الحياد قبل فوات أوان الجمهورية

أولاً: نصت مقدمة الدستور اللبناني على ان لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه وواحد ارضا وشعبا ومؤسسات ما يعني ان النهائية فرض وواجب على كل من يحمل ليس فقط الهوية اللبنانية بل الانتماء التاريخي والثقافي في نفسه وعائلته ومحيطه الاجتماعي والانساني. فالنهائية تفترض ان لا يكون للبناني ولاء الا لوطنه وان يكون الوطن الهدف والمبتغى الذي من اجله نكافح ونناضل.

فالنهائية معطوفة على الوحدة ركائز بني عليها الكيان اللبناني منذ العام 1920 عندما تخلى المسيحي عن حمائية الغرب والمسلم عن ذوبانه بالمحيط فباتت الواحدة اساس الثانية والثانية صمام امان الاولى ومنهما انبثقت حيادية لبنان التي بدورها اسست لميثاق 1943 واتفاق الزعيمين المسيحي الماروني بشارة الخوري ورياض الصلح المسلم العروبي.

ثانيا: ونصت مقدمة الدستور على ان ارض لبنان واحدة لكل اللبنانيين، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين، ما يعني ان النظام اللبناني من خلال نصوصه الدستورية مانع لاي شكل من اشكال توطين اللاجئين والنازحين سواء الفلسطينيين او السوريين، فما ينقص النص الدستوري في حال اعلان الحياد الا غطاء دولي له لجعله قابل للتطبيق خصوصاً ان استمرار ازمة اللاجئين السوريين في لبنان مردها في قسم كبير منها الى غياب المعالجات الدولية والاقليمية للملف. فبإعلان الحياد للبنان يتأمن هذا الغطاء الدولي الالزامي، ويتأمن للبنان منذ لحظة طلب لبنان او طلب مجموعة دولية اعلان حياد لبنان لان الحياد ينشئ موجبا قانونيا دوليا الزاميا على المجتمع الدولي بحماية النظام الحيادي للبلد واحترامه والتسليم بمتطلبات حمايته وزوده عن حياده ويأخذ على عاتقه تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة تنفيذ نتائج الحياد لجهة اخراج اللاجئين والنازحين من البلاد ليتمكن لبنان عندها من استعادة سلطته وسيادته كاملة غير منقوصة ويتمكن من استعادة السيطرة الكاملة على كامل تراب الجمهورية.

ثالثاً: ونصت المقدمة الدستورية على ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، فالشعب مكون الدولة الى جانب الارض والسلطة في مفهوم القانون الدولي ما يعني انه الركن الاساس لتكوين السلطة وحفظ الارض وارادته هي التي تسود عبر المؤسسات الدستورية واولها المجلس النيابي ام المؤسسات.

وارادة الشعب لا تعني الاجماع لان اجماع شعب قاعدة مستحيلة في اي بلد من بلدان الكرة الارضية تاريخيا وسياسيا ونظاميا وهي لو طبقت لما استقرت انظمة دول وقوانين دستورية ودولية ولما كنا في نظام دولي منتظم ونهائي المعالم لمجرد ان يكون ثمة من يناقض الاجماع او يعترض او يرفض. فاللعبة الديمقراطية والبرلمانية التي يمتاز بها لبنان بموجب دستوره تسمح للشعب بان يعبر عن رأيه وارادته السيدة بالأكثريات الموصوفة التي يتحدد على اساسها قرار او اعلان او تعديل في النظام.

رابعا: حياد لبنان ينتج عنه طبيعيا اقرار واعتراف اقليمي ودولي به ويلزم كل دولة بالتعاطي معه من منطلق حياده وعدم ارغامه او الزامه او غصبه في اتخاذ مواقف تنحاز لأية دولة من دول اي صراع سواء قريب او بعيد، وهنا نشير الى ان الحياد متى اقر وتأمن له الغطاء الدولي القانوني والدبلوماسي والسياسي واقره اللبنانيون وفقا للآليات الدستورية، يجبر اسرائيل على احترام نظامه فتنسحب مما تبقى من ارضه وتعترف بنهائية سيادته على جنوبه وكافة ترابه في مقابل استمرار حق لبنان باتخاذ المواقف السياسية الداعمة للقضية الفلسطينية والرافضة لاحتلال اسرائيل للأراضي العربية والتي يصطف فيها الى جانب اشقائه العرب من دون الدخول في مواجهة عسكرية او امنية مع اي كان.

فلبنان لطالما كان عليه ان يكون دولة مساندة لا دولة مواجهة لأنه لا يقوى ولم يعد يقوى على ان يكون راس حربة المواجهة وقد دفع اثمان باهظة من كيانه ووجوده ووحدته وامنه واستقراره وازدهاره ونموه عن الاشقاء العرب والفلسطينيين منذ ستينيات القرن الماضي.
وبالتالي انسحاب اسرائيل مما تبقى من اراض لبنانية واقرار اسرائيل بحرمة الاراضي والاجواء والمياه اللبنانية وثرواته الطبيعية والنفطية والغازية عليه دوليا وقانونيا يحيط لبنان بشبكة امان اممية تنهي الاحتلال لأراضيه من دون ان تنهي حق لبنان في ابداء مواقفه وآرائه في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وفي الوقوف الى جانب كل القضايا المحقة في المحيط والعالم وانما دون التورط مباشرة وعسكريا في اي نزاع.

خامسا: لخروج لبنان من الخيار بين الجوع والتوطين يكون الحياد لأنه ينهي التوطين وينقذ اللبنانيين من الجوع. لان معادلة الجوع مقابل التوطين لم تفرض الا لان لبنان أدخل لعبة المحاور وهو لا يقوى على تحملها، وبالتالي خروجه من صراعات المحاور يعيد اليه اقتصاده المزدهر وكرامة عيش ابنائه وسيادته واستقراره الداخلي وعلاقاته الخارجية المتوازنة والجالبة للثقة الدولية به.

وعندما يعلن حياد لبنان الدولي لا يعود بالإمكان وقوع اية ازمات اقتصادية او مالية نتيجة محاصرته من محور دولي واقليمي لكونه متورطا مع محور اقليمي مقابل فتزول تلك الازمات ما عدا ما يدخل منها في السياق الطبيعي للدورات الاقتصادية في العالم والدول عامة، ولا يعود بإمكان اية دولة او جهة دولية استغلال ازمات لبنان لا لتحريك خلايا ارهابية ولا للعبث بالأمن والاستقرار اللبناني المحلي داخليا بدولة مركزية قوية ودوليا وعربيا بشبكة امان اممية ملزمة.

سادسا: كما يمنع الحياد تدخل الدول العظمى في شؤون الدول الحيادية كسويسرا والنمسا وفنلندا وسنغافورة وسواها، كذلك الحياد الدولي للبنان سيمنع اية دولة عظمى او كبرى من التدخل في شؤونه وفرض عقوبات عليه او على اي فريق لبناني فيه من اي نوع كانت طالما ان لبنان ليس طرفا او جزء من محور عدائي لأية دولة ولا يعود بالإمكان لأية دولة عظمى او كبرى ان تسمح لنفسها بتصنيف اي فريق لبناني او معاقبة اي فريق لبناني كونه ارهابيا او ممثلا لمحور معادي من لحظة انعدام وجود اي فريق لبناني يخرج عن نظام الحياد ويقبل بان يتورط في صراعات اقليمية ودولية.

ليس في تاريخ العلاقات الدولية من قدرية وقد حفلت مسيرة شعوب وامم بمتغيرات قلبت معادلات كانت تبدو ثابتة ونهائية الا انها تبدلت وتغيرت نحو الافضل. فالدول المحايدة اليوم كانت متحاربة ومتنازعة مع سواها بالأمس. والدول المحايدة اليوم كانت محتلة ومنتهكة السيادة والاستقلال والقرار الحر بالأمس. والدول المحايدة اليوم عرفت ازمات ونزاعات وحروب واقتتال داخلي وخارجي كثيرة بالأمس. فلا احتلال يبقى، ولا ازمات اقتصادية تبقى وتستمر، ولا حروب تبقى وتستمر، ولا منازعات واصطفافات بين محاور تبقى كما هي، ولا تبعيات تستمر، ولا ازمات اقتصادية ومالية ونقدية وجوع وفقر تستمر، المهم ان نجد المعالجات الجذرية التي تأخذ بالاعتبار مصلحة ومستقبل لبنان دولة وشعبا ومؤسسات بالدرجة الاولى والاخيرة بعيدا عن اي تجاذبات اقليمية او دولية. غيرنا سبقنا فماذا يمنع ان نلحق بهم؟

فالحوار الوطني الرصين والعاقل والموضوعي والعلمي والمنطقي والمتجرد من اية احكام مسبقة وتشكيك عبثي مسبق بوطنية فريق او افرقاء والمزايد على الاخرين بالزود عن الوطن والارض والهوية أولا، ثم التوجه نحو اضافة بند الحياد على الدستور، ثم الطلب من المجتمعين الدولي والعربي الاعتراف بالحياد، ثم إلزام المجتمع باحترام حياد لبنان وفقا للمواثيق والانظمة الدولية، واعمال اليات ضمان الحياد الدولي، هكذا ينجو لبنان وينفتح على افاق مستقبل مشرق وواعد ليعود الى الدور والرسالة الذي خلق من اجلهما.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل