.jpg)
اكد البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرّاعي في عظة عيد القديس شربل من الدّيمان، اليوم الاحد، انه “عندما أُعلن لبنان الكبير دولة في حقل العالم العربي والإسلامي في الأول من أيلول 1920، حمل طبيعة حبة القمح بنظامه الديمقراطي وحرياته العامة وتعدديته الدينية والثقافية. وحمل رسالة العيش معًا مسيحيين ومسلمين بدستور خاص مميَّز عن جميع دساتير محيطه العربي، فاصلا بين الدين والدولة، ومحترمًا جميع الأديان بمعتقداتها وتعاليمها وتقاليدها. فكان بمثابة فسيفساء غنية بمكوّناتها المتنوّعة، وبوحدتها المحكَمة والمتكاملة”.
وأضاف، “ولمّا أُعلنت سيادة لبنان باستقلاله الناجز سنة 1943، ثبّتت الدولة دورها المستقلّ في منظومة الأمم، وأقامت ميثاقها الوطنيّ بتأكيد العيش المشترك المتوازن والمتساوي في الحقوق والواجبات بين مكوّنات الوطن كلّها. وبهذا الميثاق أعلَنت حيادها بالمفهوم القانوي والدولي بمقولة لا شرق ولا غرب أي التزام لبنان الحياد بين الشرق والغرب، بحيث يلتزم بقضايا العدالة والسلام والاستقرار والمحافظة على حقوق الانسان والشعوب، والانفتاح على جميع الدول ما عدا اسرائيل بسبب حالة العداوة والاحتلال. كما يلتزم بتعزيز حوار الاديان والثقافات والحضارات، والدفاع عن القضايا العربية المشتركة والقضية الفلسطينية، من دون الدخول في أحلاف سياسية أو عقائدية أو عسكرية إقليمية ودولية”.
وتابع، “بقوّة الدستور والميثاق ووحدة اللبنانيين استطاع لبنان أن يتجاوز محنة 1958 الرامية الى ضمّ لبنان إلى الوحدة المصرية – السورية العابرة، وخطر التقسيم أثناء الحرب اللبنانية المشؤومة ما بين 1975 و 1990. وجاءت وثيقة اتفاق الطائف لتجدّد الدستور الأول “كعقد لوجود” لبنان والميثاق الوطني “كعقد لسيادته”. مع ما يلزم من تعديل وتوضيح. فلا بدّ من استكمالهما “بنظام الحياد الناشط والفاعل” وهو “كعقد للوحدة الداخلية والاستقرار”. إنّ نظام الحياد يقتضي وجود دولة قوية بجيشها ومؤسساتها وقانونها وعدالتها، وقادرة على الدفاع عن نفسها وشدّ أواصر وحدة شعبها، وخلق الاستقرار السياسي والنموّ الاقتصادي. عندئذٍ تستطيع أن تحقق “اكاديمية الإنسان لحوار الثقافات والأديان والحضارات” التي أقرّتها منظّمة الامم المتّحدة في دورة 2018 بطلب من فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.
وأشار الى ان “ليس نظام الحياد طرحًا طائفيًا أو فئويًا أو مستوردًا. بل هو استرجاع لهويّتنا وطبيعتنا الأساسيّة، وباب خلاص لجميع اللبنانيين دونما استثناء. رجائي أن يصار إلى فهم حقيقي مجرَّد لمفهوم “نظام الحياد الناشط والفاعل” عبر حوارات فكرية علمية، تكشف معناه القانوني والوطني والسياسي، وأهميّته للاستقرار والازدهار. إننا نعيش متضامنين مع مآسي اللبنانيين الفقراء والمحرومين المتزايد عددهم بسبب عدم تمكّن الحكومة من إجراء أي إصلاح في الهيكليات والقطاعات المعنيّة، وبسبب عزلة لبنان من الأسرتين العربية والدولية، ومع مأساة الثماني مئة وخمسين موظفًا صرفوا من مستشفى الجامعة الاميركية. نناشد الحكومة مدَّ يد المساعدة والتدخّل لتفادي هذه المأساة الجديدة التي تُضاف إلى تلك المماثلة في المدارس والجامعات الخاصّة، كما وفي المؤسسات السياحية والصناعية والمتاجر وسواها”.
ورأى ان “حفاظًا على المستوى العلمي الرفيع في لبنان، يقلقنا منح التراخيص العشوائية لمؤسسات تربوية وفروع جامعية تجارية تؤدي إلى تدنّي المستوى الاكاديمي. الامر الذي يضرب الجامعات التي لا تبغي الربح، وينذر بخطة ممنهجة لتغيير وجه لبنان الثقافي والحضاري، من أجل فرض سياسات معيّنة عليه. نصلّي الى الله لكي، باستحقاق القديس شربل ابن لبنان والناشر اسمه الناصع في العالم كله، ان يرفع السياسة من مستنقع الحسابات الصغيرة الشخصية او الفئوية إلى سموها كفنّ شريف لخدمة الخير العام، الذي منه خير كل انسان، وخير الجميع، لمجد الثالوث القدوس: الآب والابن والرُّوح القدس، الآن وإلى الابد، آمين”.