كميل شمعون: لن نستسلم أبدًا

كتب أنطوان خويري من كتاب «وأخيرًا أحرقوه… حوادث لبنان 1977 ـ 1978» – المسيرة – العدد 1707

«لونوفيل أوبسرفاتور» من الأشرفية:

كميل شمعون: لن نستسلم أبدًا

تحت عنوان «درس في أصول اللياقة وسط الأنقاض» كتب مراسل «لونوفيل أوبسرفاتور» غي سيتبون، يقول: ما من شيء اليوم يُساء تقديره لدى مسيحيي بيروت أكثر من الخوف، وهو ما يطرح مشكلة صعبة أمام السوريين.

 

في إتصال هاتفي نقلت إليّ صديقتي مارت التي تسكن في الأشرفية طلباتها من الحوائج المنزلية قائلة: «لم يلحقنا أي سوء بعد. وقد شبعت من أكل المعلبات، آتني إن أردت ببعض الخضار والفاكهة الطازجة والزبدة والجبنة وبعض علب «الجيتان». لا تنسى سجائر «الجيتان».

أصبح بالإمكان العبور من بيروت الغربية الى الشرقية أو القطاع المسيحي، منذ إعلان وقف إطلاق النار دونما التعرّض لخطر يُذكر، ويسعى محاصَرو المنطقة المسيحية الى كسر الطوق السوري المحكم حولهم بغية العودة الى ممارسة حياة طبيعية. وغدا بالإمكان العبور سيرًا على الأقدام أو بالسيارة في المنطقة العازلة بين آخر حاجز سوري وأول حاجز مسيحي مع ضمانة شبه أكيدة بالوصول الى الطرف الآخر على قيد الحياة. شبه أكيدة، اللهم إلا إذا اختارك ذاك القناص السوري الملعون هدفاً له. لقد سقطت 12 ضحية في الخمسة أيام الأولى من وقف إطلاق النار في هذه المنطقة.

أما السيدة أندريه مونييه، وهي شقيقة النائب ريمون إده، فقد أُصيبت أثناء عبورها ودخلت في غيبوبة (توفيت لاحقاً)، والسيدة مونييه قُتل زوجها عام 1976. وفقد إبنه ساقه عام 1975 وكانت هي الوحيدة الباقية في الأسرة سليمة الجسم. هذه الأسرة كانت تعيش في الطبقة التي تعلو طبقة صديقتي مارت في نفس البناية.

ويبدو أن التاكسي التي قادتني الى الأشرفية لم تستأثر باهتمام القناصة، لكنني ما كنت أحمل الى صديقتي شيئاً مما طلبته. فالإضطراب يسود المنطقة الغربية، وجميع المحلات التجارية مقفلة إحتجاجًا على ما سُمّي «بمقاومة الرئيس سركيس بوجه السوريين»، وهي مقاومة ترتدي طابع الشلل في الواقع. إلا أن العقلية السائدة في المنطقة الغربية تعتبر حتى الشلل موقفاً متصلّبًا لا يمكن السكوت عنه.

ورغم وصولي فارغ اليدين، أحسنت مارت إستقبالي، ذلك أن العيش ثمانية أيام وليال تحت القصف لم تؤثر في خصالها الإجتماعية. فقد وضعت المقاعد في فيء الحديقة وقالت لي في عفوية: «هل تأخذ الويسكي ممزوجًا بالماء؟ أو مع قطعة ثلج؟ لا تقاطعني، أؤكد لك أنه بات لدي ثلج فالتيار الكهربائي يمر بنا ثلاث ساعات كل صباح».

ومارت التي أعني، سبق أن تحدثت عنها في الأسبوع الماضي، فهي أرملة بلغت الثانية والستين من العمر تعيش وحدها مع خادمتها ماري ذات الثالثة والستين من العمر. وقد دخل الى حياتها مؤخرًا أشخاص جدد هم جيرانها نقولا بسترس وزوجته إيفون اللذان لجأا الى شقتها بعد أن قُصف قصرهما وأصبح غير صالح للسكن.

في ذلك الحي يعبر الناس الشوارع، وتلعب الكلاب تحت اشعة الشمس، والكل يتلذذ بانفراج وقف إطلاق النار.

وتعبّر مارت عن قلقها في ما يتعلق بصحتي، وتسألني تباعًا: هل كل شيء يسير على ما يرام؟ وهل أثرت فيَّ أصوات المدافع تأثيرًا كبيرًا؟ ولم يفتها الإعتذار عن إستقبالي في بلد قلّت فيه أسباب الضيافة، كما اشتكت من أن ورد الحديقة يذبل باطراد منذ انقطاع المياه.

والمصيبة حلت أيضًا بكلبين لها ما أن يبدأ القصف حتى يتملكهما الرعب. ما نزلت ليلة الى الملجأ إلا بسببهما ولكي تهدئ من روعهما، مرة واحدة، ولم تعد الكرة لأنها لم تستطيع إحتمال ضيق المكان.

قالت لي: «إني أفضل النوم في سريري. فمنذ ثلاث سنوات لم أصب بأي أذى. إنما ما يزعجني بالفعل فهو إنقطاع التيار الكهربائي، لأنني أحب كثيرًا الإستغراق في القراءة قبل النوم، حتى تحت دوي المدافع، بينما لا أحب القراءة على نور شمعة».

 

أجيال ثلاثة

في أوساط البرجوازية المسيحية الكبيرة، تلك التي ظلت الى جانب الشعب، ما من شيء يُساء تقديره حاليًا كالخوف. فالذي يمتلكه الخوف هو بمثابة إنسان منهار، ونادرون من هم كـ مارت يرفضون، لعزة في النفس، الإحتماء من القذائف، ولكن حتى لو رضخ المرء للإحتماء في الملجأ يجب عليه القيام بذلك من دون تسرّع. فالذين ينزلون الى الملجأ من دون أن يحلقوا ذقونهم، أو في ثياب النوم، إنما يعبّرون بذلك عن إهمال تجاه المجموعة في صمت كله تعبير ودلالة يدفع بالمخالف الى عدم تكرار لامبالاته.

فالسوريون، الذين هم في نهاية المطاف أقل من لا شيء إن لم نقل لا شيء، لن يمنعوننا ـ والكلام للمسيحيين ـ من التخلّي عن قرن ونصف قرن من اللياقة، خاصة إذا كان المرء قد أمضى طيلة حياته محاطاً بالخدم، حيث عليه اليوم ألا يشتكي فقدانه كل شيء.

أما ذروة اللياقة، فهي في عدم شرب أكثر من نصف كوب من الماء يوميًا لدى الإحساس بأن إحتياطي مياه الشرب بدأ بالنفاذ. لكن الإنسان لا يصمد طويلاً، فسرعان ما يستلقي وينام أمام أنظار المحيطين به. فبروتوكول الملاجئ ليس صارمًا، إلا أنه من المستحسن النوم بكامل اللباس وفوق كرسي.

ويخطئ من يظن في غرائب هكذا تصرفات نكاتاً وليدة حالة حرب، فالمسيحيون يريدون إفهام الخصم عبر ذلك بأنه لا يمكن النيل منهم عن طريق الرعب. فهم لن يسلموا تحت أي ضغط أو تهديد، ولا تحت القصف، إنما الحل الوحيد معهم في إبادتهم، فهم بالتالي لن يخضعوا لإنقاذ ممتلكاتهم وأرزاقهم.

والسيد نقولا بسترس اللاجئ اليوم في شقة مارت الواسعة، هو زعيم إحدى أقدم العائلات الأرثوذكسية في بيروت. ولدى الأرثوذكس كثير من الأسماء الكبيرة أهمها إثنان: آل سرسق، وآل بسترس. أما الثروات، فقد تصمد مرات وتنفذ مرات أخرى كما هو الحال مع السيد بسترس الذي لم يكن متبقيًا له من حطام الدنيا سوى قصره. وأي قصر! طالما مررت بجواره من دون أن أجرؤ على دخوله. ولم يقيّض لي التعرف إليه إلا حطامًا وركامًا.

ومقابل هذا القصر، قصر لآل سرسق نال نصيبه من القذائف وتحوّل أيضًا الى دمار. لقد طاف بي نقولا بسترس أرجاء ما تبقى من مسكنه. فالمكتبة العملاقة التي لم يكن يحفظ فيها سوى الطبعات الأولى من مختلف المؤلفات، وحيث كل المؤلفات الحديثة تقريبًا مهداة الى صاحب القصر من مؤلفيها، هذه المكتبة إختفت، ومعها أحرقت مئات الأيقونات النادرة، وشوهدت مجموعة من الرسوم لكبار الفنانين، وحطمت تحف الأوبالين، وكذلك المفروشات النادرة والتماثيل. أما السجاد الثمين، فمزقته وشوّهته النيران. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك ثروات من القطع النادرة سليمة تحت الغبار والردم. وبالإمكان إنقاذها قبل تجدد القصف، بغية حمايتها في متحف ما على الأقل. إلا أن نقولا بسترس لا يتحرك قط. فباستثناء سائقه والطباخ ومساعده، لم يعد هناك أحد للقيام بهذا العمل، فمن الأفضل الموت بؤسًا على المساومة مع البربرية. ويقول صاحب القصر هاتفاً: «أحرقوا المئتي أيقونة، فإني سأحتفظ بالمئة الأخرى الباقية».

ويفضل نقولا بسترس العيش وسط الركام على القيام بأي عمل. وجدير بالذكر أن ثلاثة أجيال من عائلة بسترس تعاقبت ووظفت وقتها وثرواتها وخيالها في جمع هذه المجموعات النادرة التي حوّلتها بضع قذائف سورية الى غبار.

إلا أن القصف لم يأتِ على كل شيء، فقد ظلت آداب الإستقبال حية، وفيها مبدأ يبدو سخيفاً وهو أنه بالإمكان القضاء على طائفة متحضرة، لكنه من المستحيل إخضاعها لأنياب الهمجية. فكيف بالإمكان في وضع كهذا إقناعها أنه بالإمكان إخضاعها لنير التقسيم والتجزئة.

لم يكن لدي سوى الذهاب الى الرئيس كميل شمعون زعيم المقاومة (وإبن الـ78 عامًا) الذي لم أتورع عن الصراخ في وجهه قائلاً: «إستسلموا، فقد طفح الكيل من المقاومة! إقبلوا الخضوع ولو قليلاً للسوريين، وتنقذون بذلك أرواحًا بشرية وقصورًا وقطعًا ثمينة نادرة».

فأجابني شمعون: الإستسلام؟

-ليس بمعناه المعروف، ولكن قليلاً منه.

*أبدًا. أنا أقاتل، ومعي ولديّ، وكل أحفادي، إننا لن نستسلم أبدًا.

-ولكن مسيحيي سوريا ليسوا في وضع سيئ، وهم لا يتعرضون على الأقل لنيران القصف.

*إنهم خانعون، هم، لا نحن.

-أنت تفضل رؤية مدينتك وشعبك مسحوقين.

*بإمكان شعبي أن يعيد بناء مدينة، وبإمكانه بناء نفسه إذا سقط بينه شهداء، ولكنه إن خسر الحرية فلن يجدها مطلقاً.

 

من بيت الى بيت

السوريون أدركوا كنه هذا المنطق، وأنهم يواجهون أناسًا لا يمكن نشدان تعلّقهم بعد تسعة أيام من القصف المتواصل وثمانية أشهر من الضغوط. والسؤال هو ماذا سيكون بإمكان الرئيس السوري حافظ الأسد أن يفعله اليوم؟ وهل تراه يُقدم على التنازل وإعطاء المسيحيين من المطالب ما كان يرفضه دائمًا؟ الواقع إن الأسد لم يكن الرئيس السوري الوحيد الذي طمع بلبنان خاصة بعد ثلاث سنوات من الحرب، واحتلال ثلاثة أرباع أراضيه، وهو بالتالي عنيد ومصمم على تحقيق هدفه.

لقد صمد المسيحيون تحت القصف. لذا ينبغي إستعمال الهجوم بالسلاح الأبيض ومطاردتهم من بيت الى بيت، وهو صنف من القتال بالغ التكاليف، حيث ينبغي التضحية بآلاف العساكر بغية رفع يد ميليشيات الجميل وشمعون المتحكّمة ببيروت الشرقية. ولا يمكن للرئيس الأسد أن يسمح لنفسه بإرسال هذا العدد الهائل من عسكره الى الذبح، ناهيك بأن حرب لبنان لا تتمتع بشعبية واستحسان في سوريا. وسوف يحمّله شعبه مسؤولية المجزرة.

منذ أن احتل لبنان الفلسطيني التقدمي، يُخضع الأسد قسمًا كبيرًا من الجيوش الفلسطينية لرقابته، وقد أرسلها الى الخطوط الأولى من الجبهة، وحين تندلع الحرب من جديد فإن الذين سيُقتلون مكان السوريين هم الفلسطينيون واللبنانيون المسمّون يسارًا. وهكذا لن يغضب رأي عام في سوريا ضد النظام حين تجتاح عصابات سيئة تنظيم منطقة الأشرفية. وربما ترتكب هذه العصابات مجازر تضاهي مجازر العساكر السوريين، وربما حصلت هناك تجاوزات.

وأسأل نفسي، ماذا سيكون مصير مارت ومادلين ونقولا بسترس، والمليون مسيحي الآخرين حيال تجاوزات سوف يعبّر النظام السوري عن عميق أسفه حيالها، وحتى يدينها.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل