العودة إلى الدولة

بدت إطلالة الأمين العام لحزب الله لافتة بمضمونها أكثر من أي شيء. فالمكابرة التي أظهرها لم تكن غريبة عن أدبياتهم. بل الجديد في خطابه بدا في توجهه حصراً إلى أنصاره، فضلا عن استحضاره ضرورة قيام الدولة كواقع محتوم عنده بعد نفاد سياساته في استبداله بمنظومة المقاومة المزعومة منذ العام 2000 وحتى اليوم. فهل يستطيع نضرالله الاستمرار بهذا الواقع المأزوم؟

التفاؤل المفرط الذي أظهره في كلامه الأخير بالكاد أثر وسط بيئته الحاضنة. وصف الواقع انطلاقاً من وجهة نظره حيث اعتبر المشكلة الأساسية في النتيجة التي أوصلنا إليها بتموضعه الاستراتيجي تنفيذاً لسياسات إيران في المنطقة انطلاقاً من انتمائه الإيديولوجي الاثني مع الفارسية الحضارية. لا يجرؤ على البحث في الأسباب بل يبحث فقط بالنتائج. وحاول تحميل اللبنانيين الذين لم يتوافق معهم مسؤولية هذا الأمر. لكن الحقيقة في مكان آخر.

من غطى مشروعه الأيديولوجي لتحقيق مصالحه الخاصة منذ 6 شباط 2006 يتحمل المسؤولية الكبرى من نتئج الوضع الحالي. وما صرخة سيد بكركي إلا في المكان والزمان الصحيحين. لا يستطيع لبنان أن يغير وجهه الثقافي والحضاري، ويطالب ممن أدار ظهره لهم بمساعدته. ولا يستطيع أي لبناني أن يتوجه شرقاً نقيض ما يأكل ويلبس ويتكلم ويتعلم. فالانفتاح على الشرق مطلوب وهو محقق.

لا يستطيع بعد أربعة عقود من الريعية الجهادية التي اعتمدت على رواتب إيرانية لعناصره أن يعيد جمهوره إلى الزراعة والصناعة لتحريك عجلة الانتاج بعدما أقفل أبواب التصريف العربية وخنق المزارع اللبناني. ولا يستطيع متى يحلو له أن يطالب الدولة ممثلة بوزارة خارجيتها إلى المبادرة تجاه الصين. فعندما يريد الصين يتذكر وجود الدولة، ولكن عندما تبادر الدول العربية والأوروبية إلى مساعدة لبنان يتهم الدولة بالعمالة للغرب. ولا يستطيع ربط تلازم مسار الدولة في لبنان مع الفصيل الايراني في العراق الذي يعتمد نهج الاغتيال الجسدي تثبيتًا لواقعه المأزوم. ولا يستطيع الضحك على اللبنانيين بدعاباته النفطي من إيران وبالعملة اللبنانية في حين أن عملتها باتت تساوي الرمال في الصحاري.

ولا يستطيع جر لبنان على معاداة الغرب كله تحت ذريعة تدخل السفيرة الأميركية، في حين أنه هو من صرح علنًا أن سلاحه ورواتب عناصره يتقاضاها من إيران مباشرة، وليس عبر النظام المصرفي اللبناني. سقطت هذه المكابرات كلها أمام استرجاعه لضرورة وجود الدولة اللبنانية كحاجة وجودية لكل مواطن وهو أولهم. فاعترافه بالوطني وبضرورة وجود الدولة لا ينفع بعد كل ما قام به منذ العام 2000 وحتى اليوم.

المطلوب واحد، العودة إلى الدولة من بوابة وجوديتها كشرط أساسي لاستمرار الجميع. وما لم تبق وتستمر فلا بقاء واستمرار لأحد مهما علاشأنه. ونموذج رفض القوى المسيحية الدولة الممتدة من كفرشيما إلى المدفون يجب أن يكون المثال الذي يحتذى به من قبل كل من تسوله نفسه الشعور والانتشاء بالانتفاخ غير الشرعي على حساب شرعية الدولة. من هنا نفهم صرخة بكركي بضرورة تحرير الشرعية والقرار التي لا يتجرأ نصرالله على الاقتراب منها. ولم يستطع إلا الأحرار السياديين فقط أن يواكبوها. المعالجة لا تكون بزراعة مسكبة ” بقدونس” على شرفة المنزل في بيروت، أو بزراعة أثلام البصل والثوم في الأرض جبلا وبقاعًا إذا توفرت، بل الحل بمعالجة سبب المشكلة الذي يكمن بالعودة إلى الشرعية، وعدم المكابرة بالدعوة إلى مزيد من الصمود الذي لن يجدي نفعاً مع غياب منظومة الدولة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل