يبدو أن النكبة المعيشية ـ المالية التي تعصف بلبنان تنتقل من ملف الى آخر من دون استراحة أو رحمة. للوهلة الأولى يخيّل للبناني أن التقنين الكهربائي ضرب الإشارات الضوئية في بيروت والمناطق، اسوة بما جرى في المستشفيات ومرافق حيوية أخرى، مع التبشير الدائم والمستمر بـ”العتمة” المحتمة، إلا أن القصة مختلفة وترتبط بالإيرادات التي تتم على اساساها صيانة هذه الإشارات.
القصة بدأت منذ نيسان الماضي تقريباً، إذ بدأ المارة يلاحظون أن الإشارة الضوئية التي تتعطل لا تعاود العمل، وتفاقمت القضية في اليومين الماضيين، مع تسهيل القوى الأمنية حركة المرور، لا سيما على المستديرات الكبيرة، في المتن وكسروان وبعبدا، وطريق صيدا القديمة ووسط بيروت، والسبب الأساسي ارتباط مشروع الـPark meter بالإشارات الضوئية بشكل مباشر، أما السلامة المرورية وكل المناشدات لتطبيق قانون السير والمحاضر، ذهبت مع الريح، وكأن اللبناني يسمع همساً ما مفاده، “بسيطة يا، تعيش وتاكل غيرها”.
وتوضيحاً للغلط الحاصل، أعلنت وزارة المال أن عدادات الوقوف والإشارات الضوئية والتحكم المروري مشروع متكامل وتتغذى نفقاته من إيرادات عدادات الوقوف التي هي موضوع نزاع بين هيئة إدارة السير وبلدية بيروت، مؤكدة ألا دخل للوزارة في موضوع دفع نفقات صيانة وتشغيل وبرمجة الإشارات الضوئية ونظام المراقبة التلفزيونية CCTV ونظام اللوحات الإرشادية ونظام التطبيق الهاتفي والموقع الالكتروني لمدينة بيروت الكبرى.
عالمياً، تكون إشارات السير الضوئية من اختصاص وزارة الأشغال أو أي إدارة رسمية أخرى معنية بالطرقات، وبالتالي تكون صيانة هذه الإشارات عبر موازنة الوزارة المسؤولة أو الإدارة. في لبنان الوضع مختلف، الإشارات الضوئية كما أمور اساسية اخرى، لا نعرف، في معظم الأحيان، مع من أو من أين يبدأ الملف وكيف ومع من ينتهي؟
في هذا الملف، تتم تغطية نفقات صيانة الإشارات الضوئية عبر الفائض من عائدات مشروع الـPark meter الذي تديره شركات خاصة، وأتى الخلاف بين هيئة إدارة السير ومحافظ مدينة بيروت حول جباية الـPark meter وعائداتها، من جهة، وثورة 17 تشرين وحملة “مش دافعين” من جهة ثانية، لـ”يزيد الطين بلة”.
مدير الأكاديمية اللبنانية للسلامة المرورية كامل ابراهيم، يؤكد أن الإشارات الضوئية، انطفأت لعدم صيانتها، بسبب عدم توفر الأموال التي تعود من عائدات الـPark meter، الذي توقف منذ الثورة، ولم يعد هناك من مدخول للصيانة.
ويلفت لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن فرق الدولار يعيق الصيانة، إذ إن القطع جميعها مستوردة، ففي حين تدفع تسعيرة الـPark meter بالليرة اللبنانية، يتم الاستيراد بالدولار، فكيف ستستورد هذه القطع، علماً أن سعر السوق تخطى اليوم الـ8000 ليرة للدولار الواحد؟
ويوضح أن العقد بين شركات الـPark meter والبلديات وهيئة إدارة السير، يلحظ الصيانة، مشيراً الى أن ما يتبقى من أموال يحسب من عائدات البلديات.
يستبعد ابراهيم أن تتم صيانة الإشارات إذا لم يؤمن المدخول المالي لذلك، مؤكداً أن 70 بالمئة من الإشارات “مش شغالين”.
