حياد لبنان: من حقيقة تأسيسية الى مشروع انقاذي

 

كم يبدو عقيما لدى البعض تقبل منطق الحياد وكأنه تجرع لسم قاتل او منطق غريب عن ثقافتنا وثوابتنا فيما الواقع والتاريخ يثبتان ان هذا الحياد لم يكن الا في اساس قيام النظام اللبناني لا بل الذاتية اللبنانية، وقد حفل تاريخ لبنان الحديث بمحطات كان يطالعنا عند كل واحدة منها، فريق لبناني يحاول العبث به تارة تحت شعار القومية العربية وطورا تحت شعار الناصرية وطورا اخر تحت شعار الكفاح المسلح الفلسطيني ودعم قضية الامة الأولى، فكان لبنان في كل مرة يقع كله دولة وكيانا ونشأة في محن الانقسام والتشرذم والتفتت والتقاتل وصولا الى العام 1975 حيث كان الانفجار الدموي الكبير بين اللبنانيين، مظهرا الخلاف المصيري حول حقيقة دور وطبيعة لبنان في محيطه.

وها هو اليوم مرة جديدة وبفعل وجود فريق من اللبنانيين الموالين لمحور اقليمي جديد يمتد من ايران الى لبنان مرورا بالعراق وسوريا، يعود لبنان كيانا ودولة وشعبا، الى حجرة المختطفين، فيما الخاطفين المحليين والاقليميين متواطئين على مصالح البلد وامنه واستقراره وسلمه الاقتصادي المعيشي والاجتماعي، وهو من جديد مهدد بالتمزق والتفتت وسقوط الهيكل على رؤوس الجميع.

اولا: ان مدماك الاستقلال الاول عام 1943، قام على منطق الحياد وفق المعادلة الشهيرة، لبنان لا شرق ولا غرب، لا مقر ولا ممر، لبنان دولة مساندة لا دولة مواجهة.

فلا استقلال للبنان ناجز وحقيقي ودائم ومستدام الا من خلال هذا الحياد، الذي وبالنظر الى التعددية الحضارية والثقافية والدينية التي تتشكل منها الفسيفساء اللبنانية، ونظرا لمعادلة المساواة والتوازن بين مختلف تلك المكونات، لا يمكن تصور بقاء لا دولة ولا لكيان دستوري وسياسي وسوسيولوجي لبناني ان لم يشعر كل مكون بان لا قدرة لمكون اخر على فرض ارادة مكون اخر عليه.

ثانيا: فمنذ البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الاولى في 7 تشرين الاول 1943، تكرس دور لبنان المنفتح على الجميع والمتعاون مع الجميع، وقد تضمن البيان المذكور وصف دقيق لطبيعة لبنان النظام والدولة والدور”، في التعاون الدولي تعاونا يزداد وثوقا يوما فيوما، واشارة البيان الى ان العصر الذي يأبى العزلة التامة للدول كبيرها وصغيرها والى اعتبار ان لبنان من احوج الدول الى هذا النوع من التعاون، والاستناد الى موقعه الجغرافي ولغة قومه وثقافته وتاريخه وظروفه الاقتصادية”، فكل هذه الثوابت التأسيسية التاريخية، ان دلت على شيء فعلى قيم الانفتاح والحياد الايجابي للبنان، القادر على لعب الادوار الايجابية للتوفيق بين الشعوب والدول والسعب للسلام والتأخي بين المجتمعات، عاكسا بذلك صورة تكوينه التعددي.

فالزعيمان المؤسسان بشارة الخوري ورياض الصلح فهما سر نشأة وطن ودولة و”طبخا” الوصفة للبقاء والتقدم في ظل الحياد، منذ تلك الليلة، من صيف 1943، عندما التقيا لتثبيت قيام الدولة الجامعة للمسيحيين والمسلمين، وقد اتفقا على مفاهيم الاستقلال اللبناني:

استقلال تام ناجز تجاه دول الغرب جميع دول الغرب

استقلال تام ناجز تجاه دول الشرق جميع دول الشرق

لا وصاية ولا حماية ولا امتياز ولا مركز ممتاز لأية دولة كانت

التعاون لأقصى حد مع الدول العربية الشقيقة

الصداقة مع جميع الدول الاجنبية التي تعترف باستقلالنا الكامل وتحترمه

والمفارقة في هذا السياق التاريخي والسياسي انه وفي الوقت الذي فيه ارتضى المسيحيون التخلي عن فكرة الالتحاق بالغرب والحمائية للغرب، والاقرار بعروبة لبنان الذي كان مطلبا اسلاميا لبنانيا في الأساس، جاءهم من المسلمين اليوم من يطالبهم ويفرض عليهم التخلي عن العروبة والالتحاق بإيران.

ثالثا: بين اعلان لبنان الكبير مع البطريرك الحويك، مرورا بإعلان استقلال لبنان الاول مع البطريرك عريضة. فاعلان استقلال لبنان الثاني مع البطريرك صفير ونداء المطارنة للعام 2000، وصل لبنان مع البطريرك الراعي في عظته ما قبل الاخيرة الى المحطة الاخيرة والاساسية والضامنة لكل ما انجز قبلا، محطة اعلان حياد لبنان.

فالحياد هو الدرع الضامن والواقي لاستمرار الدولة اللبنانية والاهم لاستمرار الذاتية اللبنانية والخصوصية التعددية لوحدة أبنائه. فاتفاق الطائف الذي صار دستورا منتخبا من كل الطوائف، كان واضحا في ارسائه قواعد هذه الذاتية: فمقدمة الدستور نصت على سيادة وحرية واستقلال لبنان ووحدته ارضا وشعبا ومؤسسات، وعلى عروبته وعضويته التأسيسية في جامعة الدول العربية كما وعضويته التأسيسية في منظمة الامم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان.

فكيف يمكن لهكذا لبنان دور ومهام والتزام ان يكون غير حيادي ان اراد سيادة وحرية وانفتاحا على الغرب والشرق؟ فهذه الذاتية بحاجة لمن يحميها من الانتهاكات، والحماية لا تأتي الا من خلق مناعة وطنية جامعة تتأتى من التزام ابناء الوطن الحياد من الصراعات المحيطة باستثناء القضية الفلسطينية حيث للبنان دورا مساندا لا دورا مواجها لا يقوى عليه. علما انه وفي الفترة الشهابية وما بعدها مع الرئيس شارل حلو، عندما اراد البعض تحويل لبنان من دولة مساندة الى دولة مواجهة، انهار استقلال لبنان وانهارت معه الدولة التي اصبحت اسيرة برمتها في قبضة العمل الفلسطيني المسلح المتفلت وغير المضبوط.

رابعا: فالتاريخ شاهد على اننا كلما خرجنا من روحية الحياد كلما تجمعت فوق سماء لبنان وعلى ارضه ويلات الحروب والصدامات والتشابكات الاقليمية والدولية المدمرة له، والمحطة الاخيرة حاليا خير دليل، اذ ان لبنان اليوم بالحصار الخارجي الخانق الذي يتعرض له انما يدفع شعبا ودولة ومؤسسات ومالية واقتصاد واجتماع وسلم اجتماعي واهلي، ثمن استخدامه من حزب الله وراعيته ايران ورقة ابتزاز واختطاف للمقايضة به وبوجع وجوع ابنائه مع الاميركيين والغربيين في الملف النووي وفي الصراع حول السيطرة على المنطقة والنفوذ فيها، والمؤسف حقا ان يكون فريقا لبنانيا ضالعا في لعبة الموت والتقهقر والانهيار ضد وطنه وشعبه.

لذا يبقى الحياد اللبناني دستورنا وهو البنية التحتية لصلابة البناء اللبناني القوي بتاريخه وتراثه ولكن الضعيف والهش في توازناته ومعادلاته الداخلية، ان لم نحسن تحصينها.

فانطلاقا من الخطوة الاولى المتمثلة بالعودة الى الالتزام الصارم بالنأي بالنفس، واعادة تفعيله استنادا لإعلان بعبدا الذي توافق عليه الجميع – بات لزاما علينا العمل على اعتبار هذا المبدأ، الذي تضمنته كافة البيانات الوزارية، منذ عهد الرئيس ميشال سليمان الى اليوم، بمثابة مبدأ وطني كياني ودستوري الزامي لكل اللبنانيين ومطالبة المنظمات والمحافل الدولية باعتبارها صادرة عن اكثرية الشعب اللبناني ومعبرة عن ارادته الصادقة والموحدة.

وبالتوازي يبقى المطلوب تفعيل اليات الالتفاف الوطني حول طرح الحياد، للبطريرك الراعي وتحويله الى برنامج عمل وطني شامل وكامل ومتكامل ومشروع نضال ينطلق في حملات سياسية واعلامية ووطنية في الداخل والخارج معا لتعبئة الطاقات ومتابعة الخطوات الفاعلة لترجمة التوجه البطريركي الى برنامج وطني جامع انقاذي يسوق له ويعمل على تنفيذه فورا، واستنفار الطاقات الاغترابين المؤمنة به للمساعدة على التسويق له في الاوساط الدولية وفي مختلف المنتديات والمحافل الفكرية والسياسية والدراسية والاستراتيجية.

ليس من شأن بكركي ان تمارس العمل السياسي الفعلي على الارض بل على المنظمات الاهلية والاحزاب والقوى السيادية وفعاليات المجتمع الحر، التحرك الفاعل لترجمة التوجهات البطريركية وصولا الى تحقيق هذا الحياد المنشود والالتزام بالشرعية الدولية وتحرير لبنان من براثن التبعية والارتهان والدويلة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل