مواكبة بكركي واجب كياني

 

ينشط حزب القوات اللبنانية اليوم على خط مواكبة طرح بكركي الكياني. وهذا ما لا يثير استغرابًا. فحيثما تكون بكركي يكون القوات. هذا هو تاريخ المقاومة اللبنانية الحقة، ولا عجب بما يقوم به القوات. ولقد أعلنها من بقاعكفرا رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع بقوله: “سيكون لنا في الأيام المقبلة خطوات سياسية عملية في هذا الإطار”.

لذلك، بدأنا نشهد زيارات موفدين قواتيين إلى المرجعيات اللبنانية لاستمزاج آرائها في موضوع الحياد. واللافت في هذا السياق عدم صدور مواقف علنية تؤيد هذا الطرح من قبل الذين شكلوا مع القوات جبهة سياسية سابقاً. من هنا نفهم توجس رئيس الحزب من تكوين جبهة سياسية عريضة من دون التوصل إلى الاتفاق الكلي على طروحات وطنية سيادية. لعل طرح الحياد الذي أطلقته بكركي قد يشكل مادة دسمة تتكون على أساسها هذه الجبهة الوطنية التي باتت ضرورة كيانية لاستمرار لبنان.

لقد وضعت بكركي الاصبع على الجرح الكياني النازف منذ ولادة لبنان الكبير. وضعت أسس هذا الكيان مع البطريرك الياس الحويك الذي لفت في مؤتمر فرساي إلى حياد لبنان من خلال وثيقة موقعة من مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان في 10 تموز 1920 تطالب بشكل واضح وصريح بحياد لبنان وإعادة ما انسلخ من أراضي. فذكرت هذه الوثيقة ما حرفيته: “لما كان استقلال جبل لبنان ثابتاً تاريخياً ومعروفاً منذ أجيال وموقعه وطبيعة أهاليه المؤالفة للحرية الاستقلالية منذ القديم كله مما يستلزم استقلاله وحياده السياسي أيضاً لوقايته من المطامع والطوارئ”.

ليعود ويؤكد على صيغة الحياد مع البطريرك عريضة، بطريرك الاستقلال، الزعيم السني رياض الصلح بطرحه مقولة “لا شرق ولا غرب”. وصولا إلى دعوة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، للحياد في الصراع السوري؛ وفي حديث لمستشار مشيخة الموحدين الدروز في لبنان، الشيخ غسان الحلبي لصحيفة النهار نشر بتاريخ 12 تشرين الثاني 2014 صرح بالآتي: إن “الحياد يعني بمفهومه عدم التورط في ما لا نحتمل عقباه. فظرف الدروز دقيق جدا، لا يحتمل أي انغماس، مع أي طرف يكن، بفتنة طائفية تقف وراءها محسوبيات سياسية وإقليمية”.

وبمراجعة بسيطة للبيانات الوزارية منذ العام 1943 حتى العام 1980 يلاحظ أنها تقول: إن “لبنان يعتمد الحياد”. ولا بد من الاشارة التاريخية هنا إلى أن موقف لبنان المحايد قد حمى الدولة والكيان في عز أحداث 1958 و1975. وصولا حتى العام 1997 حين طرح البابا يوحنا بولس الثاني مقولته الشهيرة ” لبنان أكثر من بلد، لبنان رسالة”. من هنا، يتضح لأي قارئ تاريخي بأن الشيعية السياسية التي تسلحت بسلاح حزب الله، هي التي ضربت هذا المفهوم بانخراطها واللبنانيين الداعمين لخطها السياسي في معارك المنطقة من سوريا إلى اليمن وليس انتهاء في فنزويلا وإيطاليا عبر الشحنات المهربة التي تم إلقاء القبض عليها في الاسبوع المنصرم. من هنا يتضح لنا الهجوم الشيعي الشرس على طرح البطريرك الراعي.

من هذا المنطلق، على اللبنانيين جميعاً العودة إلى تاريخهم الحضاري الذي شكل أسس بناء هذا الكيان. وللذين يتمايزون عن أترابهم اللبنانيين بإعلانهم الدائم لولائهم الأيديولوجي والفكري والسياسي والثقافي للجمهورية الاسلامية في إيران، على هؤلاء أن يعودوا إلى صلب تكوين هذا الوطن. وما لم يقرروا مواكبة بكركي فسيصبحون حتماً خارج التاريخ الحديث. ولن نقبل ككيانيين لبنانيين صميمين أن تقتطع حسابات أي حزب أي لبناني من صلب الكيانية اللبنانية.

وقد تشكل اللامركزية الموسعة سياسيا وإداريا التي وجب تطويرها في الصيغة الجديدة عنصر الاطمئنان لهواجس المكونات الحضارية اللبنانية كلها. فالمسيحيون المتوجسون من الهاجس الديموغرافي سيطمئنون إلى تحقيقهم ذاتهم الكيانية في وطن لامركزي إداري سياسي حيادي. كذلك المجموعة الشيعية التي يخاف بعض من فيها من تخليه عن سلاحه غير الشرعي لصالح الدولة، سيجد في هذا النظام اطمئنانًا كيانيا يحمي وجوديته في صلب الدولة اللبنانية. وبالنسبة إلى المجموعة السنية التي تعتبر تاريخيا من مؤسسي مبدأ الحياد، ستجد في هذه الصيغة احترامًا أكبر لشخصيتها الكيانية. أما بالنسبة إلى المجموعة الحضارية الدرزية فسيؤمن لها هذا النظام استقلالية العيش مع شركائها الجغرافيين الطبيعيين. كما سيؤمن هذا النظام الجديد المرتقب للبنان الاطمئنان لأي مجموعة حضارية حتى ولو كانت قلة قليلة.

يبقى أن العبرة تكمن في الأيام القليلة المقبلة في كيفية مواكبة بكركي في طرحها الكياني. على أن يكون الأداء السياسي للقوات اللبنانية اليوم النهج السياسي الجديد الذي يجب اتباعه لتحقيق طرح بكركي لأن هذه هي الفرصة الأخيرة لاستعادة الهوية الكيانية اللبنانية قبل الانفجار الكبير. وقد أعذر من أنذر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل