لقاء ات ومحاضر على كرسي الإعتراف – 1

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1707

البطريرك صفير يروي أسرار الطائف (الجزء الثاني):

لقاء ات ومحاضر على كرسي الإعتراف (1)

 

النقاط السبع التي وضعتها اللجنة العربية للخروج من الأزمة رسمت الطريق نحو إنتقال العمل من النظريات الى التطبيق. هذه النقاط التي نصت في شكل أساسي على وقف إطلاق النار ودعوة النواب اللبنانيين الى عقد إجتماع خارج لبنان في 30 أيلول 1989 وضعت حدًا لآلية الحل التي كان اقترحها الرئيس حسين الحسيني، وكانت تقضي باقتراح أسماء لرئاسة الجمهورية والتوافق على أحدها، والتزام من يتم التوافق عليه بالإصلاحات المطلوبة وباجتماع النواب في لبنان (الديمان) لانتخابه، وعرض منصب سفير على العماد ميشال عون. وهذه النقاط وضعت خارطة طريق لانتخاب رئيس الجمهورية بعد إقرار التعديلات الدستورية، وأظهرت أن اللجنة العربية كانت تشكل الغطاء لهذا المسار.

على ضوء المعلومات التي اطلع عليها البطريرك صفير من سمير فرنجية الآتي من دمشق في 16 أيلول كان يتحضر للإضطلاع بدور جديد لمواكبة هذه العملية الكبيرة. فقد علم من فرنجية في ذلك اللقاء أن سوريا طلبت مهلة سنتين لسحب جيشها وتحتفظ ببعض المواقع على القمم مثل ضهر البيدر، وقد نقل إليه فرنجية أيضًا أن رفيق الحريري يرى أن يتجاوب النواب المسيحيون مع اللجنة العربية ويلبّوا الدعوة الى الإجتماع خارج لبنان، وأن سوريا ربما ستعمل على تفشيل الحل العربي.

في ظل هذه المعطيات الجديدة، كان على البطريرك صفير أن يواكب هذه الحركة السياسية دفعًا في اتجاه الخروج من المأزق الكبير ولوقف أهوال الحرب.

 

عون: أنا الشرعي الوحيد

قبل أن يأتي الأخضر الإبراهيمي الى لبنان لتولي ترتيبات آلية الحل الدولي ـ العربي، كان العماد ميشال عون يشن هجومًا إعلاميًا يعتبر فيه أن النظام اهترأ ويجب البحث عن سواه، وأن النواب تجاوزهم الزمن وأصبحوا غير شرعيين وهو وحده رئيس الحكومة الشرعي. ولكن على رغم هذا التحذير لم يكن واردًا أبدًا عند البطريرك صفير أن يتراجع، خصوصًا بعدما لاحت في الأفق بارقة أمل تستطيع أن تُخرج لبنان من أزمته برعاية عربية ودولية. فخلال أيام سينتقل النواب اللبنانيون الى مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، والمشاركون في التحضيرات والمباحثات واللقاءات والرعاية والوساطات ينتظرون منه أن يبارك كل هذه العملية. إنه وقت الجد والحقيقة.

في اليوم الذي أعلن فيه عون أنه وحده الشرعية، أرسل الى بكركي مع أحد الضباط نسخة عن مشروع وثيقة الوفاق الوطني الذي وضعته اللجنة العربية الثلاثية. وبعد الإطلاع عليها كشف صفير أنها تختلف عن مضمون ما نشرته الصحف في آخر آب الماضي لأنها تنص على أنه بعد سنتين يحصل تفاوض بين سوريا ولبنان حول إنسحاب الجيش السوري. صفير إعتبر أن هذا العرض يمس بالسيادة اللبنانية.

 

الإبراهيمي: عون يسأل عن مصيره

الساعة الثانية من يوم الإثنين 18 أيلول، وصل الى بكركي الموفد العربي الأخضر الإبراهيمي بعدما تأخر ساعتين عن الموعد. سبب ذلك أنه كان التقى العماد عون الذي رغب إليه مقابلة الأمير فاروق أبي اللمع مدير عام وزارة الخارجية، ولذلك تأخر. توجه الإبراهيمي مع صفير مباشرة الى مائدة الطعام، وبعد الغداء تباحثا في وثيقة الوفاق الوطني والنقاط السبع التي وضعتها اللجنة العربية، وكان بحثها مع عون قبل مجيئه الى بكركي.

شرح الإبراهيمي للبطريرك ما لقيه من مصاعب للوصول الى هذه التسوية، وقال: «إن الوثيقة الأولى كانت ما يجب أن يكون (التي كانت طالبت بسحب الجيش السوري أولاً)، والثانية ما يمكن أن يكون، هذه وثيقة عملية». سأله صفير: ما مبرِّر إعطاء سوريا سنتين لبرمجة سحب جيشها من لبنان إبتداء من إنتهاء الإصلاحات والانتخابات وتحقيق الوفاق بقوانين، وهذه كلها تتطلب سنتين، فأصبحت أربع سنوات قبل الدخول في مفاوضات بشأن سحب الجيش السوري. وقد جاء في الوثيقة: تقرِّر سوريا بالإتفاق مع لبنان، هذا يعني أن سوريا لن تترك لبنان.

أجاب الإبراهيمي: الجديد في الوثيقة أن سوريا اعترفت بمبدأ الإنسحاب. قبلاً كانت تقول إن عناصر الحل في لبنان أربعة: وقف إطلاق النار، رفع الحصار، الإصلاحات، الانتخابات، بعد ذلك أقنعناها بأن عناصر الحل ستة، أي بإضافة إثنين الى الأربعة وهما: إنسحاب الجيش السوري وإشراف اللجنة العربية.

سأله صفير: هل من ضمانة أُعطيت لكم لخروج الجيش السوري؟

قال: الضمانة أُعطيت الى الملك فهد، وبعد فهناك في اللجنة ملكان ورئيس لهم وزنهم ولا يقبلون أن يخسروا ماء الوجه.

سأله صفير: ماذا كان جواب العماد عون؟

أجاب الإبراهيمي: أرجأ الجواب الى ما بعد التشاور. وأضاف: شعرت بأنه يسأل عن مصيره فلم أجبه. ولكن أقول: نحن لم نعمل ضده، لقد طلب منا الرئيس الأسد ذلك فرفضنا، وقلنا له لن نرضى بأن نكون أداة بيد أحد وكذلك لن نعمل له. هذه قضية داخلية. إن شعوري بأن سوريا تريد أن تنسحب ولأن النظام السوري ضعيف يريد أن يحفظ ماء الوجه، والمظاهر تهمه، وإذا لم يتستَّر وراء المظاهر يسقط.

أضاف الإبراهيمي: هذا ما استطعنا التوصل إليه. فإذا كان هناك وثيقة خير منها نحن نعمل على المساعدة لتسويقها، وإذا أخفقنا فنُسَمّي العراقيل كما فعلنا المرة الأولى عندما سمّينا سوريا، وإذا فشلنا فسننسحب وتكون المبادرة العربية الأخيرة.

كانت هواجس البطريرك صفير تتعلق بالإبهام الذي يحيط بمسألة الإنسحاب السوري، بينما كان الإبراهيمي يعتبر أن هذا أفضل الممكن، وقد أعطى إنطباعًا وكأن هذه المبادرة هي الفرصة الأخيرة.

كان البطريرك صفير يريد أن يوسع دائرة مشاوراته. في اليوم التالي لاستقباله الإبراهيمي، إستقبل النواب بطرس حرب وخاتشيك بابكيان ونصري المعلوف وجورج سعادة وميشال ساسين ورينيه معوض، بالإضافة الى جورج عدوان والعقيد عامر شهاب ممثلين عن «القوات اللبنانية» والعماد ميشال عون، وكانت هذه اللجنة قد تشكلت لمتابعة التطورات والتواصل مع العماد عون. لم يكن هناك رأي موحّد إنما كانت هناك تعليقات حول الإنتقال من وثيقة الحسيني الى وثيقة اللجنة العربية، وقد حسم عامر شهاب الموضوع عندما أبلغ الحاضرين: عسكريًا صامدون، إذا كان الشعب يريد وقف القتال ويقول إنه تعب، فليذهب في مظاهرة الى بعبدا وليقل ذلك، فيتوقف القتال فورًا. وتقرر في النتيجة الوقوف على رأي العماد عون وأن تكون هذه مهمة شهاب.

في اليوم التالي عادت هذه اللجنة الى بكركي. في اللقاء مع البطريرك إتضح له أن الأكثرية تميل الى إعتماد موقف إيجابي من المبادرة العربية.

 

عون يوافق على البنود السبعة

لم يأتِ جواب العماد عون عبر مدير مخابرات الجيش العقيد شهاب. في 21 أيلول 1989 وصل عون الى بكركي والتقى البطريرك صفير لمدة نصف ساعة. يقول البطريرك إنه «زارنا طوال نصف ساعة في البزّة العسكرية الميدانية، وأخبرنا أنه وافق على البنود السبعة التي نقلها عن اللجنة العربية الثلاثية الأخضر الإبراهيمي، ولكنه لا يزال قلقاً على السيادة خوفاً من النواب الذين، على قوله، قد تخطاهم الزمن، ويخشى أن يسلِّموا من باب المسايرة بما لا يمكن تسليمه. وأعطى مثلاً الأستاذ النائب نصري المعلوف الذي لا يزال يتحدث عن علاقته برياض الصلح وعن سواه من أمثاله، ولكن العلاقة مع سوريا هي من نوع آخر ولا يُنظر إليها بهذه البساطة. وذكر أن مقابلته للشباب بعد ظهر اليوم كانت أصعب مقابلة لأنهم ثائرون ولا يرضون عن النواب وسواهم. وقال إن النواب لا يريدون أن يذهبوا الى خارج لبنان لئلّا يُتهموا بالقبض. وأسف مثلنا لمقتل النائب ناظم القادري (تم إغتياله في اليوم نفسه في شارع فردان)، معتبرًا أن مقتله رسالة وجهها السوريون لمن يريدون الخروج على رأيهم وطاعتهم».

 

الحريري يلحق صفير الى ألمانيا

على رغم وعيه لخطورة موقف عون، وعلى رغم أن النائب بطرس حرب كان نصحه قبل يومين بعدم السفر الى خارج لبنان، كان صفير قد إتخذ قراره بمواكبة إجتماعات النواب خارج لبنان من الخارج. في 23 أيلول الساعة التاسعة صباحًا نقلته طوافة عسكرية من بكركي الى لارنكا. إستغرقت الرحلة ساعة إلا خمس دقائق، لاحظ خلالها صفير أن «الطقس كان مشمسًا هادئاً إلا بعض غيوم كانت تائهة فوق البحر الصافي». ولكن صورة الوضع لم تكن كذلك. في مطار لارنكا إنتظر البطريرك نحو ثلاث ساعات في قاعة الشرف حتى وصول طائرة «أليطاليا» الآتية من دمشق. وفي هذه الأثناء جاء القنصل الألماني فوضع على جواز سفره التأشيرة التي تجيز له الدخول الى ألمانيا.

لم يفت البطريرك تسجيل ملاحظة حول إضطرار السفير الألماني الى ترك لبنان في آب بعد تهديدات بالقتل تلقاها من جهات رافضة لمحاكمة محمد حماده (متهم بخطف طائرة TWA أميركية) الإرهابي المعتقل في ألمانيا، وكذلك القنصل الذي ترك الى قبرص.

من لارنكا إنتقل البطريرك الى روما كمحطة قبل انتقاله الى ألمانيا. في دير الآباء المريميين حيث كان ينتظر، تلقى إتصالاً هاتفيًا من رفيق الحريري الموجود في جدّة حيث بدا أنه دخل بقوة على خط وضع مقررات اللجنة العربية موضع التنفيذ. تمنى الحريري على البطريرك أن يدلي بتصريح يشجع فيه النواب على الإنتقال الى جدّة للإجتماع ومناقشة مبادئ الإصلاح، لكي يُتاح لوزراء خارجية اللجنة العربية التدخل لتقريب وجهات النظر بينهم. قال له صفير إنه لعل عددًا من النواب يحاذرون الإجتماع في جدّة حتى لا يُقال إنهم قبضوا. قال له الحريري: القبض، إذا كان من قبض، يمكن أن يتم في أي مكان وليس من يعرف. وهذا غير وارد لا في جدّة ولا في سواها». في النتيجة أبلغ الحريري صفير أنه سيأتي الى ألمانيا لعقد لقاء معه في السفارة اللبنانية في بون.

من مطار فيوميشينو إنتقل البطريرك الى فرانكفورت في 25 أيلول ومنها الى «فولدا» على الحدود بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، قبل أن يتوجه في اليوم التالي الى بون حيث تسنّى له القيام بجولة في شوارعها سيرًا على الأقدام أخذه فيها الهدوء والجمال والسلام.

لم ينتظر الحريري طويلاً. في 27 أيلول وصل الى بون للقاء البطريرك صفير. قال إنه جاء خصيصًا لهذه الغاية من جدّة الى باريس ثم الى بون. جاء ومعه نسخة عن وثيقة مبادئ الإصلاح التي وضعتها اللجنة الثلاثية، وتلا منها الفقرة المتعلقة بالإنسحاب السوري، وأكد أن الملك فهد حصل على وثيقة خطية يعترف بها الأسد أنه سيُخرج جيشه من لبنان ليبقى في البقاع وضهر البيدر. وقد حث الحريري صفير للعودة الى لبنان لتسهيل مهمة اللجنة العربية ولإقناع العماد عون بالإمتناع عن عرقلة الانتخاب. ولكنه قبل أن يهمّ بالمغادرة مودعًا، قال للبطريرك: إن الإتجاه يسير نحو إختيار رينيه معوض أو الياس الهراوي أو ميشال خوري لرئاسة الجمهورية. الحريري أبلغ صفير أيضًا أن «الإصلاح يتم بسرعة، وأن التفاصيل تُرجأ لما بعد، وأنه يكفي أن تُقر المبادئ ويُنتخب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ويعود المجلس الى العمل، ليطلب من السوريين الخروج من لبنان». وقال إن «الناس أصبحوا يقولون إنّا خرجنا من لبنان لكي لا نتحمّل مسؤولية الإصلاحات وما سيتبعها».

من خلال هذا الكلام للحريري بدا واضحًا أن معالم خارطة الطريق كانت قد رُسمت ولم يبقَ إلا التطبيق. حتى إسم رئيس الجمهورية الجديد كان ربما قد تقرر منذ تلك اللحظة.

في ألمانيا كان للبطريرك صفير سلسلة نشاطات ولقاءات بدا من خلالها أنه متابع لكل التفاصيل، وأنه محطّ الإهتمام بالنظر الى ما يشهده لبنان من تطورات، والى دوره في قيادة هذه المرحلة. في لقائه مع رئيس الجمهورية الألمانية ريتشارد إيكر لاحظ أنه «يسكن فيلا بسيطة طابق واحد محاطة بأشجار وكل ما فيها يوحي البساطة». تحدث معه بالفرنسية وأوجز له القضية اللبنانية التي بدأت مع قدوم الفلسطينيين «وروينا له المعادلة اللبنانية التي قامت على لا للشرق ولا للغرب، أي لا طلب حماية فرنسا من قبل المسيحيين، وفرنسا مع الغرب، ولا لطلب المسلمين حماية سوريا التي أصبحت ضمن الحدود اللبنانية فاختلَّ التوازن. والآن يطلب إصلاحات ليس المسيحيون ضدها إنما يجب أن تكون متوازنة. فإذا أعطى المسيحيون إصلاحات يجب أن تقابلها من قبل المسلمين وسوريا إنسحابات. فإذا جرت إصلاحات من دون إنسحابات إختلَّ التوازن، وهذا ما يجب تلافيه».

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل