-copy.jpg)
-copy.jpg)
-copy.jpg)
كتب أنطوان خويري من كتاب «وأخيرًا أحرقوه… حوادث لبنان 1977 ـ 1978» – المسيرة – العدد 1707
تييري دي جاردان مؤلف كتاب «مئة مليون عربي» كان في بيروت حيث شهد المعارك التي كانت تدور في الأحياء الشرقية، فكتب في التاسع من شهر تشرين الأول 1978 في صحيفة «الفيغارو» ما يلي:
«في الوقت الذي أكتب فيه هذه الأسطر ـ يوم الأحد بعد الظهر ـ كان لا يزال وقف إطلاق النار الذي تقرر بين الرئيسين سركيس والأسد في دمشق وكان موعده يوم السبت الساعة الثامنة مساء، كان لا يزال غير محترم بعض الشيء. فقط بعض رشقات رشاشة، كانت تمزق من وقت لآخر سكون الموت الذي يثقل على أحياء بيروت المسيحية. وأمكن عندها الخروج من الملاجئ والأقبية، والمواقف الموجودة تحت الأرض حيث يختبئ الناس منذ ثمانية أيام… وأمكن في هذا الصباح إكتشاف ما فعله السوريون. إكتشاف الفظاعة.
لم يعد للكلمات هنا من معنى، فحتى المراقب الأكثر وعيًا يأخذ فجأة مثل السكان منظر المشدوه، وسط هذا الخراب، منذ ثمانية أيام، كان لا يمكن لأحد القيام بأي عمل، سوى تعداد القنابل المتساقطة على الأشرفية، يومها قبل كل شيء: إنه غيتو فرصوفيا، إنها لندن في 1941، هامبورغ في 1944، برلين في 1945… أما الآن وقد أصبح بالإمكان «زيارة» المكان، تصبح كل هذه المقارنات بشعة، ويفقد الناظر فجأة الرغبة في «الإنشاء».
الأشرفية اليوم هي حقل كبير من الدمار، يضيع فيه كالمجانين، وكما في كابوس مزعج، عشرون ألف كائن بشري بثياب النوم، عيونهم محمرة من الدموع، والخوف، والعطش، ولا يفهمون.
غالبًا ما جرى الحديث عن حقل من الخراب، عن مدن مدمّرة، لكن يجب أن نكون دقيقين. فالمنازل لا تزال واقفة. وفي المساء، حين تظهر الأطياف، قد لا نشك، تقريبًا، بشيء مما حصل. ولكن وسط النهار، نجد أن منزلاً من ثلاثة، في المناطق الأقل تعرضًا للقصف، ومنزلا من إثنين في مناطق أخرى، قد أصابته قذيفة، قنبلة، وعدة قذائف وقنابل في بعض الأحيان، ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنه يوجد في الطابق الرابع، والسادس والثالث ثقب كبير في الحائط، قطره ثلاثة أمتار، وأنه في الداخل، كما نرى جيدًا، لم يعد يوجد شيء، كل شيء احترق، كل شيء دمّر، كل شيء تناثر.
تخيلوا أحد شوارع الأشرفية. إنها منحدرة كما كل شوارع هذه التلة في بيروت. إنها تصعد، تلتف فجأة ومن بين الثلاثين منزلاً تم تعدادها، يوجد إثنان وعشرون منزلاً مصابًا. أحد عشر منها نال الواحد أربع قذائف، وخمس نال الواحد منها ثلاثة، وأربع نال الواحد منها إثنين، وإثنان نال الواحد منها قذيفة واحدة. لكن هذا التعداد الحزين، سريعًا ما يظهر أنه لا معنى له. فيلاحظ أربع قذائف سقطت من الوراء، من فوق، وأنها لم تُشاهد. فهذا المنزل الجميل، وكأنه بُني على الطريقة «الباروك»، والذي بدا وكأنه معافى، قد نال بالواقع حصته إذ سقطت عليه قذيفة عمودية، وكأنه قنبلة جوية وأحدثت ثقبًا هائلاً في سقف القبو.
كانت الأشرفية جميلة، كان فيها منازل قديمة على الطراز التركي وتحيط بها الحدائق، وهناك كذلك الأبنية الفخمة التي نبتت بعدم ترتيب، كانت مزيجًا غريبًا من الجمال الذابل، وقلة الذوق الذي يصدم الناظر… كل ذلك إنتهى، فالمنازل القديمة لن تُرمّم، والأبنية الفخمة ستُرمّم بشكل سيء.
ومنظر الشوارع نفسها يدعو للأسف. لم يعد بالإمكان التجوّل بالسيارات. فالطريق مليء بالدمار، والحجارة الضخمة التي تساقطت من المباني. وبالطبع، فقد تساقطت القنابل أيضًا وسط الشوارع، فأحدثت فيها فجوات ضخمة، وحطمت السيارات التي لم يتبق منها سوى هيكل محترق. أعمدة الهاتف، وأضواء الشوارع قُطعت من أصولها، فسدت الشوارع والطرق. وتتأرجح أشرطة الكهرباء من منزل لآخر، فهنا توجد «مرسيدس» جديدة سقط حجر على سطحها، وهناك شبابيك شبه مقتلعة من مكانها، تتأرجح على حائط إختفى المنزل من ورائه. وهنا سقطت واجهة، والمبنى انشطر الى نصفين، وتحول الى أربعة أنصاف طوابق. ويشاهد نصف صالون مع بعض المفروشات التي تقف في الهواء على جزء من الأرض الباقية كما لو أن في ذلك معجزة. نصف غرفة نوم، مع تلك المرآة الكبيرة التي تحطمت عندما كانت تعكس ولا شك المشهد المرعب لتلك العائلة التي اغتالتها المدفعية السورية الثقيلة أثناء نومها. سيء! سيء! وكل هذا يمتد على مئات ومئات من الأمتار.
جرت العادة على القول: «حي» الأشرفية، لكن المنطقة المسيحية في بيروت هي أكبر بكثير من حي عادي. إنها كبيرة كمدينة. فمنذ ثلاث سنين كان 400 ألف شخص يعيشون هنا، على تلة السعادة هذه، والتي كانت في الوقت نفسه تشبه «نوللي» الى حد ما، وباب «العواد» الى حد كبير، وهي لم تعد اليوم سوى مساحة من الدمار.
«لا يعرفون سوى صنع الخراب والصحراء»، كان الرجل الذي يخاطبني يحاول التعبير عن غضبه، لكنه لم يجد الكلمات: «السوريون وحوش، أنظر الى هذه الأطلال. لماذا فعلوا ذلك؟ وماذا فعل العالم بأسره؟ إنهم خسيسون كلهم… والإنسانية أصبحت في النفايات».
عمره 43 سنة. إنه رجل أعمال ويتكلم بطلاقة الفرنسية، والإنكليزية والإسبانية والعربية. تلقى علومه في الولايات المتحدة. كان بإمكانه الرحيل، لكنه رأى أنه من الطبيعي أن يبقى في بلاده، وتخاله أحد المتسكعين على الطرقات، لم يحلق ذقنه منذ ثمانية أيام، ويرتدي بنطلوناً مرقعًا، وقميصًا وسخًا، و»مشاية»، كان تاعسًا عندما أراني سيارته «الألفا روميو» المتوقفة عند أحد الجدران والتي مزقتها الشظايا.
لم يكن باستطاعته وصف الأسبوع الذي عاشه للتو. «يوم السبت الماضي كانت هدنة. ظننا أن جولة جديدة قد انتهت. ولكن عاد كل شيء الى حاله ليلاً. ولم يتوقف ذلك، عمليًا، طيلة الأسبوع، والثلاثاء كان ذلك أقوى بكثير. لا الإثنين.. لم أعد أدري. فقدنا إحساسنا بالوقت. ثمانية أيام.. جيل.. ظننا أننا سنموت كلنا. لم يحصل ذلك مطلقا طيلة حرب السنتين. كانت الأرض ترتعد تحت وقع القنابل، كما في الأفلام اليابانية عن الهزات الأرضية، كانت اللوحات تتساقط عن الجدران من تلقاء نفسها. كان الضجيح رهيبًا، ضجيج متواصل وعظيم. ولدي إنطباع بأنني ما زلت أسمعه».
هذا صحيح. يكفيني التجوّل في الشوارع، حيث توجد فجوات ضخمة في كل مكان. إنها غالبًا فجوات أحدثتها قنابل الـ240، وهذا يعني 450 كلغ من المتفجرات تنزل دفعة واحدة وتتحطم على منزل متواضع، فالسوريون لم يستعملوا ذلك العيار قبل ذلك على بيروت. لم يجرؤ أحد قبل ذلك على إستعمال عيار كهذا على مدينة لا تزال مسكونة، زد على ذلك أنها مدينة حليفة وصديقة، عندما نتذكر بأن هذه المدفعية جاءت بناء على طلب المسيحيين أنفسهم.
هذا الصباح خرج هؤلاء الناس المساكين للمرة الأولى منذ ثمانية أيام وتطلعوا… ورددوا كلهم الشيء نفسه: «يا إلهي! يا إلهي! كيف. هل هذا ممكن؟ لماذا؟ لماذا؟».
شاهدت عائلة أمضت الأسبوع كله في موقف للسيارات تحت الأرض. فقد انهار المنزل المجاور تحت قنابل الأحد. وجرت المحاولة، رغم كل الأخطار، لسحب الجرحى من الجيران والأصحاب. ووُضعوا في الموقف، لأنه كان من المستحيل محاولة الوصول الى المستشفى تحت هذا الفيضان من النار. وتُركت عشرات الجثث في المنزل المهدوم، وأمكن إنقاذ 18 جريحًا، كان ذلك مساء الإثنين. الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، الجمعة، ساعات يُسمع فيها صوت الجيران والأصحاب يصرخون يأسًا. يكفي سماعهم يتوسلون من السوريين كي يُصار الى قتلهم على يد السوريين القناصة، لقد تحولوا الى مجانين يركضون تحت مدى النيران بحثاً عن فتاتهم الصغيرة الموجودة في البيت المجاور… ساعات يمكن معها أن تصبح مجنوناً، ولا يمكنك أن تعطيهم شيئاً، ولا حتى جرعة ماء. وأمكن هذا الصباح إجلاؤهم. كان سبعة من بين هؤلاء الجرحى الـ18 قد ماتوا.
أما الباقون، الجرحى والآخرون، فقد أصبحوا مجانين، مخبولين، كانت الجثث مغطاة بالشراشف، ولا أحد يتحرك. وكان الناجون بأعجوبة لا يريدون التصديق أنهم هم أحياء بعد كل ما تعرضوا له.
ثم ذهبت في زيارة الى صديقة، الأم ماري ليونار، هذه القديسة التي تدير مستشفى «أوتيل ديو» الفرنسي. أعرف جيدًا هذه الراهبة التي لها لطف الفتاة الشابة، وحيوية التنين، وكنت قد شاهدتها في أفظع المواقف باردة، رائعة.
وللمرة الأولى رأيت أنها وصلت الى الحدود. سقط بضع ثلاثين قنبلة على مستشفاها. وقد انهار مركز العمليات، ومركز العناية الفائقة للجرحى الذين تحت الخطر. لا ماء، لا كهرباء، لا مضادات حيوية. لا دم.
كان من الضروري نقل المرضى ووضعهم في الطوابق السفلى وفي الممرات. وقد أعطت الممرضات، وحتى المرضى أنفسهم من دمهم لإسعاف أصحاب الجراح الخطيرة الذين يفدون. واضطُر الجرّاحون أيام الخميس والجمعة والسبت لإجراء عملياتهم على ضوء الشموع.
وهناك إدانة رهيبة أيضًا: فلأول مرة يستقبل «أوتيل ديو» جرحى أحرقتهم قنابل الفوسفور. ورأي أطباء «أوتيل ديو» قاطع: لقد أطلق السوريون قنابل فوسفورية محرقة على السكان المدنيين. وصحيح أيضًا أنهم قصفوا، عمدًا، المستشفى، ودكوا أحياء كاملة بقنابل الـ240 وتسببوا بمقتل خمسين شخصًا على الأقل طبقاً للتقديرات الأولى.
ومن السابق لأوانه اليوم البحث عن المسؤول عن هذا الموقف الدراماتيكي الذي لا يُصدق. لكن شيئاً واحدًا أكيدًا هو: مهما تكن أخطاء المسيحيين المتطرفين، فقد ارتكب السوريون جريمة هذا الأسبوع.
تشعر بالخجل، بعض الشيء، من كونك إنساناً عندما تسير وسط ركام الأشرفية، وفي الوقت نفسه يمتلكك شعور عنيف، ورغبة قاتلة في أن تفعل شيئاً ما لهؤلاء الناس المساكين.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]