.jpg)
مقدمة إلزامية: إن تفكيك الآليات الحاملة للهلوسة، كفيلٌ بتحرير العقل، لينتقل من عالم الدماغ المعطوب والمدمر وعيه، الى ضفة العقل السوي والمدرك، فيستفيق من سيطرة الخرافة والهذيان، ليعبر الى منطقة اليقظة الذهنية. وهذا من شأنه أن يقلص درجات النوبات الهذيانية الصادرة عن إصابات بنيوية في النفسية، كإدراك لموجود غير موجود سوى في العقل السقيم.
إشكالية عوراء: إن بعض الذين يتعاطون الشأن العام، عندنا، من أصحاب الألقاب، يظن أن عقول الناس تشبه نخاعه، مجرد جمجمة عظمية تحتوي على كابلات مهترئة وعاجزة عن إيصال التيار الفكري، بشكل سليم موصول. ويدعي هذا البعض أنه منهمكٌ بإيجاد الحلول الناجعة لكتلة الأزمات، بنظريات فارغة من كل رؤىً وتصورات موضوعية، هذا إن وجدت أصلاً.
الطرح الأولي: محاولة إصلاح ما تدمر لدى هذه ” المرجعيات ” تندرج في إطار الصراع مع المستحيل، لما في أذهانهم من عقم واضطراب في التوازن الفكري، وخلل في حس العقل، بعيداً عن أي منطق. إن هذا الذي يعيدنا الى حرب “دونكيشوت” مع الطواحين، هو أمرٌ لا يهمنا، أساساً، فالمثل الشعبي، هنا، هو خير دليل ومرجع: “فالج لا تعالج”.
الطرح الأولى بالأهمية: أما الخوض في معالجة الذين أصيبوا بعدوى الهذيانية المؤرقة، فهو واجبٌ مفروضٌ علينا متابعته، مهما امتد على مساحة زمنية، واستلزم جهوداً وتعبئةً، وأحياناً إخفاقات، حتى يقتنع هؤلاء بأن محاولات من يقودهم الى عقلنة اللامعقول، أصبحت باطلة، وبالتالي، فمكانهم، معه، لم يعد المكان الأمثل لتحقيق مواطنيتهم في صون السيادة، والحفاظ على الدولة وكرامة التراب الوطني.
المشكلة، بالنسبة للوعي الوطني، ليست في هذا الملقب سياسياً أو معه، بل مع الغائبين عن الوعي، هؤلاء الذين تمت مغنطتهم بكليشيهات مسرحية، أو بكاريزما ذكية، لكنها مخربةٌ وخطيرة. وقد اعتبرتهم هذه الكليشيهات والكاريزما، في الأساس، احتياطيي تصفيق، وحولتهم الى أبواق تساهم، بشكل آلي، في عملية الإنقضاض على كيان الوطن، وفي الإنقلاب على مفهوم النظام. ما يكترث له الوعي الوطني، ويعمل لأجله، هو أن تنتهي صلاحية هذا التخريب، بالعمل على الإفراج عن المصفقين، وذلك بالتركيز الناضج والمستمر على إفهام الغائبين عن الوعي، بأن الحجة التي يدافعون عنها، بطريقة لاواعية، هي نسج خيال من يستغلونهم لأغراض لم تعد خافيةً على أحد.
وهكذا، يمكن أن يتم التدرب على النقلة النوعية من مؤامرة سحق مشروع الدولة-الوطن، تفرض بالقمع، الى صحوة يتم معها العبور الى حال المصالحة مع الوطن، من دون إذن الوصي. وهذا الأمر لا يتحقق إلا بقرار ذاتي، واع، وبمساعدة آليات العقل المولجة بالإقناع. إن أول النقلة الواعية يكمن في إلغاء التفويض المعطى للمتزعم الذي يختزلهم ويهجرهم من موقعهم الوطني، ويجيرهم أدوات مٌسيرةً للمشاركة العوراء في مؤامرة القضاء على الوطن. كما ينبغي، منهم، رفع الغطاء عن هذا المزعوم زعيماً، وهو يبيع تابعيه بالوصولية، والمصالح الشخصية الرخيصة، وبادعاء وطنية مزيفة ومموهة بألف كذبة وتلفيق.
الخاتمة: إنها فرصةٌ قائمةٌ، وتدوم، لإقدام العقل على ترجمة أن الغربة عن الوطن، ليست إستراتيجية الشرفاء، هؤلاء الذين عليهم أن يقلقوا من يقودهم، ومن وراءه أيضاً، بأن حلبتهم سوف تصبح فارغة، فالحرية لن تعود مجالاً يستبيحونه، ويحاولون تطبيعه بالخوف. إنها فرصةٌ لكرامة العقل صاحب القرار، وهو أساس سائر الكرامات، فالعقل، وحده، زينة الرجال الرجال.