حرب إبادة للشعب المسيحي

كتب نبيل يوسف في “المسيرة” – العدد 1707

حرب إبادة للشعب المسيحي

ملاحم بطولة سطرها المقاتلون اللبنانيون

 

ليل الثلاثاء – الأربعاء 27 و 28 حزيران 1978 إرتكبت الوحدات الخاصة السورية بقيادة الرائد علي ديب مجزرة رهيبة في بلدات: القاع والفاكهة وراس بعلبك المسيحية الكاثوليكية في البقاع الشمالي، راح ضحيتها 26 شاباً مسيحياً مسالماً. المجزرة هزّت الوجدان المحلي والعالمي، فدعت الجبهة اللبنانية إلى الإضراب نهار السبت 1 تموز إستنكاراً لما جرى، وسُجِّل إقفال تام لما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية.

قرابة الظهر وردت أخبار عن توقيف الشيخ بشير الجميل عند أحد الحواجز السورية مع رئيس قسم الدامور الكتائبي إيلي قرداحي ومرافقين له كانوا في طريقهم إلى بلدة الحدث لعيادة جريحة أصيبت برصاصة قبل أيام، ونقلوا إلى مقر القوات السورية في برج رزق في الأشرفية، وبدأ الغليان.

وعلى رغم الإفراج عن بشير ورفاقه بعد أقل من ساعة إلا أن أجواء التوتر إستمرت وتحولت عصراً إلى قصف سوري عنيف غير مبرر شمل الأحياء السكنية في مناطق عين الرمانة وفرن الشباك والأشرفية وسن الفيل.

في اليوم التالي توسعت رقعة المواجهات بين الجيش السوري ومقاتلي أحزاب «الجبهة اللبنانية»، وبدأ ما عرف بـ»حرب المئة يوم». وشهد ذلك الأحد 2 تموز 1978 قصفاً مدفعياً وصاروخياً لم تشهده الحرب اللبنانية، لم يوفر زاوية خاصة في منطقة الأشرفية وضاحية بيروت الشمالية الشرقية المسيحية، في ظل ملاحم بطولية سطرها المقاتلون اللبنانيون.

على رغم كل الإتصالات والنداءات المحلية والعربية والعالمية على أعلى المستويات والتي شارك فيها قداسة البابا بولس السادس والأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم، التي دعت القوات السورية لوقف قصفها المجنون للأحياء السكنية، ظلّت المنطقة الشرقية تحت رحمة النار والبارود، فيما أصرّت سوريا على موقفها المتصلب القاضي بإعلان الحكم، وتحديداً الرئيس الياس سركيس، التغطية المطلوبة لعمل قوات الردع العربية، وبحقها في الإنتشار على كل الأراضي اللبنانية، وبأن أي إطلاق نار على قوات الردع العربية سيقابل بالمثل، وترافق هذا الكلام مع قصف عنيف لم يوفر بلدة أو حياً في المنطقة الشرقية.

صباح الجمعة 6 تموز شاهد الرئيس الياس سركيس من شرفة قصر بعبدا جحيم النار يلف بيروت الشرقية، بعد ليلة رهيبة شهدت فيضاناً من الحديد والنار لم يوفر شارعاً صغيراً في بيروت الشرقية وضاحيتها الشمالية، وكان وزير الخارجية فؤاد بطرس عاد من دمشق من دون أي نتيجة، فقرر الإستقالة معلناً أنه سيترك الحكم ما دام غير قادر على عمل شيء.

وكان الوزير فؤاد بطرس أبلغ رئيس الجمهورية أنه خلال مباحثاته في دمشق أصرت القيادة السورية على ضرورة إصدار أمر فوري من مجلس الوزراء اللبناني لتجريد أحزاب «الجبهة اللبنانية» من السلاح، على أن تتكفل قوات الردع العربية بتنفيذ القرار، وعبثاً حاول إقناع المسؤولين السوريين أن موضوع تجريد جميع المقاتلين من السلاح هو مطلب جميع اللبنانيين، لكن كيف يمكن تجريد أبناء المنطقة الشرقية من سلاحهم في الوقت الذي لا تنفذ قوات الردع العربية الأوامر التي كان أصدرها مجلس الوزراء اللبناني لتطبيق إتفاق شتورا القاضي بإخضاع المخيمات الفلسطينية إلى سلطة القانون اللبناني؟ ولم تصل المباحثات إلى أي نتيجة.

بقيت المنطقة الشرقية طيلة ذلك النهار تحترق ودماء أهلها تسيل بغزارة من دون أي أمل بتوقف القصف المجنون. فجأة توقف القصف بعد الظهر بعد أن خرقت 7 طائرات حربية إسرائيلية كانت تحلق على علو منخفض فوق بيروت جدار الصوت، وعلى أثر هذا التحليق في سماء بيروت أعلن المحلل العسكري في إذاعة تل أبيب أن أحداث الشمال ستنعكس على الجنوب اللبناني وهو منطقة حيوية لإسرائيل، وقال إن أحد أسباب الإشتباكات محاولة القوات السورية تجريد المقاتلين المسيحيين من أسلحتهم.

أجمعت القيادات اللبنانية على رفض إستقالة الرئيس الياس سركيس، وتوسعت الإتصالات لإيجاد حل للمأساة المستمرة، وشملت دمشق وعدة عواصم عربية لا سيما الرياض والكويت، فوافق الرئيس سركيس على متابعة مهماته، وتقرر أن تباشر وحدات من الدرك اللبناني الإنتشار في بعض شوارع بيروت الشرقية، بعد أن تقوم القوات السورية بتجميع قواتها، وبدأت هدنة قصيرة.

لم يمض وقت على الهدنة التي بدأت قبل أيام من عودة الرئيس سركيس عن إستقالته حتى عادت وانفجرت في الأسبوع الأخير من تموز، وعاد القصف السوري المجنون يلف القرى والأحياء السكنية موقعاً عشرات القتلى والجرحى ودماراً رهيباً، لم يوفر المستشفيات والسفارات ودور العبادة وكان أشبه بحرب إبادة للشعب المسيحي مما دفع العديد من الصحف الأجنبية إلى تخصيص صفحاتها الرئيسية لنقل وقائع هذه الحرب المدمّرة وخلفياتها. وبتاريخ 29 تموز نشرت صحيفة «لو فيغارو» على صفحتها الأولى تحليلاً مفصلاً عما يحصل في المناطق المسيحية تحت عنوان «المسيحيون في لبنان يواجهون خطر الإبادة»، ومما جاء فيه أن سفارات كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكندا قررت إجلاء رعاياها من لبنان، مما أثار موجة من الذعر في المناطق المسيحية التي راحت تنتظر إنفجاراً كبيراً. ويضيف التقرير أنه ما زاد من حجم الخوف على الشعب المسيحي تعليقات راديو دمشق السياسية التي راحت بشكل يومي تهدد من أسمتهم «عصابات الكتائب والأحرار». كما نشرت الصحيفة نقلا عن مراسلها في تل أبيب أن إتصالات جديدة مباشرة تتسم بسرية مطلقة بدأت بين إسرائيل وسوريا، وسوف تتوسع أكثر إعتباراً من الأسبوع الأول من شهر آب حيث سيعقد لقاء مهم بين ممثلين عن الحكومتين إما في سويسرا أو في مكان ما في القاهرة.

ويتابع المصدر الحكومي الإسرائيلي أن دمشق تمكنت حتى الآن من إحتضان أو تعطيل قوة مسيحيي الشمال والبقاع الذين أصبحوا تحت سيطرتها المطلقة، أما مسيحيو الجنوب فهم وإن كانوا خارجين عن السيطرة السورية فإن مجرد بعدهم عن قلب المنطقة المسيحية وعدم وجود معبر بري بين المنطقتين سيعطل قوتهم حتماً، فيما تتكفل المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية بتعطيل القوة المسيحية في المناطق الخاضعة لسلطتها، وبالتالي لم يعد من قوة مسيحية فاعلة سوى تلك المتمركزة في بيروت الشرقية وبعض أقضية جبل لبنان. وتضمن التقرير دراسات عديدة لتقسيم لبنان قدمت للمتحاورين السوريين والإسرائيليين.

مطلع شهر آب إستطاع الرئيس الياس سركيس التوصل مجدداً إلى إعلان وقف إطلاق النار، لكن مفاعيله لم تدم حتى نهايته إذ عادت المنطقة الشرقية تحترق، ولم توفر القذائف متراً واحداً، وبلغت الاشتباكات والقصف المدفعي والصاروخي حد الجنون. وما بين الأسبوع الأخير من شهر آب والأسبوع الأول من شهر أيلول عاشت الأحياء السكنية في المنطقة الشرقية جحيماً حقيقياً، وأصبح هناك تسابق واضح ما بين هذا القصف المجنون، والحلول السلمية التي راحت ترفضها تباعاً القيادة السورية. وقد أجمعت الصحف المحلية والعالمية على وصف نهار الخميس 31 آب بأسوأ أيام الحرب اللبنانية منذ العام 1975. إذ أحصت مصادر أمنية لبنانية عدد القذائف التي سقطت على الأشرفية وحدها حتى الساعة 3.30 من بعد ظهر ذلك الأحد موعد وقف إطلاق النار بنحو 3 آلاف قذيفة من عيار 260 و175 و160 و155 و122 ملم، إضافة إلى القذائف المضادة للطائرات. وأسفرت إشتباكات هذا النهار الطويل عن إستشهاد الصيدلي ميشال بارتي بعدما أصيب أمام الصيدلية خلال معركة مع عناصر من الوحدات الخاصة السورية، وأصيب معه عدد من رفاقه.

تابعت القوات السورية دك المنطقة الشرقية دكاً عنيفاً بهدف فرض الإستسلام على «الجبهة اللبنانية» التي صمدت قياداتها رافضة الإستسلام.

إنتهى شهر أيلول من ذلك الصيف والمدفعية السورية لم تتوقف لحظة عن قصف المنطقة الشرقية، واستمر الوضع على حاله حتى مساء 7 تشرين الأول 1978 حيث بدأت مسيرة الحل السلمي، فبعد جلسة عقدها مجلس الأمن الدولي لم تستغرق أكثر من 4 دقائق صدر القرار رقم 436 الذي طالب القوات السورية والقوات اللبنانية الموحدة بالوقف الفوري لإطلاق النار، إبتداءً من مساء 7 تشرين الأول. واعتبرت الجبهة اللبنانية أن قرار مجلس الأمن هو أول إعتراف دولي بشرعية المقاومة اللبنانية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل