#adsense

التاريخ يسجّل ونحن نستذكر… والأرزة تروى بخطها الأحمر

حجم الخط

 

 

“حياتي قربان على مذبح أمتي”… وهكذا كان… قربانا مغمّسا بعبق الدماء.. مغروسا بتراب الوطن… الشهيد أنطوان فرح… “راح وبعدو في قوات يعني بعدو ما راح”.

عادت عقارب الساعة بمنسّق القوات اللبنانية في عكار فارس الصرّاف ومسؤول مكتب جهاز الشهداء في المنطقة إيلي عيسى إلى حيث توقّف الزمن عند عائلة الشهيد أنطوان فرح عام 1976.

زيارة الصرّاف للإطمئنان على عائلة الشهيد، أعادته للحياة في قلبه… وكيف لا؟ وقد ذهب ابن الستة عشر ربيعا قبل أن تتفتّح براعم سنونه… حتى قبل أن يستقبل شباب بحرية جونية ليزفّوا إليه خبر نجاحه بتفوّق بدورة الطيران. وقبل أن يحلّق عالياً مع النسور زفته أمه عريسا للسماء وقربانا على مذبح الوطن.

“يا بني لا نريد أن نخسرك، فأنت وحيدنا وأخواتك الخمس لا سند لهنّ غيرك..” كلمات أمه صدحت في المنزل.. ولكن أنطوان الذي عاين بأم العين مجزرة بيت ملات وخرج منها طفلاً هاربا ليصل بأمان إلى جونيه علم، وعلى رغم صغر سنّه أن البقاء مقاومة والمقاومة حتى الرمق الأخير… فلولا الشهداء تحت التراب لما كنا ولما استمرينا…

ومن منزل الشهيد خرج الصرّاف وعيسى لاستكمال زيارات عائلات الشهداء ومصابي الحرب، وبقيت جملة الشهيد أنطوان فرح التي نقلها أهله تتردّد في آذانهما: “لماذا سيهجّر أصحاب هذه الأرض وهذا الوطن ليعيش فيه الغرباء؟ لن نتركه مهما كلّفنا الأمر.”

وإلى منزل جورج الدربلي إنتقلا. الدربلي شقيق الشهيدين في سبيل قضية البقاء والصمود عينها. دخلا منزله المتواضع في حلبا العكارية فاستقبلهما بقلبه المفتوح قبل باب منزله. فجورج الذي حارب في صفوف «القوات اللبنانية» أثناء الحرب الأهلية نجا من كل مآسيها ولكن القدر لم يدعه وشأنه. فمن كان ليعتقد أن من سلم من الرصاصات والقنابل والكمائن لن يسلم من غدر الديناميت.

جورج الذي حرمه إنفجار من العمل، والزواج والإنجاب، ورؤية نور الشمس، هو المقاوم في كل لحظة من حياته، استقبل الصراف وعيسى وعاد بالذاكرة إلى استشهاد أخويه. جوزف  الدربلي، هو تاريخ بحد ذاته. كان في الشوف عندما كان جورج في بيت كساب في مواجهة جيش النظام السوري. وكان مسؤول الإشارة والصيانة يهتم بكل الخطوط العسكرية والأجهزة في ثكنة القطارة. ولكنه استشهد في حرب الإلغاء عن عمر يناهز ال 27 عامًا.

أما عبد النور الدربلي فاستشهد أيضا أثناء الحرب. الحرب لم تترك لعائلة الدربلي الكثير. ولكن البركة بالخميرة التي تخمّر العجين كله… ومع صباح كل يوم ينتظر جورج الدربلي أن يطرق بابه أحد الرفاق ليستعيد أيام الشباب وها الصرّاف وعيسى يقومان بذلك دورياً.

إنها المقاومة تتجلى بين منازل عائلات الشهداء ومصابي الحرب. وكيف بالحري منزل جميل منصور الذي وضع فيه ٦ أشقاء حياتهم على كفّهم، للدفاع عن الأرض والوطن والبقاء؟ وتشهد يدا علي منصور إبن بلدة منيارة العكارية أن الحرب لم تترك وترا إلا وقطعته، المعارك كانت قاسية وبين الشهادة والإعاقة الجسدية فاصل ثوان لا يعرفها إلا من كتبت له الحياة.

وعندما تشتد الصعاب يسأل البعض لماذا أنتم هنا؟ “هنا كنا، وهنا سنبقى…” لأن لنا تحت هذه الأرض جذور أكثر من فوقها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل