دولارات المغتربين الخيالية “حكي بلا جمرك”

حظي كلام وزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجار عن دخول نحو 30 مليون دولار يومياً إلى لبنان عبر مطار بيروت، منذ إعادة فتحه أمام حركة الطيران في أول تموز، بانتباه جهات سياسية ومالية عدة. واستدعى كلام نجار المتابعة لتبيان دقته، إذ قال إن المطار يستقبل يومياً نحو 3 آلاف لبناني من بلاد الاغتراب، وتقديراته أن الواحد منهم يحمل معه نحو 10 آلاف دولار أميركي، وذلك بحسب الاتصالات التي يتلقاها للسؤال عن حجم الأموال المسموح إدخالها، ما يعني أن 800 مليون دولار تقريباً ستدخل شهرياً إلى لبنان، بحسب الوزير.

ويبدو، بحسب مصادر مالية واقتصادية لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “السلطة تعوّل على المغتربين اللبنانيين القادمين لتمضية عطلة الصيف في لبنان بين أهلهم وعائلاتهم، وعلى الدولارات التي يحملونها معهم، لتغطية جزء ولو بسيط من شح السيولة بالدولار في الاقتصاد اللبناني”.

تتمنى المصادر “لو تكون أرقام الوزير صحيحة”، معتبرة أنه “أطلقها بحسن نية على الأرجح لتقوية المعنويات”. لكنها تشدد على أنه “لو كان هذا هو الواقع الفعلي فما حاجتنا لمساعدة الآخرين للنهوض من الأزمة؟ مع 10 مليار دولار في السنة من المغتربين وحدهم، لا حاجة بنا لصندوق النقد الدولي، ولا للدول والمؤسسات المانحة، ولا لصناديق الاستثمار ومؤتمرات الدعم من سيدر إلى سائر أخواته، يمكننا عندها النهوض لوحدنا من دون دعم الشرق والغرب والشمال والجنوب والعرب وسائر أقطار الدنيا. لكن هل هذا هو الواقع الفعلي، أم أن دولارات السلطة الخيالية من المغتربين القادمين أحلام أو (حكي بلا جمرك)؟”.

وتشير إلى أن “الفريق الحاكم يراهن على أن دولارات المغتربين الواصلين إلى بيروت ستعينه على التقاط الأنفاس. كما أن هذه الدولارات الطازجة تعوّض السلطة مرحلياً عن مفاوضاتها المتعثرة مع صندوق النقد الدولي، ومحاولاتها الفاشلة حتى الآن مع الدول العربية والصديقة للحصول على المساعدات جراء امتناعها عن تنفيذ الإصلاحات وتحييد لبنان عن صراعات المحاور، ما يساعد على تمرير الوقت بانتظار الفرج من مكان ما”.

وتوضح المصادر ذاتها أن “تأكيد وزير الأشغال أن المطار لن يقفل، على الرغم من ارتفاع الإصابات المسجلة بفيروس كورونا بين العائدين، وأن دولارات المغتربين خفَّضت سعر صرف الدولار، يؤكد هذا الرهان، بالإضافة إلى تلميحه لمجيئ بعض السياح العرب لتمضية الصيف في لبنان. علماً أن الوزير لم يقدم أي دليل على تدفق العرب ولا مؤشرات في هذا السياق، بل على العكس، فالأجواء والمعلومات المسربة تشير إلى تشدد عربي تجاه لبنان لانخراطه في محور يعادي العالم العربي وخصوصاً الدول الخليجية، على الرغم من إبداء الكلام الطيب والأسف لما يعانيه لبنان العزيز على قلوب العرب، لكن لا مساعدات ولا فتح أبواب طالما لا إصلاحات”.

ولا تنفي أن “اللبنانيين القادمين يحملون معهم دولارات بالتأكيد لقضاء العطلة ومساعدة أهلهم، وهي تؤثر في سوق الصيرفة، لكن الأرقام التي طرحها الوزير نجار تحتمل النقاش والتشكيك، فالقول إن 800 مليون دولار ستدخل في الشهر عبر مطار بيروت لا يمكن المرور عليه مرور الكرام”. وتلفت إلى أنه “في حال اعتمدنا هذا المعدل على مدى عام، يعني أن لبنانيي الاغتراب سيدخلون نحو 10 مليار دولار في السنة إلى الاقتصاد اللبناني، وهذا الرقم لم يسبق أن سُجّل طوال العقود الماضية”.

وتذكّر أنه “في العام 2010، الذي يعتبر عاماً نموذجياً إذ سجلت أعلى المعدلات، دخل نحو 8 مليار دولار فقط من المغتربين والسواح. علماً أن ذلك العام شهد فورة سياحية وعمرانية واستثمارية، في ظل توافقات سياسية مقبولة بعد اتفاق الدوحة وانتخابات رئاسية وفاقية في العام 2008، إلى سائر العوامل المساعدة. وهو العام الذي أتى تتويجاً من حيث حجم دولارات المغتربين والسياحة لما سبقه من أعوام تلت حرب تموز، ومليارات الدولارات والودائع العربية لإعادة إعمار ما دمرته”.

وتضيف، “الأحوال اليوم مختلفة تماماً مع الانكماش الاقتصادي العالمي جراء جائحة كورونا. فمختلف الدول منشغلة بشؤونها وهمومها واقتصاداتها المتراجعة، وهذا ما اعترف به وزير الأشغال نفسه، واللبنانيون المغتربون تأثروا بالتأكيد بهذا الوضع المستجد، وتراجعت أعمالهم وانخفضت مداخيل قسم كبير منهم، علماً أن بعضهم توقفت أعماله بشكل نهائي. والمغتربون أسوة بالمقيمين لا ثقة لهم بهذه السلطة التي أضاعت جنى عمرهم واحتجزت أموالهم وأهدرتها في المحاصصات والصفقات والفساد والتنفيعات للمحاسيب والأزلام”.

وترى هذه المصادر أنه “بناء على ذلك، لا يمكن الإكثار من التفاؤل بجلب المغتربين كميات من الدولارات بأرقام خيالية، وآمال ملتبسة في نفوس اللبنانيين المقيمين، إذ إن انعكاسات هذا الأمر قد تكون مدمرة أكثر من واقع الانهيار القائم. فالناس لم يعودوا يتحملون مزيداً من الخيبات والصدمات، وأرقام حجوزات السفر وطلبات الهجرة بين العائلات اللبنانية مرعبة”.

وتعتبر المصادر المالية والاقتصادية عينها، أنه “كان من المتوقع أن يكون الأسبوع الأول لإعادة فتح المطار بمثابة الذروة للبنانيين المغتربين، بعد إقفاله في 18 آذار الماضي إثر تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا في 21 شباط الذي سبقه، لكن لا يمكن احتساب هذا المعدل على مدار السنة. والسؤال ليس إذا ما كان اللبنانيون القادمون يحملون معهم الدولار أو لا؟ بل عن حجم الرزمة النقدية التي يحكى عنها، وعن تأثيرها وانعكاسها على الاقتصاد للخروج من الأزمة كما يتم التسويق، أو أنها ستكون بمثابة جرعة ماء عذبة في بحر مالح لا أكثر، مع استمرار عناد الفريق الحاكم على نهجه”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل