وين لبنان يا سيدنا؟ هون ما فل

تزدحم الديمان بالوافدين. ماذا يجري فوق؟ جميل هذا المكان. لا، رائع هذا الصرح المحاصر بعبق وادي القديسين. تقف عند شرفة الصرح الماروني العريق المتربع منذ العام 1832 على كتف الوادي المقدس، تشعر ان الله قريب، قريب جدا يسكن هنا في مكان ما، يتمشّى تحت الليل والصباح، يشرف على مخلوقاته بشكل مباشر. لا وساطة فوق بين الرب والناس، يتحاورون معه هيك دغري من القلب للعيون.

على شرفة الديمان ترى يوحنا مارون يجالس البطرك صفير. صفير العائد من رياضة المشي في الغابة المحيطة، تسلق الوعر ولم يبالِ بالأشواك ولا الصخور المتدحرجة من حوله، لم يقف يوما، لم يبالِ. كان يعرف ان عليه ان يقول ما قاله ويمضي، وان بوجه الحق تنتصب دائما الشياطين ولا يهزمها الا الايمان. “تعبنا بزماننا كتير يا صفير وكنت خير خلف إلي وللحويك وللبطاركة العظام لـ اجوا على هالكرسي”، يقول يوحنا مارون لصفير ويمضي الى مجده الذي لم تمحه السنين ولن تفعل.

هنا الديمان وهنا البطريركية المارونية العريقة، والى هنا يتقاطر لبنانيون ليشدّوا على مواقف البطرك السابع والسبعين في سلسلة البطاركة الموارنة. لم يعد امام اللبنانيين الصادقين بلبنانيتهم، والى اي طائفة انتموا، الا هذا المكان يقصدونه للتعبير عن موافقتهم لمواقف البطرك الاخيرة المدوية. ماذا قال البطرك، قال القليل الكبير في وطن ينهشه المحتلون والفاسدون. البطريركية المارونية تريد حياد لبنان عن مصائب محيطه. لا تريد تحرير القدس من لبنان، ولا مناصرة الحوثيين من لبنان، ولا ولاية الفقيه في لبنان، ولا تحرير سوريا من لبنان. تريد لبنان المضيء بالحضارة، تريد عودة سويسرا الشرق، تريد لبنان كما كان ملتقى الحضارات “بدنا نرجع لحالنا ومش اكتر، وحالنا هي الحضارة والانفتاح” قال البطرك الراعي للوفود المتقاطرة اليه، ومن بينها وفود من القوات اللبنانية نواب ووزراء ورفاق من كل المناطق.

لا نذهب الى بكركي او الديمان لننحني للبطرك ونبتسم للكاميرات ونقول كلام الدعم لمجرد الكلام. بكركي والديمان مجد لبنان، مجد الحضارة المشرقية، ونحن اللبنانيون مشرقيون، جعلنا من هذا الشرق منبع حضاراتنا وملتقى الاديان، ومنبع الانسانية. هنا بكركي وهنا الديمان، هنا مجد لبنان الذي اعطي لها، ومن هذا المجد اشرقت المدارس والجامعات والارساليات وكل الحضارة والثقافة والعلوم، من لبنان الى العالم ومن العالم الينا، ونريده ان يعود كذلك. بالحلال بالحرام نريده ان يعود وهذا من حقنا.

نريد لبناننا، وما عاد لنا الا بكركي ومن يتحلّق من حولها، يمكنهم استرداد ذاك اللبنان العريق الحضاري، من انياب الطغاة والسلاح والفاسد والمحتل، والبدائية التي تحاصرنا في كل الاتجاهات.

وين بلادنا يا سيدنا؟! نسأله دائما. وين صراخ بكركي يا سيدنا؟ وصرخت بكركي. تماهت لبعض الوقت مع المواقف السيئة، كي لا تصل الى الاصطدام المباشر مع سلطة امعنت في فسادها وفجورها، وفُهم موقفها تراخيا. ولما لم تجد صدى، اعلنت الثورة على الحكام والمحتلين. ندهت “بدنا لبنان يرجع، لبنان الرسالة لـ اصرّ البابا يوحنا بولس التاني ان يقول عن لبنان وما قالها عن بلدو، وما بيرجع لبنان الا بالحياد الايجابي”، ولم تبال بنعيق المتخلفين والفاسدين من حولها ولا بالانتقادات التافهة. من جديد ضربت بكركي عصاها في وعر الصخور، ولم تسأل عن الاشواك التي نبتت على اكعاب قدميها من هون ومن هونيك. هذه بكركي يا عالم، هذه الديمان يا وادي القديسين، ومن قبّة الصرح العريق، ومن جبال الارز ووادي قنوبين، تتعالى اصوات البطاركة الموارنة، بان هذه الارض محفورة في انجيل الزمان وابواب الجحيم لن تقوى عليها.

من البطرك الحويك ولبنان الكبير ذاك، الى البطرك صفير عميد ثورة الارز تلك، الى البطرك الراعي، لعل عصاك سيدنا تضرب في وعر الحكام وتشق الصخر من جديد لنشهد على الاستقلال الثالث الحقيقي المنجز، وليرحل الفاسدون والمحتلون عن ارضنا ولتشق صرخة البطاركة الموارنة من جديد وعر الذل الذي يحتلنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل