صاحب النيافة والصرح،
عندما ألمح خيال بكركي، ألمح خيال أسطورة العملقة، والتضحيات، والشجاعة. ألمح أعجوبة الألم المقدس، والتي أنتجت شعباً بحجم التاريخ. بكركي الكنيسة، هي زيارة إلهية لطمأنة النفس، وصياغة الخير المطلق، ونشر بهاء الحق. هي الشعاع الأكثر ضوء للمتنعمين بنور السماء، وهي شد الرابط بالله الذي هو فيض الحكمة، وكنز المحبة.
في عصر الغروب والغربة، عندما تمادت أزمنة الجحود والشطط، الى غير حد، فزاغ معها خط التوازن في وطني، وأصبحت المقاييس مقلوبةً، والمفاهيم ممسوخةً، وأصبح لحمنا يغوص فيه طعم الموت المفاجئ، وتضمد جراحنا بالجراح، عدنا الى بكركي لتعلمنا أن نثق، دائماً، بالشمس، لأنها تعود باستمرار.
عدنا الى بكركي لتعلمنا أن الكلمة حكمة، وأن الفهم قدرة، وأن الوطن كالماس، لا يصنع بل يبحث عنه.
عدنا الى بكركي لتعلمنا أن الواحد من الناس، قد ولد مع قيمة مضافة هي الكرامة، ولتعلمنا أن الثبات في الموقف، هو آلة التمييز بين الرجال، وبين أنصاف الرجال، ولتعلمنا أن الوطنية الصادقة، تكون في أن نتطلع، جميعنا، في اتجاه واحد، ولتعلمنا أن يكون الواحد قوياً ليصفع بالحقيقة وجوه الأقوياء، لا أن يكون ضعيفاً ليستجدي تصفيق الضعفاء، ولتعلمنا على الوقوف، عندما كان الوقوف مستحيلاً، ولتعلمنا أنه حيث يسود الحق، تربى الخيول للمزارع، لا للحروب، ولتعلمنا أن القلوب التي تغلفها المحبة، أسمى الفلسفات، لا يتراكم عليها الصدأ، عدنا الى بكركي لتعلمنا أن شركة المسيحيين مع لبنان، معتقد أزلي، فلو عصرت أي حبة من ترابه، لنضح منها عرق مسيحي، ودم.
صاحب النيافة،
المسيحيون في لبنان، على مدى الأزمنة، ولا سيما الموارنة، هم العروفون بإقامة الصلة مع النعمة، وإعادة تفعيل الصداقة مع المسيح، لأنهم ولدوا من رحم التمرد نفسه، الذي انبلج منه فجر المسيحية، هذه التي حطت عينها على لبنان، في سبيل تنشق أكبر كم من نسائم الحرية، ومطمئنةً الى أنها، إذا رفعت يمينها صوب السماء، فباستطاعتها أن تطاول يد الله.
لقد آمن المسيحيون بأن لا سيادة إلا ليسوع المسيح، وكانوا الملافنة الذين علموا الأوقيانوس المحيط بهم، دروس الترقي. لبوا دعوة الله المحب للذين يتناغمون بالروح مع صورته، ويقبلون، بنهم، على هالته القدسية، فكانوا على صورة المسيح الفادي، في الكرازة الى الفرح والحق والتضحية. لقد علمنا المسيحيون الأوائل، بعنفوانهم، وبسلوكهم الرافض للظلم والذل، ونحن حفظنا ما علمونا، أن المسيحية والحرية توأم غير منفصل، وأن المسيحية والانفتاح أخوا طريق، وأن المسيحية والولاء للوطن شريكا مسيرة سرمدية، ولو على كل شبر من الأرض شهيد.
صاحب الغبطة،
بمناسبة نصحك أقطاب الحكم المضي الى الحياد لتخليص لبنان، إقبل مني محبتي، وورقةً صغيرةً، ضعها، دائماً، بين صفحات “شبيتك”، كتبت عليها: “مجد لبنان أعطي لك”.