
يا بعلبك يا مغيرة العلالي فرسانك ناطرين. يا فيروز فيروزة لبنان، يا نشيد يا وطني يا لبناني، يا حرقة الدمعة المالحة، يا فرح يا زعل يا غضب يا حب، يا حب يا لبنان. يا ألمنا يا قلب قلبنا يا لبنان. هون نحن هون ببعلبك ع دراجها مكسوري الخاطر، نلملم ما تبقى فينا من عنفوان ونجلس الى التاريخ نحاكيه. دخلك وين لبنان؟ وين بلادنا يا بعلبك وين ازرنا وسهلنا والجبل؟
وين فيروز ناطورة المفاتيح تتمايل بالأبيض وتهزم فاتك المتسلط. ليش صرنا كلنا مدلج ولازم نموت ع البوابة؟ وين عصا المايسترو عاصي الرحباني وشعر منصور، وين الارض والدني واهلها يا ربي يا عالم؟
بعلبك؟ ماذا تفعل تلك الفرقة الموسيقية وحيدة هناك عند معبد باخوس؟! وحيدة جمهورها الوحيد المباشر، الليل والقمر والسماء وعبق التاريخ، وكل كل كل الأسى الذي فينا. بينما تحولنا نحن الى جمهورها غير المباشر من خلف الشاشات نناجي حالنا، نستمع، نغني نزعل ونصمت. فرحنا؟ لم افعل، بكيت، بكيت مثل طفلة معاقبة في زاوية معتمة لفرط ما اشتقت لامي وابي، وامي وابي هم وطني، لبناني. هؤلاء اعمدة كياني وروحي وكرامتي وزادي وزوادتي.
في ساعة واحدة فقط ارتفع وطن وتهاوى وطن ايضا. الاوركسترا اللبنانية الفيلهارمونية وقائدها المايسترو المبدع هاروت فازليان، اخذونا ليس الى سحر الالحان الرحبانية، لكن الى حالنا المشتاقة بنهم الى حالها. الى الوطن المسروق منا، المنهوب، المحتل، المغتصَب الكيان والثقافة والابداع. خلت المدارج من الناس لكن امتلأت من تاريخنا العريق، غصب عنكن يا وحوش الحضارة عريق وسيبقى كذلك. جلس لبنان الى المدرجات يستمع الى بعض من بعض ما فيه من ابداع وحلا وارض مسكوبة بالشعر والحناجر والالحان وسحر التراب المقدس المسكون بالرب. لبنان وقف الرب يا كفار، يا محتلين يا فاسدين يا جهلة.
فرحنا بالحفل؟ تألمنا، حزَنا على حالنا، اشتقنا لحالنا التائهة منا، اشتقنا للبنان. وينك وطني؟ ماذا فعلوا بك؟ كيف جرّحوك ذبحوك نحروك وتركوك تفرفر على ارصفة التاريخ والدماء تطرطش وجوهنا التي صارت بلا دماء، بلا روح، واكاد اقول بلا معالم، لان معالمنا توحدت بالاسى، بالغضب بالخوف بالهلع عليك يا وطن.
اكرهكم. واعتذر عن هذه الكلمة… لا، اسحب اعتذاري، لا اعتذر، لان يحق لي بإنسانيتي ان يكون ثمة مساحة للكراهية، اذ لا يليق بكم الا تلك المشاعر لأنها محملة بالغضب والغضب وقود الثورة، وانتم جعلتم من ارضي ملفى الموت، والثياب السود والمعاجن الفارغة.
جعلتم لبنان بلدا متسولا مغلوبا على امره. بالسلاح الاسود والقلوب الغامرة بالحقد على الحياة وعلى وطن الحياة، احتليتم ارضي. بالطمع الللامتناهي سرقتم خيراتنا. محتلون وفاسدون ومجرمون يحكمون ارضي، وارضي تبكي لانها حضرت حفلا يحكي عنها عبر شاشات التلفزيون، فما احتملت هذا القدر من الشجن، فبكت، بكت لأنها رات مجد بعلبك يتهاوى فوق الذاكرة.
صرنا وطن الذاكرة، صارت العراقة من التاريخ نناجيه، نرجوه ان يعود وهو يعلن علينا بغضب الافول “تلاعبت يا وطن بتاريخك بأمجادك بعزة نفسك، سرقت حالك بحالك، سمحت للاحتلالات ان تدمر الانسان الخلوق فيك، جعلت نفسك عميلا احيانا لصا احيانا اخرى، لم تقدّر النعمة التي بين يديك، فلتشعر الان بفداحة الخسارة” هذا ما قاله معبد باخوس لنا نحن الجمهور الحبيب في منازلنا. هكذا سمعت معبد باخوس يصرخ في تلك الليلة المقمرة بوجهنا. لم تتمكن الموسيقى الساحرة من تمويه صراخ لبنان المتألم الغاضب العريق المختبئ منا في ظلال الاعمدة، فذهب بنا الى الدمعة بدل الفرح الموقت. الى التأسف بدل النسيان الموقت.
وصلت الرسالة يا بعبلك. وصلت الرسالة يا معابد العز والتاريخ المنهال نجوما فوق صوت فيروز وعبق جبران خليل جبران. وصلت الرسالة بعنف ولك الجواب من دون انتظار ساعي بريد ولا سرعة الانترنيت. قد يكون مات فينا الكثير، لكن نشهد ان الروح متوقدة، والروح مسكونة بهذه التراب، والروح لا تموت ولبنان لا ولن يموت، وسنعود الى ادراجك بعبلك بعد ان نسحق المحتل ونعاقب الفاسد ونطرد الذل الذي يغلبنا، وسنحمل لكِ لبنان طاهر نقي جميل حلو، يدبك ويغني ويعزف ويفرح مكللا بالكرامة والشرف، وسنرقص جميعا على دراجك وسيعود العز… نقسم يا بعلبك.
