جبّة بطريرك وقبلة حكيم

جلس الرجلان وجها لوجه. تقدّم السياسي من رجل الدين وقبّل جبّته. تلك الجبّة تمثل الكثير. هي ليست لرجل دين فحسب، انما هي لبطريرك ماروني يمثل عراقة البطريركية المارونية.

جلس الحكيم يستمع بانتباه شديد الى كلمة البطرك الراعي… آه على فكرة، هنا وادي قنوبين، وادي القديسين، حيث ينحني الارز لعظمة القداسة المنهمرة شمسا نورا شعاعا ساطعا لا يخبو فوق تراب المكان. وهنا كرّس البطريرك اربعة مواقع دينية اثرية قيد الترميم، وهنا تلك السيدة النحلة التي تغزل عسلها في القضاء منذ سنين، من دون تعب او تردد او تراجع، سيدة من صخر وحنان ستريدا جعجع، صاحبة المشروع الذي انطلق منذ فترة ليست بطويلة، ووضع على سكة التنفيذ بمساندة محسنين كبار واهل القضاء ومباركة البطريرك الماروني.

اذاً، جال الراعي على أبناء الرعية فوق، رشّ المي المصلاية على الاماكن المرممة، صلّى لأجل الاهالي ولأجل لبنان، زُرع دربه بالورود المنثورة حبا وامتنانا فوق راسه، تناثر الارز والزلاغيط من حوله وكأنه عرس ما. هو عرس صحيح، أكبر الاعراس حين يتفقّد رأس الكنيسة المارونية ابناءه في ايام وجعهم، ووجعهم هو صراخ لبنان المتألم كرامة وحياة، فصرخ البطريرك بصوتهم عنهم “ارفعوا اياديكم عن لبنان”، وكأنه صوت البطاركة السبعة والسبعون جميعا الذي توالوا على كرسي البطريركية المارونية.

جبّة بطريرك وحكمة سياسي التقيا في المكان ذاته، هو شموخ لبنان العريق المعتّق بالكرامة. في المكان ذاته، وليس بالمعنى الجغرافي، وان كان اللقاء جمعهما في جبة بشري وفي بيت مار شربل في بقاعكفرا تلك، اعلى قرى لبنان، تلك الضيعة التي تجاور الغيوم مباشرة، وقديسها ساكن الغيوم والاعجوبة وضياء المسيح، التقت جبّة البطريرك الماروني المغمّسة بعنفوان جبال ووديان الوادي المقدس، وعبق النساك فيها ونضالهم لأجل بناء كيان لبناني اخضر مجبول بالشهادة والحب والحضارة والثقافة، والمنادي بحياد لبنان لأجل خلاصه، التقت مع نضال مقاوم حقيقي عتيق معتّق بالحب لأجل تراب الارض، مقاوم جبلته التجارب الكبيرة المرّة وخرج منها ذهبا، مكللا بغار النصر والشرف، وكل ذلك لأجل لبنان ذاك الطالع من وادي القديسين، العابق ببخور الايام والتاريخ، لبنان تشرّب التجارب ليصبح نبيذه وطن حر نبيل من احلا الاوطان، قبلة العالم كله. اذن هو ابن البطريركية البار، ابن لبنان ذاك الحلو، ابن الجبّة السوداء المطرّزة بالأحمر التي لم تلبس لبنان الا الكرامة والحضارة على مرور نحو 1400 عام من عمر الموارنة في لبنان.

البطريرك يصرخ بحدة وقهر وعنفوان “هذا ليس لبنان. كلنا صرنا معدمين فقرا بلا كرامة. صرنا شحادين، هذا ليس لبنان، ولن نتراجع عن حياد لبنان… حياد لبنان ينقذه… نحن امام عودة الى جذورنا وثقافتنا وحضارتنا وكياننا اللبناني… لن نترك ثقافتنا حضارتنا لبناننا وذلك من اجل خير كل اللبنانيين من دون استثناء… الحياد فعل محبة عارمة من بطريرك لجميع اللبنانيين”، متماهياً الى درجة الانسجام الكلي التام يرد الحكيم على البطريرك “نحتاج الى عجيبة من عجائب مار شربل، لكن القديس يعمل على طريقته، الله والقديسين يقوّمون اعوجاج التاريخ من خلال بقية باقية… وفي خضم كل تلك المصائب يُسمع صوت صارخ في البرية ينادي من اعماق التاريخ والحاضر والمستقبل بأن كفى… هذا الصوت هو صوت ابينا مار بشارة بطرس الراعي، وهكذا اعاد التاريخ نفسه من جديد وحملت بكركي صليب لبنان واللبنانيين… غبطة ابينا لبنان وطننا ولن نتركه لأصحاب المشاريع غير اللبنانية… لن نترك لبنان للفاسدين المنافقين ولأكلة الجبنة… هذا وطننا ولن نتركه… انطلقت مسيرة اعادة الساعة الى الوراء بالنسبة لهؤلاء وهي الى الامام بالنسبة الينا… وهذا الصوت الصارخ في البرية سيتحوّل الى كرة ثلج تنظّف لبنان من كل الاوساخ العالقة فيه”.

قبّل الحكيم جبّة البطريرك. قبلة الابن لأبيه الروحي. قبلة لبناني لوادي قنوبين حيث يضج نضال البطاركة الموارنة عبر التاريخ، لأجل كيان لبنان ووجوده الحر في هذا الشرق. قبلة لبناني مسيحي مسلم لمن اعاد الصوت الى سكّة الصراخ المحق لأجل الوطن، فحاكى مبضع السياسي الحكيم جبة البطريرك، ليعود التاريخ وينسج حكاية غريبة في الزمن اللبناني، بطريرك كان أطلق نداء المطارنة الموارنة الشهير لأجل جلاء الاحتلال السوري، وبطريرك أطلق نداءه الشهير لأجل تحرير لبنان من ارتباطاته المميتة في محاور الشر، مبضع السياسي الحكيم وجبة البطريرك التقى النداءان ولبنان بينهما، والحكيم من الجبة الى الجبة نضال لا يتوقف وقبلة ابن بار على جبهة البطاركة المقاومين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل