لقاءات ومحاضر على كرسي الإعتراف – 3

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1707

البطريرك صفير يروي أسرار الطائف (الجزء الثاني):

لقاء ات ومحاضر على كرسي الإعتراف (3)

 

الإبراهيمي والمشهد الأخير

فيما كانت الإتصالات في الطائف تتقدم نحو الحسم النهائي، كان الموفد العربي الأخضر الإبراهيمي يمهد لإخراج المشهد الأخير في لبنان، حيث سعى الى إقناع العماد عون والرئيس سليم الحص بالمشاركة في إحتفال إنجاز الإتفاق. يوم الإثنين 23 تشرين الأول كان يزور الرئيس الحص في مكتبه ومن هناك إتصل بالبطريرك صفير. تحدث صفير أولاً مع الحص الذي أبلغه أن الإبراهيمي يريد التحدث معه. قال له الإبراهيمي: جئت بالأمس الى بيروت وقابلت العماد عون والدكتور سليم الحص ونقلت إليهما نتيجة ما وصلت إليه المساعي في الطائف. سأله صفير عن نتيجة إتصاله بعون والحص، أجاب: موقف الحص معروف وهو موافق. أما العماد عون فقال: لا موافقة قبل خروج السوريين. أضاف الإبراهيمي: قلنا له نحن منذ البداية لم نأت لإخراج السوريين والإسرائيليين، بل لتمكين اللبنانيين من العودة الى مناخ طبيعي، وهناك إجماع عربي ودولي من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وفرنسا وكل الدول في مجلس الأمن على الحل. نحن نريد إجراء مصالحة عامة نرغب ألاّ تبقوا خارجها. وتابع الإبراهيمي يقول لصفير: بعد خروجنا من عنده عقد مؤتمرًا صحافيًا أعلن فيه رفضه لاتفاقيات الطائف. وطلب الإبراهيمي دعم البطريرك صفير فقال له: نحن سنساهم على قدر طاقتنا في ذلك. رد الإبراهيمي: لن نذهب هذه المرة الى بكركي، وسنلتقي لاحقاً. قبل أن نغادر بيروت سنتصل بالعماد عون مرة ثانية وسنحضر اللقاء الذي سيعقده الملك فهد لإعلان الإتفاق.

في اليوم نفسه تلقى صفير إتصالاً من الدكتور جورج سعادة الذي أبلغه بأن العماد عون رفض الإتفاق. سأله صفير عن قوله له سابقاً إنه قبل، رد سعادة: داني شمعون قال لبيار دكاش (النائب) الموجود في الطائف: أمشوا بالإتفاق. وكان الجنرال عندما كلّمه بدا أنه موافق لأنه لم يعترض. وأضاف سعادة: إن الجنرال في مؤتمر صحافي تهدَّد وتوعَّد بمحاكمة النواب بالخيانة الوطنية. بعد ذلك طلب سعادة من صفير التدخل لدى الفاتيكان والدول. أبلغه البطريرك أن مندوبًا فرنسيًا سيزوره. رد سعادة: يعلم الله كم عانينا، لنُتهم بالخيانة!

كانت النهائيات تترنح بين خاتمتين: إنجاز الإتفاق في الطائف، ورفض العماد عون في بعبدا. بينهما كان البطريرك صفير أمام الخيار الصعب. في الطائف يريدون بركته وفي بعبدا يريده عون أن يرفض.

 

باريس: عون لا يمكنه أن يتقدم أكثر

في ظل هذا الإنقسام إستقبل في 23 تشرين الأول يوم الإثنين، بعد حديثه مع الدكتور سعادة مدير عام الخارجية الفرنسية فرنسوا شير موفدًا من الحكومة الفرنسية ومعه السفير الفرنسي في روما. تولّى الأول الحديث في ظل صمت مطبق للثاني الذي «لم ينبث ببنت شفة» كما قال صفير. المدير العام إعتذر عن تأخره عن الموعد المحدد وقال لصفير: أتيت لنرى معًا ما وصلت إليه المحادثات في الطائف، وأن التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة التي وضعتها اللجنة العربية هي دون المطلوب، ولكن في الوقت الحاضر لا يمكن أن تتقدم القضية اللبنانية أكثر من ذلك، وموقف الحكومة (الفرنسية) هو أن نقول (أي البطريرك صفير) أنّا قبلنا بما وصلنا إليه لكنّا نطالب المجموعة الدولية بمساندة لبنان للحصول على إستقلاله.

ومن الحديث إستنتج البطريرك الوقائع التالية:

1-أن فرنسا مع لبنان وسيادته واستقلاله وهو ضرورة عالمية وإقليمية.

2- إنّا (أي فرنسا) نعلّق تعاوننا مع سوريا على موقفها من لبنان، ولا نتصوّر أن سوريا ستواجه الرأي العام العالمي بتحقيق مطامعها في لبنان. ويجب أن يفهم الرأي العام العالمي قيمة لبنان. ولا نتصوّر أن سوريا ستصل الى غايتها عن طريق حكومة لبنانية موالية لها ولا عن طريق إستفتاء.

3-الجنرال عون له فضل ويجب المحافظة عليه، وهو يعلم أنه لا يمكنه أن يتقدم أكثر مما فعل ولا مجال للحرب بعد، إلا إذا دفعت سوريا حلفاءها الى البدء بإطلاق النار.

طلب منه صفير أن تقوم فرنسا بمسعى للحصول على ضمان إستقلال لبنان من مجلس الأمن والمجموعة الدولية. وبدا له أن لديه بعض التحفظ بشأن ما يقرره النواب في الطائف خصوصًا عندما سأله شير إذا كان يوافق على ما يقرّره النواب من دون تحفظ، بعدما كان صفير قال له خلال الحديث إن النواب سألوه رأيه وأنه قال لهم أنتم تتحمّلون المسؤولية وأنتم درستم وناقشتم الموضوع ونحن ساندناكم.

بعد هذا اللقاء الذي دام ساعتين تلقى صفير إتصالاً من بطرس حرب الذي نقل إليه أن الملك فهد سيستضيف النواب غدًا الى مائدة غداء لإعلان الوثيقة النهائية، وأن مظاهرة شعبية توجهت الى قصر بعبدا وحطمت بعض المحلات، وأن العماد عون ألقى فيها خطابًا قال فيه إن الشعب قال كلمته. أنهى حرب حديثه قائلاً: يبدو أن عون سيمنع النواب من العودة الى لبنان.

كان مشهد الرفض المتصاعد من قصر بعبدا يمكن أن يؤثر على موقف صفير. ولكن يبدو أن ما كُتب كان قد كُتب. حتى فرنسا ليست معارضة وموقفها قريب من موقفه بأن ما حصل أفضل الممكن وأن لا مجال أمام عون ليرفضه ولا يمكنه أن يتقدم أكثر.

 

عون رفض وتظاهرات

يوم الثلاثاء 24 تشرين الأول إتصل الدكتور سعادة بالبطريرك وقال له إنه يفكر بزيارته مع أحد النواب في روما قبل أن يتوجه الى المغرب والجزائر لشكرهما. في هذا الوقت كان صفير يتلقى أخبار الدعوة الى إضراب عام رفضًا للإتفاق ويسجّل «أنه عندما لم يحصل تجاوب عمد بعضهم ومن بينهم أفراد جيش الى قطع المعابر وإحراق دواليب كاوتشوك تعبيرًا عن الإستياء من الإتفاق الذي تم في الطائف والذي سيعلنه الملك فهد اليوم…»

القائم بالأعمال الأميركي في روما لوران غراغو إتصل بدوره بصفير وحضه على تشجيع النواب. رد صفير متمنيًا أن تكون حكومته أكثر إنصافاً للبنان. أما السفير البريطاني لدى الكرسي الرسولي، فقد نقل إليه أن حكومته لا تزال تقول إن الحرب في لبنان أهلية، فطلب منه صفير إعلاناً من مجلس الأمن يدعم سيادة لبنان.

الى جانب التظاهرات الرافضة للإتفاق، دعا العماد عون رؤساء الطوائف المسيحية الى إجتماع معه. إتصل المطران رولان أبو جودة بالبطريرك صفير وأطلعه على الأمر وسأله رأيه. قال له صفير: لا بأس بتلبية الدعوة، ونحن مع وحدة الصف وضد الإنقسام.

يوم الأربعاء 25 تشرين الأول، الثامنة صباحًا، إستقبل صفير رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الإيطالي Ricolli الذي أبلغه أن موقف العماد عون يدعو للقلق وسأله ما العمل؟ قال له صفير إنه سيحاول أن يبقى صلة وصل بين عون والنواب، وطلب منه أن يضمن مجلس الأمن إستقلال لبنان وسيادته. بعد ذلك، إنتقل صفير الى مقر وزارة الخارجية الإيطالية حيث التقى الوزير دي ميتاليش ملاحظاً أنه «ضخم الجثة وله شعر يتدلى في رقبته ويكسوها»، وأنه إشتراكي بروتستانتي. في اللقاء الذي دام نصف ساعة طلب منه صفير أن يساهم على صعيد المجموعة الأوروبية والمجموعة الدولية في الحصول على ضمان إستقلال لبنان وسيادته.

ذلك اليوم 25 تشرين الأول كان حافلاً في يوميات البطريرك في الفاتيكان. بعد وزير خارجية إيطاليا إلتقى أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال سودانو واستعرضا الحالة في لبنان وما تم التوصل إليه في الطائف وموقف العماد عون السلبي منه. أقرّ سودانو أن لعون فضلا وقداسة البابا يقدِّره ويقدِّر وطنيته وتطلعاته ولا يجوز أن يُعاقب أو يُهمل، بل يجب أن يُعطى دورًا في المرحلة الجديدة. أضاف سودانو: الكرسي الرسولي يبقى في المبادئ ولا يريد أن يكون مع فئة ضد الأخرى، ولذلك لم يستقبل أحدًا من النواب أو المرشحين لرئاسة الجمهورية.

عن زيارته الى موسكو قال سودانو إنه بحث موضوع لبنان مع الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشيف الذي وعده بعمل ما يستطيعه مع سوريا لتحرير لبنان من جيشها، على أن يعمل الكرسي الرسولي على إخراج إسرائيل منه. أخبر سودانو صفير أيضًا «بطريقة خاصة أن الرئيس بوش خاطب قداسة البابا هاتفيًا ليسأله إقناع العماد عون بعدم عرقلة الحل وفسح المجال لانتخابات الرئاسة، فأجابه قداسته إن هذه مسألة ضميرية تعود لكل شخص مسؤول.

كان العالم كله مدركاً أهمية ما حصل في الطائف وضرورة دخول هذا المسار، ولكن عون كان خارج هذا السياق.

في ذلك اليوم أيضًا إستقبل البطريرك في مقرّه في دير المريميين في الفاتيكان النواب جورج سعادة وبطرس حرب ونصري المعلوف ورينيه معوض وخاتشيك بابكيان وميشال ساسين الذين أُطلقت عليهم في الطائف تسمية «لجنة بكركي». جاؤوا خصيصًا من الطائف للقائه وعرضوا عليه المسار الذي أدى الى الوصول الى هذا الإتفاق، واعتبروا أن الأهم من الوثيقة كان تعهد اللجنة العربية الثلاثية ضمان الإنسحاب السوري. وأبدوا أمامه تخوّفهم من أن يمنعهم عون من العودة ومن الانتخاب، وطلبوا منه التوسط معه لعدم منع الانتخاب في قصر منصور لئلا يضطروا الى إجرائه في مكان آخر «وهذا لا يضمن كرامة العماد».

إستمر لقاء صفير مع النواب من الواحدة حتى الرابعة والنصف. بعد ذهابهم تلقى صفير إتصالاً من رفيق الحريري الذي سأله عن النواب وعما إذا كان لا يزال موافقاً على الأسماء الخمسة التي كان قدمها، وعلى إستبدال العميد ريمون إده والعماد ميشال عون برينيه معوض ويوسف جبران. قال صفير إن القوات وافقوا على الأول لكنهم لم يعطوا جوابًا على الثاني. رأى الحريري أن ما تم التوصل إليه في الطائف جيد، وأنه سمع أن العميد إده أعلن ترشحه وكذلك فاروق أبي اللمع الذي قال إنه لا يزال مرشحًا للرئاسة.

 

العودة من روما

يوم الخميس 26 تشرين الأول، بعد إنتهاء أعمال مؤتمر الطائف، إنتهت إقامة البطريرك صفير في الفاتيكان. غادر روما على متن طائرة شركة طيران الشرق الأوسط بصحبة المطران شكرالله حرب والخوري ميشال عويط بعدما كان انتقل من دير المريميين الى مطار فيوميتشينو بسيارة السفير غازي الشدياق. عند الساعة الرابعة وصل الى بيروت حيث كان في استقباله عدد من المطارنة والسيد عبد الرحمن الشيخة ممثلاً الرئيس سليم الحص والعميد جورح حروق عن العماد عون. وفي بكركي كانت له كلمة أخذ فيها موقفًا «يقارب الإيجابية من إتفاق الطائف».

مهمة ما بعد التوصل الى إتفاق الطائف كانت أصعب من طريق الذهاب إليه. وكان البطريرك صفير يدرك أن الصعوبة تنحصر في إمكانية إقناع العماد عون بالسير في هذا الحل. ولكن المشكلة مع عون كانت أصعب من أن تُحلّ.

بعد وصوله الى بكركي تلقى البطريرك إتصالاً من السفير الفرنسي في لبنان رينيه آلا يطلب موعدًا عاجلاً، فحُدِّد له الساعة السابعة والنصف مساء. وصل في الموعد ودام اللقاء نحو ساعة، ودار الحديث «حول الوضع العام في البلاد، وعلى المأزق الذي أوجده عون، وإصراره على رفض إتفاق الطائف ومنع النواب من إجراء الانتخابات» كما دوَّن صفير، الذي أضاف أن مخاوف عون، كما نقلها السفير ألا، هي:

1-ربما أنه يؤتى برئيس قد يكون صنيعة سوريا، فيسلّمها البلاد، ولذلك يهمه معرفة هذا الرئيس الذي يجب أن يشترك في اختياره إن لم يختره هو.

2-إنه يخاف على الجيش، فيُسلّم الى قائد يكون منحازًا لسوريا، فيشرذم الجيش وتستولي سوريا على لبنان.

3-أبدى أنه لا يريد منصبًا وانه يستفتي الشعب، فاذا أراد الشعب بقاءه يبقى وإلا فيذهب الى بيته.

تبيّن للبطريرك صفير من كلام السفير أنه «هو أيضًا يريد أن يعرف من هي الأسماء المرشحة. وقد سأل من طرف خفي عن لائحة الأسماء التي سبق أن قدمتها للسفير الأميركي لينقلها الى سوريا عبر العربية السعودية، والتي لم تأت في حينها بنتيجة».

وبدا للبطريرك أيضًا أن «السفير حريص على العماد عون الذي يجب أن يؤمِّن له مخرج مشرِّف. وهذا موقف حكومته الذي رشح من حديثنا مع مدير عام وزارة الخارجية الفرنسية السيد Sheer في روما. وقد ذكرت الصحف أن الموقف الفرنسي المتريِّث، يرجع الى أن الأميركان لم يطلعوا الحكومة الفرنسية على محادثات الطائف وأنهم لم يأخذوا برأيهم».

لم يكن صفير مرتاحًا لهذا اللقاء مع السفير الفرنسي. من المحضر الذي سجّله للحوار معه بدا له أن المشكلة لا تكمن في رفض العماد عون وحده بل في موقف السفير الفرنسي وحكومته أيضًا، وظهر له أن الحل قد يكون بعيدًا، وسيكتشف تباعًا عمق الأزمة.

(يتبع)

إقرأ أيضاً: لقاء ات ومحاضر على كرسي الإعتراف – 2

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل