#adsense

يا حكيم شكراً ع الحرية

حجم الخط

حتى لحريته نحن مدينون له بالحرية لنا! يا حكيم هل اخبرك احد يوما ان الصبية الصغيرة التي عاشت لحظة اعتقالك، وظنت انها ماتت ومات الوطن في لحظتها، انقلبت حياتها راسا على نضال على عناد على كرامة على شجاعة؟ وانك لحظة تحررت كانت اعدّت كل عمرها لتلك اللحظة، ولتقف امام شاشة صغيرة تراقب دوي اللحظة، ولتنفجر صراخا مجنونا ولتدور في ارضها كمن صعقتها الكهرباء ولتصرخ ليسوع “كتّر خيرك رجع لبنان ع بيتو”؟…

كنت مؤمنة اننا لن نعود وطنا مستقيما ما لم يخرج الحكيم الى ضوء الساحات والنضال من خارج القضبان. كنت كما كل الرفاق، نستقي اخباره من هون ومن هون، لنعرف هل هو بصحة جيدة، هل يأكل جيدا، هل سيسممون له الطعام كي لا يخرج ابدا… هل وهل وهل، وسؤال واحد لم نكن نسأله على الاطلاق لاننا كنا نعرف الاجابة الحتمية عنه، هل سيتغير الحكيم بعد خروجه ويصبح من منظومة السلطة؟ ولو كان قريبا لاجاب “يا قليلي الايمان”…

تنظر عيون الحكيم من كوارة الذكرى على مدى الزمن القريب الراحل. لم يمضِ الكثير بعد لننسى او نتناسى. ليسوا اكثر من 15 عاما انتقل الضوء من الشمال الى اليمين، من الغروب الى الشروق. هو انقلاب مساحة متر بمتر ونص، كانوا وقتذاك مساحة وطن، وصار الوطن كله بمساحة تلك المتر والمتر ونصف طول وعرض. يوم دخل الاعتقال، انزركنا كلنا في تلك الزنزانة الحرة، ولمّا تحرر، خرجنا كلنا وانزركنا على باب السجّان لنفسح له اولا بالخروج لنأخذ نحن النفس، لنتحرر، لنعود الى مساحات النضال المعلن، بعدما اُعتقل نضالنا كله هناك في تلك الزنزانة التي لا اراها الا سنين وساعات ودقائق مجد!

نحن نكتب الشعر وقصائد البطولة من بعيد لبعيد، لاننا لم نتلقَ العصي مباشرة، نحن وعلى مدى 11 عاما وكم شهر، كنا نعد العصي والحكيم يتلقى عنا كل شيء. كانت عصينا في النضال ضد الاحتلال السوري وهؤلاء العملاء الصغار، لكن كنا نرى الشمس والقمر، ونأكل على فيراندا الصيف ونتنعّم بالفصول وحضور العيلة والاصحاب، لكن كنا زعلانين من جوا، مهمومين، كبار في السن ونحن في بداية عمرنا، دبلانين، ورد بلا رحيق.

ليش هالزعل يا الله؟ آه إي الحكيم بالحبس. وكلما تراجعنا او انهزمنا او فقدنا بعضا من شجاعة نعش ازمة ضمير “ولو الحكيم بالحبس وانا برّا عم اتذمّر عيب عليكي يا بنت”… واكمل اكثر عنادا وشجاعة، مثلي مثل الرفاق كافة. كنا كلما تذكرنا انه بعيد خلف القضبان، كلما زاد عنادنا على المواجهة كي يستحق الرجل الكبير سنين الاعتقال تلك. “ع القليلة يعرف الحكيم انو نحنا عم نجرّب نقاوم قدّ ما فينا. خبروه انو نحنا ناطرينو تنطلع معو من الحبس، وكل قداس شهدا رح نهرّب صوره ونصلي معو للشهدا، وانو نحنا رح نرجع نشوف وجو بخير”، نرسل المراسيل مع الداخلين القلة اليه، ستريدا او بعض المحامين او الرفاق الذين حاولوا زيارته على مدار السنين.

آخر كلمة قالها للشباب وهو ذاهب بعنفوان وقبول غريب الى الاعتقال، “بشوف وجكن بخير”، الشباب اعتبروها وصية، قرروا ان يبقوا بخير ليبقى هو بخير وليستقبلوه وعلى وجوههم ليست علامات العمر، انما سمات الكرامة والنضال والوطن لـ رجع وصار بخير، وهذا ما حصل….

شاف وجنا بخير، استراح الوطن في العيون الثاقبة المتوهجة حنانا وعنفوانا. لما رأيته يعانق الدنيا لحظة انعتاقه، قررت اني انا حرة طليقة سعيدة تغمرني الحياة من كل الاتجاهات، تحررت من ذاك الشجن الغريب، وان كان في داخلي بعض من وخز ضمير، هل ادّيت واجبي صح في غياب الرجل الكبير؟ هلى استحقيت تلك التضحية الكبيرة التي لا تقارب، وهي قبوله دخول السجن ظلما؟ لا اجابة لدي حتى اللحظة، لكن كل ما اعرفه ان ما انا عليه بفضل سنين اعتقال الحكيم. انا شجاعة لانه علمني الشجاعة. انا مناضلة لاني تلقنت منه دروسا في النضال والحياة، انا اعلّق على عمري وساما اسمه “القوات اللبنانية” لانه علّمني درسا لا انساه مدى الحياة، ان تكون مؤمنا بالوطن، عليك ان تحزن وتفرح وتتعذب وتبلسم جراحاتك وتواجه الموت وتضحي و… تضحي و… تضحي. ولما خرج عرفت ان لبنان لا يستحق رجلا اقل من سمير جعجع.

لم تكن تلك حريتك حكيم بل تحررنا نحن، وصراخ وطن لاجل استرداد شمسه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل