البطريرك صفير أقنوم لبنان الرابع

بئس هذا الزمن الرديء! عبارة تختصر الحالة المذرية التي وصلنا إليها أخلاقيا، حيث صار بعض من يدعون صفة الأحرار، والمحللين السياسيين، يتطاولون على رمز مثل البطريرك صفير بحجة التمثيل المسيحي. لقد فات هؤلاء أنهم كانوا السبب في ذلك كله. متى ستصمت هذه الأبواق؟ ومتى سيكتفون من بخ سموم الحقد والكراهية بين المسيحيين أنفسهم؟ ومتى سيعترفون بفشل خياراتهم التي أدت إلى دمار المجتمع المسيحي بشكل خاص، واللبناني بشكل عام؟

آلمنا كثيرًا ما سمعناه البارحة في برنامج “صار الوقت” مع الإعلامي الأستاذ مارسيل غانم. نعاني في لبنان من مسألتين أساسيتين: ضعف في الذاكرة وغياب في الضمير الوطني. وهذا ما يميز من لم يتعظوا بعد من الذين ساروا بركاب الموجة العاتية منذ زمن الحروب. يحملون على البطريرك صفير ويتهمونه في كل لحظة بأنه هو الذي وافق على الطائف الذي حد من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني لحساب مجلس الوزراء مجتمعًا.

ويجتهدون في ذلك فتصبح الصلاحيات معهم سنية بعدما كانت مسيحية. فعلا إنه زمن رديء جدا حيث ما زال هنالك بعض من يحملون في نفسهم هذا الخطاب الطائفي البغيض. نعم، أنا متعصب لمسيحيتي وملتزم بليتورجيتي البيزنطية، لكن علاقتي مع ربي وإلهي هي علاقة عامودية، بينما علاقتي مع الإنسان هي العلاقة الأفقية. بذلك، يكون الصليب فلسفتي في الحياة البشرية وفي العلاقات الإنسانية – الربية، والإنسانية – الإنسانية. ولا يزايدن أحد على وطنيتي والتزامي بقضيتي.

من هنا، يمكننا الولوج إلى باب الكيانية اللبنانية المبنية على ثلاثة أقانيم:

– أقنوم الحرية

– أقنوم التعددية

– أقنوم العلاقات الإنسانية – الربية، والإنسانية – الإنسانية

هكذا نفهم لبنان؛ إذا اختل أي أقنوم من هذه الثلاثة يفقد جوهر وجوده. في أقنوم الحرية، لنا فيه صولات وجولات ونحن الذين حفرنا الوعر، وزرعناه أرزًا وسنديانًا، وجعلنا من مغاوره مناسكا، وبنينا كنائسنا من صخوره ليسلم لنا إيماننا الحر بربنا كما نشاء، ولتبقى أجراسنا تدق وقتما نشاء. والتاريخ يشهد لنا كيف احترمنا حرية الآخر المختلف وحفظنا وجوده معنا في هذه الأرض من دون المس بقيمه الإنسانية، ولا بعلاقته العامودية مع ربه كما شاءها هو.

أما في الأقنوم الثاني، فلا يمكننا العيش في وطن قومي عنصري وإلا لأعلناه في ثمانينيات القرن الماضي يوم كان الأمر لسمير جعجع وللقوات اللبنانية المسيحية من كفرشيما إلى المدفون. لكنا أردناه وطن البطريركين الياس الحويك ونصرالله صفير، وطن لا يكون للمسلمين أو للمسيحيين بل وطن يكون فيه المسلمون والمسيحيون له وحده من دون أي لاءات عابرة للحدود لغيره، لا شرقًا ولا غربًا. هذه هي فلسفة قيام لبنان التي خط حروفها الأولى في الدستور المفكر ميشال شيحا.

أما في الأقنوم الثالث فيكفينا فخرًا لأننا أبناء جيل البطريرك صفير الذي ليسكت المدفع عن رقاب المسيحيين، حيث قام وقتها من يفاخرون بولائهم له بحرب تحريرية تدميرية ضد سوريا، من دون أي مراعاة، فدمر المناطق المسيحية التي كانت حرة وانتهت بدخول جيش الاحتلال السوري إليها. فكان الطائف نتيجة لهذه الحرب. وافق البطريرك صفير عليه ليحفظ ما تبقى من الوجود المسيحي، وليثبت الأقنومين الأول والثاني اللذين أشرنا إليهما آنفًا. فصار الطائف نتيجة وليس سببًا كما يحاول هؤلاء الايحاء لإخفاء السبب الحقيقي تزويرًا للتاريخ، وطمسًا لذاكرة شعب، وشعبوية في موضوع حقوق المسيحيين للوصول إلى السلطة.

من هذا المنطلق، يتجسد مفهومنا للبنان. وكل من يلاقينا، مهما كانت هويـه الحضارية، يكون لبنانيا في الصميم. أما أولئك الذين باعوا هويـهم في بلاطات الشام وطهران، واستغلوا حقوق المسيحيين ليصلوا إلى السلطة. هم هم منذ ثلاثين سنة لم يتغيروا. وبما أنهم لن يتغيروا، ولن يفهموا أقانيم لبنان، لم يبق أمامهم سوى الرحيل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل