سركيس والرئيس حافظ الأسد توجّه على أثره المقدم سامي الخطيب الى دمشق للبحث في الوضع المتفجّر. وقيل يومها إن الرئيس السوري أبدى عتبًا على الرئيس اللبناني لتأخر السلطة اللبنانية في وضع ما اتُفق عليه في قمة اللاذقية موضع التنفيذ. وكان مما اتُفق عليه:

1-منح سوريا بعض التسهيلات الدفاعية أو الأمنية في إحدى المناطق.

2-بت قضية المجموعات العسكرية النظامية المرابطة على الحدود الجنوبية.

3-بت قضية إعادة بناء الجيش على أسس وطنية متوازنة، إنطلاقاً من أن أمن لبنان من أمن سوريا والعكس صحيح.

4-تعزيز دور قوة الردع العربية في كل المناطق اللبنانية، وإعطاء ما يلزم من الأوامر الخطية التي تكرّس هذا الدور.

في 3 و4 تموز عنُفت الإشتباكات وتوسّعت، فوجهت «الجبهة اللبنانية» نداء الى العالم، وأدلى الرئيس كميل شمعون بحديث طالبًا فيه إنهاء دور «قوة الردع العربية» في لبنان، بعدما اتهم السوريين بتفجير الوضع.

أما العميد ريمون إده فقال: «إن دمشق تستفيد من مجزرة إهدن لضرب حزب الكتائب وحلّه قبل أن تحتل البلاد كلها الى الليطاني، وهذا المخطط هو لتقسيم لبنان».

أما الشيخ بيار فقال إنه لا يريد إطلاقاً أن يقاتل سوريا، وما جرى في اليومين الماضيين لا يجسد مضمون الخطاب التاريخي للرئيس الأسد.

وفي الخامس من تموز إصطدمت المساعي لوقف النار بموقف سوريا المتصلّب وإصرارها على طلبها الأساسي القاضي بإعلان الحكم، وبالتحديد الرئيس سركيس، التغطية المطلوبة لعمل «قوة الردع العربية» وبحقها في الإنتشار في كل الأراضي اللبنانية، وبأن أي إطلاق نار على الردع سيُقابل بالمثل. وقد ترافق هذا الكلام مع قصف عنيف بلغ ذروته عند الظهر واستمر حتى الليل.

في السادس من تموز شاهد الرئيس سركيس على شرفة قصره بيروت تحترق فقرر الإستقالة معلناً: «سأستقيل ما دمت غير قادر على عمل شيء».

في ظل هذا الوضع المتدهور، إلتحقت بقسم «الشل» الكتائبي للإشتراك في المقاومة على جبهة جسر بيروت. وفي 6 تموز مرت فوق رؤوسنا طائرات حربية إسرائيلية على علو منخفض جدًا محدثة أصواتاً إهتزت لها بيروت بأكملها والضواحي ولكنها لم تقصف. وفي تل أبيب أعلن ناطق عسكري نبأ إختراق الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي في بيروت، وقال المحلل العسكري في إذاعة تل أبيب: «إن أحداث الشمال ستنعكس على الجنوب اللبناني وهو منطقة حيوية لإسرائيل». وقال: «إن أحد أسباب الإشتباكات محاولة القوات السورية تجريد المقاتلين المسيحيين من أسلحتهم».

وفيما كانت سوريا تهدد بالقضاء على المسيحيين والرئيس كميل شمعون يعلن «أننا مستعدون لأن نقاتل السوريين حتى آخر رجل منا إذا فرضت سوريا علينا القتال»، إلتحقت بثكنة الـ»اس. كا. أس» في الأشرفية وكانت المرة الأولى التي ألتزم فيها كليًا وبشكل متواصل العمل العسكري.

قاتلت أولا على جبهة الأسواق التجارية، وهناك أدركت لماذا قيل إن «هذه الجبهة تختصر كل الحرب في لبنان». ثم انتقلت الى «بناية الباطون» في مقابل برج رزق حيث تدور إشتباكات بيننا وبين السوريين الذين حاولوا خلال حرب المئة يوم التقدم على هذا المحور مرتين: الأولى في اتجاه البنايات المقابلة وقد تم صدهم، والثانية في تشرين الأول على محور صيدلية برتي.

وفي خلال فترات الهدوء القليلة كان الفريقان ينصرفان الى القنص، وهو عمل لا يستهويني فكنت أفضل عليه الإنصراف الى العزف على بيانو كبير كان متروكاً في منزل قرب متاريسنا. وكنت أخدم أحياناً في المجلس الحربي حارسًا على برج ما زال قائما حتى اليوم.

في 15 تموز أعلن الرائد سعد حداد من الجنوب أنه «نظرًا للأعمال الوحشية التي ترتكبها سوريا في لبنان، فإنه ينذر سوريا رسميًا بسحب قواتها فورًا من لبنان ويدعو كل عسكري سوري الى رفض أوامر رؤسائه التعسفيين والعودة الى بلاده، وإلا فإنهم سيتعرضون لكارثة كبيرة». واعتبر الرائد حداد «أن كل لبناني رسميًا كان أم مدنيا يتعاون مع سوريا يُعتبر خائناً وطنيًا وسيُحاكم بتهمة الخيانة العظمى».

وتلا ذلك البيان إجتماع للقيادة الموحدة لـ»القوات اللبنانية» عُقد في المجلس الحربي في 20 تموز عرض فيه الشيخ بشير الوضع العام قائلاً: «السوريون يقصفون المنطقة الشرقية بقصد تركيعنا، ولكن لن نركع خصوصًا أننا لا نخاف الضرر المادي. السوريون وعدوا بالإنسحاب واليوم بالعكس يعززون مواقعهم أكثر. وهكذا سنضطر الى تحرير مناطقنا من جديد». وهنأ الذين صمدوا «لأن سقوط البيت المركزي والمجلس الحربي ومركز الأحرار يعني سقوط المنطقة الحرة التي نعيش فيها».

وفيما كان الشيخ بشير يتولى القيادة العسكرية، كان الرئيس شمعون يشكل رأس الرمح السياسية في معركة بيروت الشرقية وتحديدًا الأشرفية. وفي أوائل آب وجه شمعون رسالة الى الشباب جاء فيها: «ولدي فلذة كبدي، الشباب اللبناني في كل بقعة في أرض لبنان… أحييك من الصميم تحية الأب الذي تقطر عيناه دمًا لما يصيب وطننا المفدّى. إنك تعلم أن سياسة دمشق هي المسؤولة عن المعارك التي تدور منذ بداية 1976 في لبنان، وهي التي افتعلت سلمًا مزيّفاً كي يُتاح لها فرصة التدخل في شؤونك، كما أنها شنت عليك اليوم حرب التشريد والتدمير حتى الإبادة. وفي الوقت الذي أتوجه الى المحاربين الأشاوس، أبطال الحدث وعين الرمانة والتحويطة وبدارو والأشرفية بعبارات التهنئة… في الوقت نفسه أخاطبك وأناديك أيًا كانت صفتك وأينما كنت، في الشمال أو في جبيل أو في كسروان أو في المتن، مناشدًا همتك وإحساسك الوطني طالبًا إليك أن تضم ساعديك وإرادتك الى سواعد وإرادة إخوانك في الكفاح من أجل الحرية والكرامة (…)».

على الرغم من عدم تكافؤ القوى بشكل كامل، وعلى الرغم من أن بيروت كانت تدمّر فوق رؤوسنا والقتلى والجرحى يسقطون بالعشرات كل يوم، لم أذكر يومًا من تاريخ مقاومتنا اللبنانية أن معنوياتنا كانت مرتفعة بالقدر الذي كانت عليه في حرب المئة يوم… ولكن مهما ارتفعت المعنويات، فإن المواجهة الحقيقة تتطلب وحدة وإمكانات في الداخل وموقفاً دوليًا داعمًا في الخارج.

بعد رسالة الرئيس شمعون قام الرئيس سليمان فرنجية بزيارة الى سوريا في 17 آب وأعلن يومها: «لولا سوريا لضاع لبنان… إن شمال لبنان ينعم بالهدوء والإستقرار وليست هناك أية مشاكل»… وذلك طبعًا بعد سيطرة القوات السورية على كامل منطقة الشمال. ولكن لم يمضِ أسبوع واحد على تصريح الرئيس فرنجية، حتى انفجر الوضع الأمني في الشمال في 25 آب ودارت معارك بين «القوات اللبنانية» والسوريين في منطقة البترون ورافقها إنزال بالطوافات.

وتجدر الإشارة الى أنه بعد معركة إهدن وإنذار فرنجية الى الكتائبيين، كان مئات من الشبان الكتائبيين قد غادروا قراهم في الشمال خوفاً من إنتقام مسلحي فرنجية والسوريين. وبدأ المهجرون يتوافدون على دير ميفوق ومنطقة جبيل في ظل مطاردة قوات الردع السورية للأهالي ودعوة الكتائبيين الى تسليم بطاقاتهم، بعدما خطفت عشرات منهم في منطقة الكورة حيث تعرضوا للتعذيب.

وفي 25 تموز طوّقت قوات الردع العربية قرية حدشيت وداهمت المنازل. وفي 29 تموز طوّقت قوات سورية أخرى بلدة كفرعبيدا في البترون، وبدأت حملة تفتيش واعتقال. وفي التاسعة والنصف من النهار نفسه تلقى الرئيس الأعلى للكتائب والشيخ بشير ورئيس الإقليم برقية تفيد بأن السوريين خطفوا رئيس قسم شكا الكتائبي جان أنطون وذلك عن طريق الحيلة، إذ «إتصل به مقدم من القوات السورية ودعاه الى إجتماع فلبّى الدعوة ولكنه لم يعد». وتبيّن فيما بعد أنه دُعي الى سجن المزة، وقد مكث خمس سنوات.

ثم تلت ذلك برقية تسأل عن مفوّض الشمال جوزف جعجع. وتبيّن أيضًا أنه مثل سائر المفقودين موجود في «ضيافة» السوريين في المزة. وتلقى نادر سكر في بشري برقية بهذا الخصوص تفيده بأن جوزف جعجع كان يقود سيارة عسكرية محمّلة بالذخيرة الى بشري. وبسبب إقفال السوريين كل الطرق الى المدينة إضطُر مع بعض الرفاق الى سلوك طريق فرعية شُقت حديثاً فاعتقله «جيش لبنان العربي» وسلّمه الى السوريين.

ولما كان سمير جعجع ما يزال قيد المعالجة، وبسبب تتابع الأحداث في الشمال وخطف جوزف جعجع، صدر أمر في 21 آب الى مفوّضي أقاليم الشمال وأقسامه يكلّف الرفيق إدمون صهيون مفوّضية محافظة الشمال، وذلك بصورة موقتة، ولمدة شهر واحد.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل