الى المثلث الرحمات المطران يوسف بشارة

كتب المحامي البير يمين في “المسيرة” – العدد 1707

الحرية غربةٌ وتغرُب

الى المثلث الرحمات المطران يوسف بشارة

 

نكتب إليك يا سيدي لأننا أن صمتنا نحذف أهم ما في الوجود، أي الحرية.

لقد علمتَ يا سيدي أن ما من معضلة تقضُ مضجع الإنسان كمعضلة وجوده، وما من موضوع شغل المفكرين ـ وأنت علمٌ من أعلامهم ـ كما شغلهم موضوع الوجود منذ سقراط وأرسطو حتى هوسرل Husserlوتلميذه هايدغر Heidegger. وما الوجود؟ إنه نقيض العدم، إنه السؤال القديم ـ الجديد المتعلق بكيف نكون أو لا نكون، كيف نبقى أو لا نبقى، كيف نحيا ونموت. إنه من أكبر المسائل الشائكة التي انبرى هايدغر على دراستها واضعاً نفسه بمواجهة من سبقه.

وعلمتَ أيضاً أن الوجود قبل الفكر وقبل المعرفة، لأن الوجود أكثر إنباءً من الفكر وأكثر إنباءً من المعرفة. فالموت والحياة، الدمعة والإبتسامة، الألم والسعادة، الحب والبغض، القبول والرفض، الخوف والشجاعة، التقرير والتردد، الحرية والعبودية هي التي تكتب سفر الحياة والتاريخ والوجود.

والوجود قبل سياسة هذا الزمان الفاشلة، الفاسدة، المتلونة، الهابطة الى أدنى مستوياتها وأسفلها، وكم جاهدتَ لتكون في خدمة الحقيقة والخير والقيم. وقد علمتَ أيضاً أن الوجود في صميمه وجوهره شخصيٌ قبل الجماهير الزائفة، الفاشلة، الغائبة، المتهافتة، الغارقة في سباتها غفوة أهل الكهف، الراكضة وراء كل شيء والباحثة عن كل شيء إلا عن الحقيقة، القابعة في غفلة هذا الشرق الحزين والبائس كما ردد شارل مالك بعد هايدغر.

وتسأل الناس عن وجودهم، فيُغيِّرون الموضوع. يُحدّثونك عن ألف موضوع وموضوع إلا عن ألصق الأشياء بهم. وحده الحرُ يا سيدي يطرح سؤال الوجود. وحده الحرُ يسأل عن معنى الوجود. وأولُ الوجود الحرية. وما الحرية؟ الحرية ليست فكرة، الحرية ليست معرفة، الحرية ليست علماً، الحرية هي الناس الأحرار وأنت منهم، الحرية خطر، الحرية يقظة، الحرية صحوة، الحرية إنتباهٌ لأن الناس نيامٌ فإذا تحرروا انتبهوا، الحرية غربةٌ، الحرية تغربٌ.

كم كنت غريباً متغرِّباً يوم قُدتَ تجمّع «لقاء قرنة شهوان»: بتكليفٍ من المثلث الرحمات البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، الأشدُ منك غرابةً، لمواجهة التحديات التي عصفت بالوطن الصغير بحجمه، الكبير بدعوته ورسالته التي تُقرأُ حرية، يوم هبَّ أحرارٌ من بلادي وقد أشعل الله في صدورهم شعلة الحق والتحرر. فرُحتَ تقودُ، وتُوجِّهُ، وتُعلِّمِ، وتُدبِّر، وقد آثرت العمل على الكلام، وما أكثره هذه الأيام، فكنت غير آبهٍ إلا بما يُرضي ربَّك وضميرك.

لقد كنت غريباً متغرِّباً على مثال المعلِّم الفادي يسوع المسيح، وهو أكثر الناس غرابةً في سفرالتاريخ. إن دعوتنا في الأساس دعوةٌ الى الغرابة، دعوة المسيح غريبة، دعوة الكهنوت الذي تحمله غريبة، دعوة المسيحيين في جوهرها غريبة. الدعوة الى الحرية غريبة، الموضوع من أساسه غربةٌ وتغرُّب، يمقته من يجهله.

إنّما ما هي الغربة؟ وما هو التغرُّب؟ الغربةُ وجودٌ من فوق، حريةٌ من فوق، تهزُ الواقع الهزيل من فوق، ترفض التماثل، ترفض المألوف، ترفض الطمأنينة القاتلة، ترفض الإستعباد، فاذا بها جلاّبةٌ للمتاعب، جلاّبةٌ للمصاعب، جلاّبةٌ للخطر، جلاّبةٌ للموت، لذا، فهي مرفوضةٌ، ممقوتة، مرذولةٌ، وكم كانت عظيمة المتاعب التي جلبتها لنفسك في الفترة الاخيرة لحبريتك.

مرفوضةٌ ممّن؟ ممقوتةٌ ممّن؟ مرذولةٌ ممّن؟ ممّن هم من تحت، ممّن هم في الأسفل، ممّن هم في الأدنى، عرفتهم وعرفوك وقد غلبهم اليأس، ومات فيهم السَعي والإمكان، وأصبحوا بحسب تعبير Heidegger كالضمير الغائب: On، «هُم»، وتفسيره العدم أو لا شيء، فيقولون: ما لنا ولكِ يا حرية؟ ما لنا ولكَ يا خطر؟ دعونا في طمأنيتنا، دعونا على ما اعتدنا عليه من مألوف، دعونا على عبوديتنا، دعونا نعيش. فصرتَ لما سمعتهم ـ وأنت الحرُ ـ غريباً عنهم، فلا كنت منهم ولا هُم كانوا منك، وكم إضطهدوك يا سيدي لأن لسان حالك غير لسان حالهم.

أنت يا سيدي، كما سائر الأحرار، من عالمٍ آخر لا يأنس إليه الرافضون القابعون في الحُجُبِ. وإذ تُحدِّثهم عن الحرية كأنّ هاويةً عظيمةً تفصل بينك وبينهم، فلا هم قادرون على العبور إليك، ولا أنت قادر على العبور إليهم.

علمتَ يا سيدي منذ البدء أن الحرية معركة، ومعركة الحرية الشخصية موضوعها الحقيقة وحرية الضمير. الحرية قبل كل شيء، الحقيقة قبل كل شيء. محنة لبنان بالصميم ـ كمحنة الشخص البشري المرمي في العالم بحسب تعبير سارتر Sartreوهايدغر Heidegger ـ هي محنة الحرية والحقيقة التي إذا لم يجمع عليهما اللبنانيون فليس بمقدورهم أن يجمعوا على أي شيء آخر، لا بل إن ما هو دون الحرية والحقيقة يبقى وهمٌ وعدمٌ.

وعلمتَ يا سيدي أن معركة الحرية في لبنان هي من داخل الجماعة الواحدة، من داخل اللبنانيين، من داخل الوطن، من داخل الشعب الذي بات شعوباً بعدما تبلبلت ألسنتهم.

لقد كان قدر تجمّع «لقاء قرنة شهوان» الذي قدت حركته بإخلاص كقدر «الجبهة اللبنانية» من قبل، كقدر الكنيسة المارونية التي كنت حبراً من أحبارها الميامين الذين منَّ الله علينا بهم زمن المحن، كقدر بقية اللبنانيين المخلصين، الزود عن لبنان ولو مفردين. من طبيعة الحرية أن تكون مفردة وحيدة، فإذا ماتت أتت بثمارٍ كثيرة.

سهلٌ جداً محاربة العدو من الخارج، يقول صاحب «المقدمة»، أما أن تقف بوجه أبناء شعبك ووطنك ومجتمعك وتشهد أمامهم للحقيقة كما فعلت أنت فيا له من صليب. لقد شاءت العناية الإلهية يا سيدي أن توجد في الزمان والمكان اللذين وُجدت فيهما، تماماً كما شاءت العناية للمسيحية المشرقية، وللكنيسة المارونية تحديداً، وقدرنا أن نعيش بين محبسين: محبس المحبة والعيش الواحد، ومحبس الحقيقة وحرية الضمير، والمحبس الأول لن يقتلع منا المحبس الثاني.

لقد عرِفتَ يا سيدي كيف تحيا حُراً، أبياً، مُحباً، ومن يعرف كيف يحيا يعرف كيف يموت كما تقول الأمثولة القديمة منذ الرواقيين الذين ألهمتهم كلمة الله الفاعلة في التاريخ كما ألهمت سواهم. ليس الموت خاتمةً لمسيرة قد تقصر أو تطول، الموت وجودٌ حرٌ مع الذات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل