الحريري غير عائد طالما المساكنة قائمة بين “الاقتصاد والمقاومة”

إذا كانت الظروف نضجت لتغيير الحكومة بسبب فشلها في مواجهة التحديات وتنفيذ الإصلاحات، إلا أن هذه الظروف لم تنضج بعد لاختيار البديل عن الرئيس حسّان دياب ومواصفات الحكومة المقبلة. فالاسم الأبرز المطروح هو رئيس تيار المستقبل ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري، الذي يتمتع بشبكة علاقات عربية ودولية يمكنه أن يوظّفها في مغامرة الانقاذ على غرار ما حصل في مؤتمر “سيدر” الذي خصّص للبنان 11 مليار دولار لم تأت بسبب الخلاف على تحقيق الإصلاحات.

غير أن الحريري الذي “جرّب المجرّب” لن يخوض تجربة مرّة جديدة في الحكم مع رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وحليفهما حزب الله، وهو يدرك أن هذه الجهات لن تتراجع عن نهجها التعطيلي السابق ولن تلتزم بمبدأ النأي بالنفس ولن توقف حملاتها لا ضد الدول الغربية المانحة ولا ضد الدول الخليجية. ويبدو أن الحريري اقتنع بعدم القدرة على المساكنة بين “الاقتصاد والمقاومة” كما كان الحال أيام والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وحيث انتهت هذه المساكنة باغتياله. وكان سبق لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن وجّه سؤالاً قبل سنوات مفاده “هل تريدون لبنان هانوي أم هونغ كونغ؟”.

ومن الواضح أن حزب الله ما زال أقرب إلى خيار “هانوي” حيث ينخرط أكثر فأكثر في الأجندة الإيرانية ويتمسّك بسلاحه وصواريخه ويقترح أمينه العام حسن نصر الله التوجّه شرقاً خلافاً لنموذج “هونغ كونغ” حيث الانفتاح الاقتصادي والتبادل الحر والابتعاد عن الأزمات. والحزب بدل أن يراعي الوضع اللبناني ويسهم في الحدّ من حال الانهيار من خلال الموافقة على بحث الاستراتيجية الدفاعية ووضع سلاحه تحت إمرة الجيش اللبناني، يذهب إلى المواجهة ويردّ أمينه العام على الإدارة الأمريكية رافضاً معادلة “إما سلاحك أو الجوع ” ورافعاً معادلة “لا سلاح ولا جوع وسنقتلك”.

وطالما لم يبدّل حزب الله استراتيجيته فلا نتائج تُرتجى من أي تغيير حكومي، وهذا ما يعرفه سعد الحريري الذي يرفض بالتالي أن يسمّي أي رئيس حكومة من قبله أو يمنح الغطاء السنّي لأي شخصية حتى لو كانت نائب حاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري.

في المقابل، فإن الرئيس عون ليس في وارد القبول بعودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة بشروطه، وهو قد يعود إلى رفع شعار “إما الحريري وجبران معاً داخل الحكومة وإما الحريري وجبران معاً خارج الحكومة” غير آبه بأضرار هذه المعادلة على عهده الذي لم يبقَ منه سوى سنتين ونصف، ولم يحفل لا بالهزّات الاقتصادية والمالية والسياسية وبالانتفاضة الشعبية والاحتجاجات. ويعتبر عون أن سقوط حكومة دياب وعودة الحريري أو من يمثّله بشروطه يعني سقوط العهد الذي يتعرّض لأشرس الحملات السياسية من خصومه ومعارضيه، والذي لم ينجح في تعويم نفسه من خلال “اللقاء الوطني” في قصر بعبدا، حتى أن البطريركية المارونية باتت لديها ملاحظات عديدة على أدائه وعلى تحالفه مع دويلة حزب الله على حساب المصلحة الوطنية العليا.

وليس هناك ما يؤشّر إلى تبديل الرئيس عون موقفه من حزب الله لغاية تاريخه، في وقت يبدو الحائط المسدود الذي بلغته الأزمة الراهنة شبيهة بالحائط المسدود الذي كانت بلغته الأزمة بين عامي 1988 و1990 خلال فترة تولّي العماد عون مقاليد الحكومة العسكرية حيث خاض حينها حربين عبثيتين: الأولى حرب التحرير ضد الجيش السوري وحلفائه في لبنان، والثانية حرب الالغاء ضد القوات اللبنانية والتي انتهت مفاعيلهما بإقرار اتفاق الطائف وخروج عون من بعبدا.

ويبقى حزب الله هو حبل الخلاص الوحيد للعهد حالياً، وحبل الخلاص الوحيد لرئيس الحكومة حسان دياب الذي بدا في آخر جلسة لمجلس الوزراء وكأنه قيادي في الحزب يردّ على الممارسات الدبلوماسية الأمريكية والسعودية، متحدثاً عن مخططات تُحاك وعن أمر عمليات. ولوحظ أن حزب الله تلقّف رسالة دياب وردّ عليها من خلال أوساطه التي اعتبرت “أن دياب افتتح مرحلة جديدة، محاصراً محاصري الحكومة المحليون منهم والدوليون”.

ومع تأجيل طرح التغيير الحكومي، يُخشى من اتساع حال الفوضى في البلاد في ظل الانخراط في المواجهة بين محور أمريكا وحلفائها الغربيين والعرب من جهة ومحور إيران وسوريا من جهة أخرى، في وقت يغرق المركب اللبناني شيئاً فشيئاً نتيجة الضغوط الكبيرة التي تتقاذفه يميناً وشمالاً، ونتيجة إخفاق الحكومة ورئيسها في تحييد نفسها عن كونها حكومة حزب الله وإحداث أي اختراق في العلاقات مع الدول الخليجية وإيجاد أي حلول جذرية للأزمات المتراكمة.

المصدر:
القدس العربي

خبر عاجل