#adsense

الشعور بالقرف ثقافة مشروعة 

حجم الخط

القرف، في اللغة، هو الشعور بالاشمئزاز والكره والتقزز، فيقال: أصيب الواحد بالقرف من سلوكٍ شاذ، أي نفر منه، وعافه ممتعضاً. أما القرف، في السياسة، فهو ما يعتري الإنسان من انقباض، ووهن عزيمة، قبالة مسلكيةٍ، أصحابها من في السلطة، سببت له خيبة. وما أكثر البشاعة التي تنشرها الخيبات، ليكون من تداعياتها، الشعور بالإحباط، وبهشاشة الثقة. وهذه، بالذات، حال اللبنانيين مع حكامهم المصابين بالوباء الخبيث، أي التشبث بالمراكز، مطعماً بالفساد.

حال اللبنانيين مع قيادييهم الموهوبين في السلطة، تشبه، الى حد بعيد، حال النائم مع أحلامه. فقد يحسب المتوغل في النوم أن الحلم حقيقةً لا ريب فيها، يعيشها باندفاعٍ وشغف. لكن الاستيقاظ يشكل خاتمةً بائسةً لسرابٍ هائمٍ. وينتبه، حينئذٍ، الحالم الى واقعه الأليم، فيتشقق الأمل الكرتوني، ويتحول الى يأسٍ قاتل. هكذا، مصير العلاقة مع السلطة وأزلامها، هؤلاء الذين يزعمون أنهم يمسكون بإكسير الحياة، وأن موسى قد تقمصهم، فباتوا قادرين على تحويل العصا ثعباناً، وعلى شق المياه يباساً موصلاً الى أرض الخلاص. وما أقرب الوقائع الموثقة والمعيوشة، يرتفع صوتها لينقض الادعاءات الفارغة، فتنهار صورة السلطة ومصدعوها، كزجاجٍ أصيب برفسة كراز. عند هذا الحد البشع، يشعر الناس بالقرف، فيقذفون حكامهم بأسوأ النعوت، ويهجون أنفسهم لقلة عقلهم، لأنهم وثقوا بهم، وصفقوا.

القرف عند الناس أمرٌ لا يدعو الى الاستغراب، والتصريح به ليس بدعةً. كيف لا يميل المواطنون الى القرف، وما يدور حولهم، من تدليسٍ وكذبٍ ونهبٍ وتحاصصٍ، وتفسيخٍ في هيكل الوطن والدولة، ما هو سوى عامل خسارةٍ جسيمةٍ، لهم، من دون تعويض؟ كيف لا يقرف الناس، والسلطة تسعى، بكامل جهوزيتها، لاستنهاض الغرائز، وتجويع الأطفال، وتهجير الطاقات، واغتيال العيش بكرامة؟ كيف لا يقرف الناس، والحكام ينحرون الحرية، ويصادرون الرأي، ويتعاملون مع المواطنين كرعايا، ويمارسون سلوكاً تدميرياً لدولة المواطنة، انتماء وولاءً؟

الشعور بالقرف حق، لا تحريفٌ في معجمه، ولا شطبٌ في مفرداته، وهو قرفٌ مشروعٌ من الفجوة السحيقة التي كونتها السلطة، بينها وبين مواطنيها. هو قرفٌ من اعوجاج مفضوحٍ في ممارسة قياديي الحكم، والتي أدت الى القهر والتعسف والقمع والتهميش، وتجاهل حقوق الناس المشروعة. قرفٌ من ظهور الإمبراطوريات المالية بين الممسكين بخناق الشعب، بينما يعيش هذا الشعب المقهور، في غالبه، تحت خط الفقر، يبحث عن لقمةٍ بين النفايات، وينتحر إذا عضه الجوع.

أيها المسؤول اللامسؤول، أمام قرفنا الذي أخمد فينا، معك، كل بصيص أملٍ في غدٍ أفضل، وأمام واقعٍ بائسٍ ميؤوسٍ منه حتى العمق، لماذا لا تتخذ قراراً جريئاً بالانسحاب مما تسميه، أنت بالذات، “بؤرة الفساد”، فتريح نفسك من أرق التفكير في الحلول، وتريحنا؟

أمام هذا الزيف الطاغي، ليس على الناس، عندنا، سوى أن يتقنوا ثقافة القرف المشروعة، من هكذا سلطة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل