
لن تخلص زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لبنان من نفق الانهيار الشامل الذي تتوضح معالمه، كما كان أهل السلطة يظنون. فاجأهم الدبلوماسي الفرنسي موضحاً ان لبنان هو من يحاصر ذاته ويمعن بسياسة العشوائية بدلاً من المسارعة بتنفيذ الإصلاحات، وجاءت عبارته الشهيرة “ساعدونا لنساعدكم” لتؤكد ان الكرة في ملعب الحكم والحكومة، وهما في عالم آخر.
وأمام المطالبات بالإصلاحات لمساعدة لبنان ليس من قبل فرنسا فحسب إنما من قبل المجتمع الدولي ككل، خطوة ترثي الفساد وتقوننه تمثلت بإبطال قانون آلية التعيينات من قبل المجلس الدستوري بناء على طلب رئيس الجمهورية ميشال عون، وكأن لا رغبة بالإصلاح والشفافية أساساً، ما جعل رئيس مجلس النواب نبيه بري و”القوات اللبنانية” يمتعضان بشدة، و”الجمهورية القوية” يتحرك.
البداية، من زيارة لودريان، اذ لاحظت مصادر متابعة لجولته، أنه “بهدل” أهل السلطة ولم يتوانَ عن “المجاهرة بتحميلهم وزر الانهيار الحاصل والمسؤولية المباشرة عما وصل إليه لبنان جراء تعمدهم تأخير الإصلاحات الإنقاذية المطلوبة”.
وشددت عبر “نداء الوطن”، على “ما تضمّنت الزيارة من مواقف ورسائل فرنسية حازمة تتمحور في جوهرها حول فكرتين أساسيتين، الأولى سياسية تؤكد رهن المساعدات بالإصلاحات، والثانية سيادية تشدد على ربط الحياد بالسيادة الوطنية، على قاعدة لا سيادة من دون حياد”.
وفسرت مصادر دبلوماسية، عبر “نداء الوطن”، عدم لقاء لودريان لزعماء وسياسيين في زيارته، ان “جدول زيارته كان حافلا بالمواعيد ولم يكن بالامكان عقد لقاءات مع سياسيين دون غيرهم كي لا يفسر ذلك بانه انحياز لفرقاء معينين ومخاصمة اخرين وهذا ليس واقعيا، ولذلك اقتصرت لقاءات الوزير الفرنسي مع كبار المسؤولين مع استثناء البطريرك الماروني وذلك لتأكيد الجانب الفرنسي دعم وتأييد المبادرة التي طرحها مؤخرا لتحييد لبنان عن الازمات والصراعات بالمنطقة”.
وعلى الرغم من التفسيرات الدبلوماسية لعدم لقاء الوزير الفرنسي للزعامات السياسية الاساسية كعادة اي مسؤول فرنسي يزور لبنان، اعتبر البعض ان “سبب ذلك يعود إلى تجنب عقد اي لقاء مع حزب الله على اي مستوى كان في هذا الظرف الصعب والمعقد الذي يمر به لبنان والمنطقة، كي لا يعطى تفسيرات وتحليلات في غير محلها”.
ووفقاً لـ”اللواء”، نُقل عن رئيس مؤسسة “عامل” كامل مهنا، عن انه صارح لودريان، بأنه “يجب ان تسارعوا إلى مساعدة لبنان، قبل ان تتكرر تجربة تركيا معكم، ويتوجه النازحون إلى أوروبا، إذا انفجر الوضع، واهتز الاستقرار، وبصرف النظر عن الإصلاحات فالبلد على شفير الانهيار”.
وفي إطار الزيارة، أفادت معلومات مصادر السرايا، ان “رئيس الحكومة حسان دياب قال للودريان، “انجزنا إصلاحات عديدة وواجهتنا عقبات، وضعنا جدولا زمنيا بباقي الإصلاحات أما تلك المتعلقة بسيدر، فقد أنشأنا لجنة وزارية لمتابعتها. ونحن نريد دعم فرنسا بملف الكهرباء وفي المفاوضات مع صندوق النقد، واقرينا في الحكومة التدقيق الجنائي في مصرف لبنان لكشف الفجوة المالية وأسبابها وخلفياتها، لأننا حريصون على الشفافية، فالتدقيق الجنائي في مصرف لبنان يفتح نوافذ وأبوابا نحو المؤسسات الأخرى للتدقيق الجنائي فيها”.
لودريان الذي وجه جملة رسائل في زياراته الدبلوماسية، رفع سقف اللهجة أكثر من بكركي، إذ أكدت مصادر المجتمعين خلال زيارته الى بكركي، عبر “اللواء”، ان “الوزير الفرنسي أكّد للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وقوف فرنسا الدائم مع لبنان سياسياً واقتصادياً”.
وقالت المصادر، إن “الزائر الفرنسي كرّر امام البطريرك ان الوقوف إلى جانب لبنان يجب ان يقترن مع خطوات معينة عليه ان يقوم بها، اننا دائما نسمع من المسؤولين عن إصلاحات ولكن لم نر بعد هذه الإصلاحات”.
وكشفت عن ان “الوزير الفرنسي أبلغ الراعي انه كان عنيفاً جداً في كلامه مع المسؤولين وانه ابلغهم بأنهم لا يستطيعون ان يكملوا هيك”، مستغرباً “كيف ان لدى لبنان كل مقومات النجاح، فيما المسؤولين فيه يتركونه يغرق.
من الزيارة الفرنسية الى ابطال آلية التعيينات ما يشكل نكسة للإصلاح المنشود، اذ أوضحت مصادر حزب القوات اللبنانية أن “في فمنا وفم رئيس مجلس النواب نبيه بري ماء تجاه قرار المجلس الدستوري بإبطال آلية التعيينات والأمور لن تقف هنا وسنستكمل جولاتنا على الكتل بانتظار بلورة رؤية مشتركة حول الموضوع”.
وقالت عبر “نداء الوطن”، “كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها إمكانية تقديم اقتراح قانون معجل مكرر بهذا الشأن، والمهم أن تخرج التعيينات من مبدأ المحاصصة والمحسوبية”.
المصادر عينها أكدت عبر “الجمهورية”، انها “ستقدّم اقتراح قانون معجل مكرر بقانون آلية التعيينات، وستطرحه في اول جلسة تشريعية في مجلس النواب من أجل التصويت عليه مجدداً لإعادة وضعه حيّز التنفيذ، وبدأت التحضير لهذه الخطوة من خلال زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري الخميس، وستستكمل لقاءاتها مع رؤساء الكتل الذين صوّتوا الى جانب قانون الآلية، وذلك من اجل الضغط نحو إقرار قانون من هذا النوع لأنه لا يجوز الاستمرار في سياسة التوظيفات العشوائية، وتوظيف المحاسيب والازلام على حساب الكفاية والجدارة”.
وقالت، “بالتالي، كل من يراهن على انّ تكتل الجمهورية القوية سييأس ويسلّم بالامر الواقع بعد رفض المجلس الدستوري القانون، سيجد انّ القوات اللبنانية ستواصل سعيها في اتجاه إقرار قانون جديد تأخذ في الاعتبار فيه بالملاحظات التي استند اليها المجلس الدستوري لإبطال القانون، علماً أنّ للقوات ملاحظات كثيرة على هذا الإبطال الذي تعتبره سياسياً وغير قضائي، ولكنها ستأخذ بهذه الملاحظات لإقفال كل الثغرات التي يتحجّج بها البعض لإبقاء القديم على قِدمه، وإبقاء التوظيفات على حالها، وإبقاء الادارة خاضعة للسياسة”.
من جهتها، أوضحت مصادر المشاركين بلقاء وفد تكتل الجمهورية القوية برئيس مجلس النواب نبيه بري، عبر “نداء الوطن” أن “هناك إستياءً مشتركاً من الحال التي وصلنا إليها، والرئيس بري كان من أبرز الداعمين لقانون آلية التعيينات وسهل إقراره في الجلسة العامة وعمل على تفكيك الألغام من طريقه”.
اقتصادياً، أحد لا يعرف كيف يلعب سعر الدولار في السوق السوداء وكأن “عفريتاً” يتحكم به، إذ سجّل سعر الدولار مزيداً من التراجع الى مستويات تراوحت بين 7400 و7600 ليرة. وفسّر المراقبون هذا التراجع النسبي بأمرين أساسيين: أولاً، استمرار تدفّق الدولارات من خلال اللبنانيين العائدين يومياً عبر المطار. وثانياً، بفِعل بدء تطبيق مشروع دعم لائحة السلع الاستهلاكية، والتي أخرجت التجار الكبار والمستوردين من السوق السوداء، ونقلتهم الى التعاطي مع المصارف. مع الاشارة الى انّ كلفة هذا الدعم كبيرة ومؤذية للاحتياطي النقدي الموجود في مصرف لبنان، بدليل التراجع الذي أصاب هذا الاحتياطي، وفق التقرير الاخير عن اوضاع مصرف لبنان المركزي، وفقاً لـ”الجمهورية”.
على صعيد تطورات “كورونا”، أكد رئيس لجنة الصحة البرلمانية النائب عاصم عراجي لـ”الشرق الأوسط”، ان “تزايد الأعداد اليومية بما يفوق المئة حالة في بعض الأحيان يعود إلى عدم التزام الناس بالإجراءات الوقائية”، مشدداً على أنه “لا إقفال للبلد في ظل هذه الظروف الاقتصادية، وأثبتت النتائج العالمية أن الالتزام بالتدابير مثل وضع الكمامة وتعقيم اليدين والتباعد الاجتماعي، ستكون نتيجتهما مشابهة تماماً لنتائج الإقفال”.
ومع ازدياد نسب الإصابات بـ”كورونا”، نفى النائب عراجي فرضية أن تكون السلطات لا تعلن عن الأرقام الحقيقية، مؤكدا أن السلطات ملتزمة بالشفافية، وتعلن وزارة الصحة عن الأرقام بشكل دقيق يومياً، من دون أن يخفي أن تكون هناك إصابات أخرى لم يتم توثيقها كونها لم تظهر عليها عوارض ولم تخضع للفحوصات، قائلاً، “هذا الاحتمال وارد، ويتحدثون في الولايات المتحدة عن هذه الفرضية، لكن كل الإصابات التي يجري توثيقها مخبرياً، يتم الإعلان عنها بشفافية”.