
يقول مصدر لبناني مفاوض تحفّظ عن نشر اسمه لوكالة فرانس برس «غادر صندوق النقد الجلسة (عبر الإنترنت)، وتوقفت المفاوضات». ويوضح مصدر آخر مطلع على سير التفاوض «لم يلمس ممثلو الصندوق جدية من الوفد اللبناني، فلا أحد يريد الإصلاح. تصارع كل جهة (لبنانية) من أجل مصلحتها الخاصة بينما تترك البلد يحترق». منذ أيار، عقدت 17 جلسة. وبدا التباين جلياً بين تقديرات الحكومة لإجمالي خسائر الدولة والمصارف المالية، وتقديرات المصرف المركزي وجمعية المصارف. ويعود القسم الأكبر من ديون الدولة الى المصارف. وقدّرت الحكومة هذه الخسائر بـ241 ألف مليار ليرة، وتدخل المجلس النيابي عبر لجنة تقصي حقائق قالت إن الخسائر تتراوح بين 60 و91 ألف مليار ليرة. لكن صندوق النقد يعتبر أرقام الحكومة أقرب إلى الواقع. ويقول المصدر المطلع إن البرلمان يتصرّف كما لو أنّه «ممثل لمصالح القوى السياسية لا الشعب». ويرى المفاوض اللبناني أن «اللوبي الذي يبدي استعداداً لأن يحترق البلد لئلا يُكشف ما قام به من ارتكابات، قوي جداً ومؤثر».
ويرى مدير معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية ناصر ياسين أنه «لا توجد نية سياسية للإصلاح». ويقول «يفضل الزعماء ألا يصار إلى إجراء إصلاحات جدية تحت ضغط صندوق النقد أو الدول المانحة أو ضغط الشارع، مقابل أن يبقى وضع البلد مترنحاً من دون أن ينهار لضمان عدم خسارتهم كل شيء». ويعني تحقيق الاصلاحات، وفق ياسين، «تجريدهم من الكثير من أدوات عملهم وسلطتهم واستحواذهم على الدولة والاقتصاد والمجتمع عبر شبكات تابعة لهم وعبر تغذية المحسوبيات والزبائنية».
ويضيف المصدر المطلع على المفاوضات، «على الطبقة السياسية أن تفهم أن زمن التسوّل انتهى ولم تعد تنطلي على أحد الوعود الكاذبة بالإصلاح». ويقول مصدر غربي مطلع على مضمون المحادثات رفض الكشف عن هويته، إن جلسة التفاوض الأخيرة «سارت بشكل سيئ للغاية» وانتهت بطلب صندوق النقد من الوفد اللبناني «التوقّف عن خداعنا». ويروي أن الوزير المالية غازي وزني حاول احتواء التوتر بطلب الانتقال للبحث في نقطة أخرى، فأتاه الجواب «ليس هناك من نقطة تالية». ويطالب الصندوق الحكومة باتخاذ تدابير سريعة بينها تحرير سعر الصرف والتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وتقييد الرساميل بشكل رسمي، بحسب المصادر. ومنذ انطلاق المفاوضات، ارتفع سعر الصرف من أربعة آلاف الى تسعة آلاف مقابل الدولار في السوق السوداء، فيما تفرض المصارف قيوداً مشددة على الودائع وتمنع الزبائن من سحب دولاراتهم.
ولكن ماذا لو لم يحصل لبنان على دعم صندوق النقد؟ يجيب المصدر الغربي «لا أرى ما الذي يمكن أن يشكل بديلاً عن مساعدة من الصندوق… فالبلد ينهار، والليرة كذلك، بينما المسؤولون في حالة إنكار». ويطمح لبنان إلى الحصول على دعم خارجي بأكثر من 20 مليار دولار، بينها 11 ملياراً أقرها مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في باريس في 2018 مشترطاً إصلاحات. ويجزم المصدر الغربي أن أحداً من المانحين لن يستثمر في لبنان في ظل عملة غير مستقرة وبلا برنامج مع صندوق النقد. ويقول «توقيع صندوق النقد هو ما سيعيد تصحيح السمعة».
وفي السياق المالي، قالت تليمر في تقرير بحثي إن سندات لبنان الدولية التي يجري بالفعل تداولها عند بعض أدنى مستويات السندات السيادية في العالم قد تتكبد مزيدا من النزول إذا استمر الوضع من دون دعم من صندوق النقد الدولي وتنفيذ إصلاحات.
وقال باتريك كوران، وهو اقتصادي كبير بشركة أبحاث الاستثمار وأحد معدي التقرير، إن مخاطر سندات لبنان الدولية تميل نحو الجانب السلبي.
وقال في تصريحات أرسلت بالبريد الإلكتروني «كلما طال أمد هذا الجمود، ازدادت صعوبة تطبيق الإصلاحات المطلوبة والحصول على دعم صندوق النقد الدولي… إذا لم يستطيعوا فعل ذلك، هناك بالتأكيد خطر حدوث مزيد من التراجع للسندات الدولية. حتى حال موافقتهم على إعادة هيكلة وبرنامج من صندوق النقد الدولي، فسيحتاجون لأن يظلوا ملتزمين بإصلاحات لفترة طويلة من أجل وضع الديون على مسار مستدام».
وقالت تليمر إنه في ظل أسوأ التصورات، والذي ينطوي على شروع الحكومة في إعادة هيكلة دينها ومد آجال الاستحقاق لخمس سنوات لكن دون المضي قدما في الإصلاحات، يمكن أن تنخفض السندات المستحقة في 2025، والتي يجري حاليا تداولها عند 16.8 سنتاً، إلى 7.8 سنتاً.
وقالت إنه في ذلك الوضع، سيواجه حملة السندات الدولية خفض قيمة بنسبة 75 بالمئة، في حين سيواجه حائزو السندات المحلية خفض قيمة نسبته 40 بالمئة مع عائد عند التخارج بنسبة 15 بالمئة.
والعائد عند التخارج هو توقع السوق لقيمة سندات سيادية بعد إعادة هيكلة.
وقالت إنه في ظل أفضل التصورات، وهو عندما تلتزم الحكومة بتعديل المنظومة السياسية وتنفيذ الإصلاحات، فقد تقفز السندات إلى نحو 26 سنتا.
وفي ظل تلك الظروف، سيتكبد حملة السندات الدولية خفض قيمة بنسبة 60 بالمئة مقارنة مع 30 بالمئة بالنسبة لحائزي السندات المحلية. وسيكون العائد عند التخارج 13 بالمئة.