#adsense

إنزال إيراني وهجمة سعودية على “حياد” بكركي

حجم الخط

ما كان بإمكان البطريركية المارونية ألا تتحرك، وهي ترى جوهرتها الثمينة لبنان الذي صنعته عبر مئات السنين من النضال والتضحيات، وهو يُدفع قسراً صوب الانحلال والاندثار. كان محتوماً على البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أن يكون على خطى أسلافه العظام، وأن يقف في لحظة تاريخية على عتبة المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير ليضرب عصاه ويوقف التدحرج المفجع نحو الزوال، بعدما فشل المسؤولون على المستويات كافة في تحمُّل أدنى واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه الكيان والدولة والمؤسسات والمواطنين.

حين تقول بكركي كلمتها، لا يمر الكلام مرور الكرام. فمنذ طالب الراعي بإعلان حياد لبنان، في عظة الأحد 5 تموز، وناشد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون العمل على فك الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر، والحركة لم تهدأ على خط بكركي والديمان، المقر الصيفي للبطريركية المارونية. واللافت، لقاء السفير السعودي في لبنان وليد بخاري الراعي للمرة الثانية خلال أيام، يوم الأربعاء، قبل ساعات من توجه البطريرك للقاء عون في بعبدا، في ما يشبه الهجمة الإيجابية، ليسارع السفير الإيراني في لبنان محمد جلال فيروزنيا، أمس الخميس، ويحط في الديمان للاجتماع مع الراعي، في زيارة مفاجئة لم تدرج على جدول لقاءات البطريرك، في ما يشبه الإنزال الطارئ الذي تفرضه تطورات ميدانية خلال المعارك.

مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، يعتبر، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “لا شك بوجود حركة دبلوماسية واضحة تجاه لبنان”. ويشير إلى أن “من جهة هناك ضغط أميركي على إيران، ودخول فاتيكاني على الخط من جهة ثانية. وبالتأكيد الفاتيكان ليس بعيداً عن مواقف الراعي الأخيرة، ومطالبته بإعلان حياد لبنان”.

ويلفت نادر إلى أن “مواقف الراعي تحمل رمزية كبيرة وأتت في لحظة تاريخية، خصوصاً بمناسبة المئوية الأولى لتأسيس لبنان، إذ يستذكر مبدأ مؤسِّساً للصيغة اللبنانية. فالخيار الأساسي المتمثل بلا شرق ولا غرب، وأن ينسى كل طرف أبعاده في الإقليم والذهاب إلى صيغة واحدة، هذه فلسفة الحياد، أي الخروج من المشاريع الإقليمية التي كان مختلف الأطراف جزءاً منها واصطفوا ضمنها والاتجاه بمشروع واحد. بالتالي هو حياد من أجل البناء”.

ويرى أن “دخول الفاتيكان على هذه المسألة نابع من حرصه على لبنان الصيغة، وعلى المسيحيين فيه. وذلك لأن انهيار لبنان الاقتصادي أصبح واقعاً ولم يعد خطراً داهماً نحن على حافته، بل نحن دخلنا في الانهيار، ما يعرّض مسيحيّي لبنان للهجرة ليكون مصيرهم أسوأ من مصير مسيحيي العراق وسوريا، الذين رحلوا ضحية الحروب التي وقعت فيهما في السنوات الـ15 الأخيرة”.

ويحذر من أن “المصير ذاته يهدّد اللبنانيين، والمسيحيين في لبنان. أما الإشارة إلى المسيحيين تحديداً، لأن في هذا الشرق كله لم يعد هناك مسيحية فاعلة وصاحبة دور سوى في لبنان. لذلك، ومع احتدام الصراع الغربي الإيراني والعربي الإيراني، تدخل الفاتيكان للقول أخرجوا من هذا الصراع ولا تصطفوا في أي جهة، لكي أحفظ وجود المسيحيين والصيغة اللبنانية”.

ويشدد نادر على أن “هذا هو الخط الاستراتيجي للفاتيكان الذي سار عليه منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، والسينودوس من أجل لبنان، واﻹرﺷﺎد اﻟرﺳوﻟﻲ رﺟﺎء ﺟدﯾد للبنان، أي العيش معاً. وكذلك، جوهر إعلان البابا القديس يوحنا بولس الثاني منذ قرابة ثلاثين عاماً، أن لبنان رسالة حرية ومثال للتعددية بالنسبة الى الشرق كما الى الغرب. لكن بكركي والفاتيكان أضافا اليوم بعداً آخر إلى هذه الفلسفة، يتمثل بالشرط السياسي لنجاح هذه الرسالة وعيشها على أرض الواقع، ألا وهو الحياد”.

ويؤكد مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية أن “هذا هو الموقف الأساسي بمناسبة المئوية الأولى، أن الحياد هو الشرط السياسي المؤسس للبنان الرسالة. والبطريرك الماروني والفاتيكان يدفعان بقوة في هذا الاتجاه إذ يريان لبنان يتجه إلى الخراب والهلاك والاضمحلال. فبناء الدولة في لبنان يتفكك لأن المقومات الاقتصادية لوجود دولة تتلاشى، فماذا سيبقى مع هذه الدولة بعد شهر أو شهرين؟”.

ويحذر نادر من أن “الحديث لم يعد عن سنوات بل عن أسابيع. فماذا سيبقى من دولة لم تعد قادرة على إطعام أبنائها؟ ومن اقتصاد لم يعد بإمكانه تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين؟ وكل ذلك بسبب سوء الإدارة بالتأكيد، لكن أيضاً بسبب مشكلة سياسية كبيرة تمنع المساعدات عن لبنان. ونحن لا نقول إن حزب الله هو المسؤول وحده عن الانهيار الاقتصادي، فهناك سارقون نهبوا بوجوده أكثر منه، لكن الحزب بسياسته يوصد الأبواب على إنقاذ لبنان الاقتصادي، ويقفل أبواب صندوق النقد الدولي وسيدر ودول الخليج، وكل الرئات الاقتصادية التي يمكن أن يتنفس لبنان من خلالها موصدة بسبب اصطفافه في المحور الإيراني”.

ويشدد على أن “البطريرك الراعي، ومن خلفه الفاتيكان، يقول اليوم، هل بإمكاننا الخروج من هذا الاصطفاف وتحييد هذا البلد الصغير، والعودة إلى الشرط المؤسس لوجودنا، أي لا ممر ولا مقر ولا شرق ولا غرب ولا سوريا الكبرى ولا الأم الحنون ولا حلف بغداد ولا حلف عبد الناصر ونقف في الوسط، وحيث بإمكاننا أن نكون سعاة خير وسلام نلعب هذا الدور وحيث لا يمكننا ذلك نبقى على الحياد؟”.

ويرى نادر أن “تحركات سفيري السعودية وإيران باتجاه بكركي تقع في إطار استيعاب جدية الرسالة التي يوجهها الراعي، وأن شيئاً ما يحدث على خط المسيحيين، وأنه من خارج إطار الشرعية هناك شيء ما يحدث في إطار المشروعية التاريخية للمسيحيين المتمثلة ببكركي المؤسِّسة. والجانبان السعودي والإيراني يواكبان ما يجري كلّ على طريقته”.

ويعتبر أنه “لا يمكن للرياض وطهران أن تقفا موقف المتفرج مما يجري، وما يمكن أن يؤدي إليه تحرك البطريرك الراعي ومواقفه من نتائج. بل من الأهمية بالنسبة لكل من السعودية وإيران مواكبة هذه الاندفاعة البطريركية وتلمس أبعادها واحتمالات تأثيرها على دور كل منهما”.

ويأمل نادر أن “يتجاوب الموقف الإيراني مع موقف الحياد، لا اللجوء إلى التخوين. فالحياد يشكل خشبة خلاص لحزب الله، لأن وضع إيران اليوم لم يعد كما كان في السابق”. ويؤكد أن “حياد لبنان قد يكون حلاً لمأزق إيران وحزب الله بطريقة تحفظ لهما ماء الوجه، بمعنى عدم الذهاب إلى حلف بغداد جديد مع الأميركيين شرط ألا تأخذونا أيضاً إلى محاور ومشاريع إقليمية أخرى نحو إيران وولاية الفقيه””.

ويضيف، “هذه فرصة لإيران وحزب الله إذا أحسنا التقاطها، على ألا يكون التحرك الإيراني باتجاه بكركي مجرد مناورة أو حركة استيعابية ومحاولة لكسب الوقت نظراً لوضع إيران الحالي المأزوم، ومن ثم تجاوز موقف البطريركية المارونية إن أصبحت طهران في وضع مريح أكثر”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل