.jpg)
لا يمكن ان يعبر تاريخ مماثل من دون ان نحكي. لا. من دون ان نقرع الاجراس له وليس ان نكتفي بالحكي عنه. 13 تموز 1996 اعلان براءة سمير جعجع من تهمة شنيعة، تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة. لم يعلنوا براءته يومذاك لأنهم يحبون العدل والحقيقة، ولأنهم شرفاء انقياء وقضاءهم نزيه منزّه. لا ابدا. أعلنوا براءته لأنهم ما تحملوا الضغط الدولي عليهم لإلصاق تهمة مماثلة برجل مقاوم مماثل.
حاولوا بكل الطرق والاساليب. فعل جميل السيد اقصى ما يمكنه لجعل الحكيم سفاح لبنان، تلبية لإرادة سفاح الشام يومذاك، ولم يتمكن مع الجهاز الامني السوري ذاك والقضاء العضومي الشهير. حتى القضاة ما تمكنوا من تحمّل تبعات الصاق تهمة مماثلة برجل هلقد بريء هلقد مقاوم هالقد نزيه هلقد شجاع في مواجهة العالم كله، مواجهة السوري المحتل والعملاء الصغار من حوله ينغلون حقدا وتنكيلا واضطهادا لشبابنا وللبنانيين الشرفاء.
يوم انتظار الحكم بدت الدنيا وكأنها على شفير الوقوع. لا تقع الارض نعرف، لكنها تهتز قليلا، يومها بدت لنا وكأنها ستقع الى قعر قعر النهايات، الصاق مجزرة مروعة ضحيتها اطفال وابرياء عند اقدام العذراء مريم تحت مذبح الرب مباشرة، كانت اقوى من قدرتنا على تحمّلها، كانت النهايات بحد ذاتها، لكن ما لم نكن متنبّهين له في تلك اللحظة العالية المشاعر، ان للرب ألف درب ودرب غير دروب الانسان، وانه حين يشاء يعرف كيف ينقذ ناسه من براثن الشيطان ولو دفعنا اثمانا اخرى في مكان اخر.
اختار الرب لسمير جعجع اعلان البراءة من تلك الجريمة، لكنه في المقابل شاء له ان يكون أسير الكرامة الغالية والعنفوان والشرف، اسيرا لأجل مبادئه، افتدى من خلال اسره الرفاق الاحياء والشهداء، والقضية كلها التي من اجلها دفع ثمنا غاليا جدا، والاهم ان لبنان دفع هذا الثمن ولا يزال حتى اللحظة. شاء الرب ان يُسجن الحكيم في سجن العملاء، لكن كانت النتيجة انه اسرهم خارج القضبان ليكون هو الحر الكبير من داخل القضبان.
يوم 13 تموز 1996، عادت الشمس لتشرق على القلوب التي غمرها ظلام الخوف على الحكيم وعلى لبنان وعلى الانسانية، لم نبال بالأحكام الاخرى الكاذبة التي الصقت به في محاولة لقتله وقتل القوات اللبنانية ونحن بعد أحياء، كنا نريد الاثبات اننا لا نقتل المسيح، اننا نحن من نعيش لنناضل لأجله ولبنان رسالة من رسالة الرب على الارض، عشنا لأجلها استشهدنا لأجلها ونكمل حياتنا لأجلها وليس اسمى عندنا من ضوء المسيح ولبنان الرسالة.
عرفنا يومذاك ان براءته من تهمة الكنيسة ستجعله اسيرا حرا بين قضبان ذلّهم التي حولها الحكيم الى قضبان شرف، ومع ذلك هرعنا الى اجراسنا نقرعها بقوة، بعناد بحنان بحب الدنيا رغم سوادها. سمير جعجع لا يقتل الابرياء، سمير جعجع يحني رأسه لامه العذراء ولا يقتل ابنها في بيته، القوات اللبنانية تموت ليعيش اللبنانيون احرارا في الكرامة والانسانية ولا يقتلون الانسانية ليحكموا حكم الباطل على الارض.
قرعت اجراسنا للحق ولو كانوا ما تقصّدوه يومها، بل اُرغموا عليه. قرعنا اجراسنا في الضيعة والمدينة، بشّرنا العالم كله ببراءتنا، وكل جرس قرعناه كان يصرخ على المحتل والعملاء والضالين في ارض البخور والقديسين، بان استيقظوا، عودوا الى الرب لتعودوا الى لبنان، ولم يفعلوا. لا يهم لا يهم عاجلا ام آجلا سيعودون، سيكونون مثلنا نحن، نحن القوات اللبنانية على راس السطح، نحن المقاومين الابطال الشجعان الشرفاء، في الحرب كما في السلم، ولن يعود لبنان الى لبنان ما لم يكونوا مثلنا، واقولها بكل فخر ووضوح وعزة نفس. ما لم تكونوا كالقوات اللبنانية ومن يشبهها بالنضال والشرف، لن تروا وجه لبنان الحلو بعد اليوم!
“ظنوا ان الله مات لكنه هنا يتدخل في التفاصيل”، قال مرة سمير جعجع تعليقا على حكم البراءة، ونحن الان في انتظار الله ليتدخل في تفصيل كبير كبير جدا، بقاء لبنان او زواله، وكما تدخل الرب لإعلان براءة الحكيم، نؤمن انه سيتدخل من جديد لانتشال لبنان من جحيم من يحكمه بالسلاح والفساد والعمالة، وما لم يفعلها الله بطرقه غير المتوقعة، فهذا يعني اننا لن ننال حكم البراءة منه في اغتيال بلادنا، وان لبنان سيزول اذا بقي اسير من يحكمه ونحن لا نقاوم.
كونوا قوات لبنانية بالمفهوم الانساني الوطني الكبير للكلمة وليس بالمفهوم الحزبي فقط، والا لن تروا وجه لبنان الحلو بعد اليوم، وها نحن ننتظر قرع الاجراس من جديد لنعلن براءة لبنان من فاسديه ومحتليه.
