
كتبت “المسيرة” – العدد 1707
رواية ولادة «قانون قيصر» بعملية قيصرية
«قيصر» مرّ من هنا… (1)
في 12 كانون الثاني 2019 أقر مجلس النواب الأميركي مشروع «قانون قيصر» الذي يقضي بفرض عقوبات أميركية على رئيس النظام السوري بشار الأسد وداعميه. القانون أُقر بالإجماع خلال جلسة لمجلس النواب الأميركي، وهو كان أقره الكونغرس في 15 تشرين الثاني 2016 وينص على معاقبة كل من يُقدم الدعم لنظام الأسد ويلزم رئيس الولايات المتحدة (دونالد ترامب) بفرض عقوبات على الدول الحليفة له. كما يتضمن لائحة بأسماء مسؤولين في الأمن السياسي وقادة عسكريين وضباط في الإستخبارات، بالإضافة الى المصرف المركزي السوري.
تعود تسمية هذا القانون بإسم «قيصر» الى الضابط السوري المنشق الذي سرّب نحو 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014 قُتلوا تحت التعذيب، وأثارت تلك الصور الرأي العام العالمي وعُرضت في مجلس الشيوخ. ولكنها لم تؤدِ بعد الى إطاحة النظام السوري المتهم بارتكاب كل هذه الجرائم.
قصة قيصر رُويت في كتاب «عملية قيصر ـ داخل آلة الموت في سوريا».
طيلة ثلاثة أعوام واظب «قيصر» على التقاط الصور للمعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في زنزانات معتقلات النظام وفي مشارح المستشفيات في ظل ظروف سيئة ومهينة وقاسية. بمساعدة أحد أصدقائه كان قيصر يمرِّر الصور التي يلتقطها للجثث، وكان هذا الصديق يُرسلها بطريقة سرية عبر البريد الإلكتروني الى الخارج قبل أن يتخذ قرار الخروج من منطقة سيطرة النظام في سوريا الى لبنان عبر القلمون السوري في العام 2015، أي قبل أن تسقط هذه المنطقة بيد قوات النظام و»حزب الله»، وفي مرحلة كانت المبادرة لا تزال بيد قوات المعارضة التي اقتربت من دمشق قبل أن يبدأ التدخل الروسي الذي قلب المعادلة وأعاد تثبيت النظام في دمشق.
من لبنان أكمل قيصر طريقه الى أوروبا وأميركا. في تشرين الثاني 2018 إقتربت العدالة الفرنسية من رئيس النظام السوري بشار الأسد عندما أصدر قاضي التحقيق الفرنسي، إنسجامًا مع طلب النيابة العامة، مذكرات توقيف دولية بحق ثلاثة مسؤولين رفيعين في الإستخبارات السورية بتهمة التواطؤ مع أعمال التعذيب والإخفاءات القسرية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. ومن بين الملاحقين علي المملوك مدير مكتب الأمن القومي المشرف على كل الجهاز الأمني، والمتهم بجريمة إرسال متفجرات مع ميشال سماحة الى لبنان للقيام بعمليات تفجير واغتيالات. والقرار القضائي الفرنسي بدأ في خريف 2016 بالإرتكاز الى ملف صور قيصر، وهو الإسم المستعار الذي مُنح للمصور في الشرطة العسكرية السورية بعد تمكنه من الفرار، حيث لا يزال يعيش في مكان سري وباسم مستعار.
ما كشفه «قيصر» يكشف أيضا حقيقة ما كان يحصل في المعتقلات السورية منذ قيام هذا النظام، ويلقي الضوء ربما على مصير مئات المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية الذين اختفت آثارهم وباتوا أرقامًا منسية داخل هذه المعتقلات، أو مدفونين في مقابر جماعية. وهذا النظام الذي ارتكب ويرتكب كل هذه الفظائع يرفض حتى اليوم الكشف عن مصير هؤلاء على رغم التأكد من عمليات اعتقالهم وتوقيفهم وسجنهم.
في الفصل الثاني من كتاب «عملية قيصر» ـ في قلب آلة القتل الخاصة بالنظام السوري، يروي المصوّر المنشق عن جهاز الشرطة العسكرية في النظام السوري، «قيصر»، طبيعة مهنته كمصوّر جثث، والتحولات التي طرأت عليها بعد اندلاع الثورة، ربيع عام 2011.
«إسمي قيصر. كنت أعمل لدى النظام السوري. كنت مصوراً في الشرطة العسكرية في دمشق. سوف أخبركم عن عملي قبل الثورة، وخلال العامين الأولين منها. لكن لا يمكنني تفسير كل الأمور لأني أخاف أن يتعرف النظام عليّ من خلال المعلومات التي سأفصح عنها. أنا لاجئ في أوروبا. أخاف أن يجدوني ويتخلصوا مني، أو ينالوا من عائلتي.
قبل الثورة، كنت مسؤولاً عن تصوير الجرائم والحوادث التي يتورط فيها عسكريون. يشمل ذلك عمليات انتحار، وغرق، وحوادث سير وحرائق. كنا، أنا والمصورون الآخرون، نذهب إلى أمكنة الحوادث ونصوّر المنطقة والضحايا. هناك كان القاضي أو المحقق يقولان لنا: «صوّر هذا الشخص… صوّر ذلك الأمر». كان عملنا مكملاً لعملهم. ثم نعود إلى المكتب ونكتب تقريراً يرافق الصور. ويتم إرسال التقرير إلى المحكمة العسكرية كي تبدأ الإجراءات القضائية.
في أحد الأيام أخبرني زميل لي عن ضرورة تصوير جثث مدنيين. كان قد عاد للتو من تصوير جثث متظاهرين من محافظة درعا: كنا في الأسابيع الأولى للثورة في شهر آذار أو نيسان 2011. أخبرني وهو يبكي: «لقد أهان الجنود الجثث، وقاموا بدوسهم بأحذيتهم وهم يصرخون: «يا أبناء القحبة!».
لم يرغب زميلي أن يعود، فهو كان خائفاً. حين اضطررت للذهاب، رأيت الأمور بنفسي. قال الضباط إنّ هؤلاء هم «إرهابيون». لكنّهم كانوا ببساطة متظاهرين. كانت الجثث مصفوفة في مشرحة مستشفى تشرين العسكري، وهو غير بعيد عن المركز الرئيسي للشرطة العسكرية.
في البداية، كان يوضع الإسم على كل جثة. بعد بعض الوقت، أي حوالى بضعة أسابيع أو شهر، لم يعد للجثث أي أسماء، فقط أرقام. في مشرحة مستشفى تشرين قام جندي بإخراجهم من البرادات، ووضعهم على الأرض كي نتمكن من تصويرهم ومن ثم أعاد الجثث إلى البرادات.
كلما تم استدعاؤنا لجلسة تصوير، كان يحضر طبيب شرعي. مثلنا لم يكن الأطباء الشرعيون مضطرين لارتداء زي رسمي، لكنهم كانوا عسكريين مع رتب.
في الأشهر الأولى، كانوا ضباطاً عاديين، ثم تم إستبدالهم بمن هم أعلى رتباً.
مع وصول الجثث إلى المستشفى، كانت تحمل رقمين مكتوبين على ورقة لاصقة أو على الجلد مباشرة، الجبين أو الصدغ، وكانت المادة اللاصقة من نوعية رديئة وغالباً ما كانت الورقة تقع من تلقاء نفسها. الرقم الأول كان رقم الموقوف نفسه، والثاني خاص بفرع أجهزة الإستخبارات التي كان محتجزاً لديها. الطبيب الشرعي الذي كان يحضر في وقت أبكر صباحاً،
يمنح كل جثة رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. كان هذا الرقم الأهم بالنسبة لعملنا الأرشيفي. يمكن للرقمين الآخرين أن يكتبا بشكل سيئ، أو خط غير مقروء، أو أن يكونا ببساطة غير صحيحين، بسبب وقوع أخطاء أحياناً.
الأطباء الشرعيون هم أعلى منا مرتبة. لم يكن ممكناً الحديث معهم أو حتى توجيه أسئلتهم. حين كان أحدهم يوجه لنا أمراً، كان علينا الطاعة. كان يقول لنا: «صوّر الجثث من 1 إلى 30، مثلاً، وارحل». من أجل التمكن من التعرف بشكل سريع على الجثة في الملفات، كان يجب التقاط أكثر من صورة لها: واحدة للوجه، وأخرى للجسد بأكمله، وواحدة لجانبها، وواحدة للقسم الأعلى، وواحدة للقسم السفلي.
كان يتم تجميع الجثث بحسب الأقسام التي أتت منها، فكان هناك مثلاً مكان للفرع 215 من الإستخبارات العسكرية، وآخر لفرع الإستخبارات الجوية. سهّل ذلك عملية التقاط الصور وتصنيفها لاحقاً.
لم أكن قد رأيت أيًا من هذا مسبقاً. قبل الثورة، كان رجال النظام يعذبون المعتقلين من أجل الحصول على معلومات، لكنهم اليوم يقومون بذلك من أجل القتل. رأيت آثار شمع، ومرة رأيت علامة دائرية خاصة بالموقد الصغير – أي ذاك الذي يستخدم في صنع الشاي – وقد حرق وجه وشعر أحدهم. كان لدى بعض الأشخاص جروح غائرة، وعيون مقلوعة، وأسنان مكسورة، وآثار ضربات بكابلات كهربائية من تلك التي تُستخدم لتشغيل بطاريات السيارات. كانت هناك جروح مليئة بالقيح، كما لو أنها لم تعالج منذ زمن وتعرضت للإلتهاب. أحياناً، كانت الأجساد مغطاة بالدماء، لكن دماء طازجة. كانوا توفوا منذ مدة قصيرة بالطبع.
كنتُ أجد نفسي مضطراً للتوقف وأخذ استراحة كي لا أبكي. أذهب لغسل وجهي. في البيت لم أكن بوضع جيد أيضاً. لقد تغيّرت. كنت ذا طبع هادئ، وأصبحت سريع الإنفعال، مع أهلي، وأخواتي. في الواقع، كنت مرعوباً، وأشاهد في رأسي كل ما رأيته خلال النهار. كنت أتخيل إخوتي وأخواتي وقد أصبحوا من تلك الجثث. جعلني كل ذلك مريضاً. لم أعد أحتمل كل ما يحصل، وقررت حينها الحديث مع سامي، وهو صديق يعيش في المنطقة نفسها. كان ذلك مساء يوم من ربيع العام 2011».
قصص التعذيب تحت قصر الأسد
يروي قيصر، في الفصل الثالث من كتاب «عملية قيصر ـ في قلب آلة القتل الخاصة بالنظام السوري»، تفاصيل من يوميات الرعب في تصوير الضحايا المتوفين تحت التعذيب، على بُعد 40 متراً من قصر بشار الأسد.
«في وقت من الأوقات أرسلت الجثث أيضاً إلى المستشفى العسكري في المزة، الأكبر حجماً من مستشفى تشرين. كان إسمه الحقيقي «المستشفى 601». وفيما كان مستشفى تشرين على بُعد خمس دقائق بالسيارة من مكتبنا، كان المزة يقع على بعد عشرات الكيلومترات، أي حوالي نصف ساعة في السيارة.
كان تصوير الجثث في «تشرين» أسهل لأنّها توضع بمنأى عن الشمس والضوء، في المشرحة أو في الأروقة حين تكون المشرحة ممتلئة. في «المزة» كانوا يتركون خارجاً، على الأرض وفي المرائب، حيث يتم تصليح وصيانة السيارات. يقع المستشفى في أسفل تلة حيث يوجد الحرس الجمهوري. في بعض الصور، يمكننا أن نرى التلة وكشك حارس المستشفى والأشجار التي تحدد محيط المبنى، وخلفه في الأعلى القصر الرئاسي.
لقد شاهدت جثثاً لمسيحيين وعلويين. رأيت واحداً وقد رسم وشماً لوجه بشار الأسد على صدره، كإشارة على وفائه. مع زملائي، لم يكن علينا فقط تصوير الجثث، لكن فتح ملفات لها. كان علينا طبع الصور، وترتيبها وفق الفروع، ولصقها على الملفات، وتصنيفها. كان عملاً منهجياً، إذ يوجد شخص يطبع الصور، وآخر يلصقها أو يشبكها في الملف، وثالث يكتب التقارير. يقوم رؤساؤنا بالتوقيع على التقارير ثم نرسلها إلى القضاء العسكري. قبل الثورة، كنا نقوم بهذا العمل مع جثث العسكريين، وبعدها استمرينا مع جثث المدنيين. كان الأمر وكأنّه روتين.
إرتفع العدد، وخصوصاً في العام 2012. لم نكن نتوقف عن العمل. كان الضباط المسؤولون عن قسمنا يشتموننا ويسألون: «لماذا لم تنتهوا بعد؟! الجثث تتكدس! هيا، أسرعوا!». كانوا يعتقدون أننا نتلهّى، لكن لم يكن بإمكاننا العمل أسرع من ذلك. كانت هناك دوماً جثث أكثر وموظفون أقل، بسبب الإنشقاقات بين الجنود. تعرضنا لضغط كبير جداً، لدرجة أنّه في النهاية كانت الجثث تلتصق بعضها ببعض في مرآب «المزة» قبل أن يتسنى لنا تصويرها. هناك، تحت الشمس وفي الحرارة، كان يتم حفظ الجثث بشكل سيئ، خصوصاً إذا بقيت أكثر من يومين. حتى الجنود كانوا يرفضون المسّ بها، وكانوا ينقلونها بواسطة أحذيتهم من دون أي إحترام. كانت تتعفن. مرة رأينا عصفوراً ينقر عين إحدى الجثث، وأحيانا أخرى كانت الحشرات تجتاح الجلد. ثم كانت هناك الرائحة، ليس في مستشفى تشرين حيث يتم حفظ الجثث في الداخل، لكن في المزة في المرآب الخارجي. هذه الرائحة التي لم نكن نستطيع التخلص منها في البداية، كانت تجعلنا مجانين. لكننا اعتدنا عليها وأصبحت جزءاً من يومياتنا.
يقوم الطبيب الشرعي بعدها برسم خط تحت كل المعلومات وينتقل إلى الجثة التالية. تتضمن كل صفحة معلومات عن ثلاثة أو أربعة أشخاص بشكل متوسط. يتم إنهاء التقرير الطبي في مكاتب الطب الشرعي الموجودة في مستشفى تشرين».
بعد الإنتهاء من التصوير، يعود قيصر وزملاؤه إلى مكتبهم في الشرطة العسكرية لكتابة تقريرهم الخاص، الموجه إلى القضاء العسكري. قبل الحرب، في بداية الثورة، كان كل ميت يحظى بوثيقة خاصة به. شيئاً فشيئاً، ازداد عدد الجثث، وأصبحت الورقة تتسع لعشرة ثم خمسة عشر ثم عشرين موقوفاً.
هذه الوثائق وترويستها تبيّن أنّها تابعة لقسم التصوير الجنائي داخل فرع الشرطة العسكرية في الجمهورية العربية السورية عليها عناوين مطبوعة مسبقاً: «prevue de justice»، «ملاحظات حول صورة الحادث»، «تفاصيل حول الحادث». بعد الإنتهاء من تصنيف الوثيقة بوصفها «موت»، يجب على جنود قسم التصوير الجنائي تعبئة كل واحدة بقلم الحبر.
مساعدة أهالي الضحايا
تكتمل مأساة شهادة قيصر، في الفصل السابع من كتاب «عملية قيصر»، إذ يروي فيه قصص تعرف العائلات إلى جثث ضحايا تعذيب النظام مقابل رشاوى لضباط الأجهزة الأمنية.
«حدث أن ساعدتُ أمهاتٍ كنّ يبحثن عن أبنائهنّ. إن طلبن ذلك، فلأنهنّ جرّبن كل شيء. قمن باتصالاتٍ لم تسفر عن شيء أو دفعن المال هباءً. في بلادنا، لطالما دفع السوريون المال لقاء الحصول على معلوماتٍ عن أقربائهم المحتجزين. بعد الثورة، أخذ الفساد حجماً آخر. في صفوف الجيش وجهاز المخابرات، إنهارت السلطة، وباتت الأوامر تحترم بشكلٍ أقل، وتفككت، نوعاً ما، أركان النظام. أصبحت هذه المافيا أشبه بالغاب. وقد رأى الكثيرون في ذلك فرصة لجني المزيد من المال عبر بيع المعلومات، وإن كانت خاطئة…
قبل الحرب، إن دفعت المال وخُدعت، كان بإمكانك أن تتقدّم بشكوى. أما اليوم فذلك مستحيل. عندما يسعى أبٌ إلى معرفة مكان ابنه الموقوف الذي لم يصله عنه أي خبر منذ أشهر، يحاول مقابلة أحد الضباط، أو أحد العملاء في جهاز المخابرات، أو محامٍ مقرّب من النظام. إن ابتزوه بالمال واعدين بإخراجه ولم يفوا بوعدهم أو كذبوا عليه لأنّ ابنه توفي، ماذا بوسع الأب أن يفعل؟ أن يعترض لدى السلطة؟ سيردون عليه: «تبحث عن معلوماتٍ تتعلق بإرهابي؟ إذاً أنت أيضاً إرهابي. ربيت ابنك ليكون إرهابياً. عليك أنت بدورك أن تذهب إلى السجن!» يتستّر العملاء بعضهم على البعض الآخر.
بالتالي كانت الأمهات يسعين إلى الحصول على معلوماتٍ بواسطتي. وبما أنني لم أكن أحد المسؤولين الكبار، كانت صلاحياتي أقل من الآخرين. وإن لجأن إليّ فذلك لأنهن يائسات. عندما كن يتصلن بي على هاتفي الخليوي، كن يعرضنني للخطر لأنه مراقب. بالتالي كنت أعاود الإتصال بهن من أحد الهواتف العمومية غير المراقبة. بفضل بعض الأصدقاء، كنت أستطيع الحصول على معلومات. عند الخروج من المعتقلات، كان المعتقلون يمرون بالشرطة العسكرية قبل الذهاب إلى السجن. لكنني لم أكن أعرف ماذا يحصل في المعتقلات. كانت مساعدة هذه العائلات تجعلني أشعر بأنني أفضل حالاً. يمكن أن يرتاح ضميري حتى إن كنت ما زلت أعمل لدى النظام.
في أحد الأيام، جاء رجل يبحث عن صورة شقيقه. كان برفقته محقق من الشرطة العسكرية ورئيس قسمنا. كان قد حصل على رقم السجين الخاص بشقيقه. كان من الاستثنائي أن يأتي أحد إلى هنا ومعه هذه المعلومات كلها. وجدنا الجثة التي تحمل هذا الرقم ورآها. تعرّف إلى أخيه من خلال وشمه وسنٍّ ذهبية. كان رب أسرة من ولدين. مصدوماً وهو يغادر، ناول الرجل المحقق المال. غير أنّ هذا الأخير رفضه أمامي، لكنني واثق أنّه استعاده في ما بعد.
في يومٍ آخر، جاءت امرأتان إلى القسم، وكما الحال دائماً برفقة محقق ورئيس قسم المعلوماتية. كانتا تبحثان عن زوج الأولى وهو شقيق الأخرى. كانتا في الثلاثين أو الخامسة والثلاثين تقريباً. كان بحوزتهما ورقة موقعة من جهاز المخابرات مع رقم الطبيب الشرعي. وبفضل هذا الرقم تمكنت من معرفة اليوم الذي التقطت فيه صورة هذا الرجل. كان من السهل إيجادها لأنّ الصور مرتبة وفق هذا الرقم وبحسب التاريخ. لم يكن هناك بالتالي إلا ثلاثون أو أربعون صورة للاطلاع عليها في ملف هذا اليوم.
عندما رأتا الصورة، بدأتا بالصراخ، وخدش وجهيهما، وحلش شعرهما. كان ذلك قاسياً جداً؛ إذ إنني لم أكن أستطيع أن أقول شيئاً، أو أظهر أنني أتفهم ألمهما. وهما كلتاهما ما كانتا تستطيعان إهانة النظام الذي قتل هذا الزوج والأخ. كانتا ستتعرضان للتوقيف بدورهما. أغمي على واحدة منهما فذهب أحد العملاء لإحضار ماء الكولونيا لإعادتها إلى وعيها. أذكر ذلك جيداً، كانت السنة الأولى من الثورة لأنّه، في تلك الحقبة، كان الجنود ما زالوا يستطيعون شراء ماء الكولونيا. في ما بعد، أصبح ثمنها باهظاً جداً بسبب الحرب.
وفي مرة أخرى أيضاً، إتّصل أعضاء في النظام بعائلة صبي معتقل. وعدوها بإخراجه مقابل نصف مليون ليرة سوريا (ما يعادل 3300 يورو تقريباً في تلك الفترة). كان والد الصبي يعرف أحداً في صفوف الشرطة العسكرية. وقد قال له هذا العميل إنّ ابنه قد توفي حتماً وينبغي ألا يدفع هذا المبلغ. لم يشأ الوالد تصديقه وكان مستعداً لدفع المبلغ.
جاء هذا العميل ليراني وبحثنا. كنا نعرف التاريخ التقريبي لوفاته. بحثنا في الصور ووجدناها. عندما رأينا الجثة، فهمنا أنّه توفي بعد اعتقاله مباشرة. صوّر العميل إحدى صور ملف الصبي بهاتفه الخليوي، صورة الجزء السفلي من الجثة التي يمكن التعرف إليها لأنه يرتدي سروالاً رسمت عليه رقعة شطرنج. لم أشأ أن ينسخ الصور الأخرى، وبخاصة صورة الوجه. كنت خائفاً جداً من أن يذهب الأهل ويتقدموا بشكوى لدى قوى الأمن التي كانت تسعى إلى ابتزاز المال في حين أنّ الشاب متوفٍ. أقسم لي العميل أنّه سيمحو الصورة عن هاتفه لئلا نتعرض للتوقيف، أنا وهو.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]