عهد شمعون… عندما كان لبنان سويسرا الشرق حقاً

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1708

عهد شمعون: يا ريت تعود يا زمان

عندما كان لبنان سويسرا الشرق حقاً

 

عرف لبنان عصره الذهبي خلال عهد الرئيس كميل شمعون. فقبله كانت مرحلة التأسيس والإستقلال مع الشيخ بشارة الخوري، وبعده أطلّ لبنان على قافلة من الأزمات ما لبث أن اصطدم بها ووقع في آتونها مع الرئيس شارل الحلو وما بعد. لم تكن الظروف وحدها هي التي ساعدت على حلول ذاك العصر الذهبي في عهد الرئيس شمعون، بل إن حسن إدارته للأمور ودهائه في التعاطي مع القضايا التي واجهها لبنان، سواء المؤثر سلبا منها أو الفرص السانحة والتي يتطلب التقاطها رجال دولة يخططون ويقررون، فيجلبون لدولهم الإزدهار لا الدمار. هذا ما فعله فخامة الملك، فكانت للبنان عزّته في الشرق وميزته لدى الغرب. عهد الإزدهار ذاك، أثمر في الجمهورية القوية، مؤسسات ناجحة وعلاقات واسعة وامتيازات راسخة، وإنجازاتٍ كانت حقاً إنجازات. ولم يتوقف نبض السياسة ذاك، بخروج الرئيس من الحكم، بل استمر بصيغ أخرى كان أبرزها خلال الحرب اللبنانية حيث استمر النمر عاصفة على الأرض وعاطفة في القلوب.

 

كميل شمعون الثائر

كان الرئيس شمعون قبل كل شيء وقبل كل ما حققه في مسيرته السياسية، رجلًا ثائرًا وقائدًا متفلتًا من قيود التردّد وضوابط الخوف. ومذ دخل المعترك السياسي، أطلق دينامية لافتة وميزة خاصة في تآلف الصرامة والديبلوماسية، رافقت مسيرته حتى مماته. بل أكثر من ذلك ميّزت تلك الدينامية عقودًا من زمن جمهوريةٍ حالفت الغرب وصادقت الشرق، فكان رئيسها رجل الإنفتاح والصداقات مع العالم وفتى العروبة الأغر. وكان ذاك النسق من العمل السياسي، تأسيسًا لنهج من الإستقامة وحكم المؤسسات، لم يقيَّض له الإستمرار حتى الذكرى المئوية للجمهورية، فسقط مع عهودٍ خالفت تلك المُثُل، فقوّضت المؤسسات ومعها أساسات الوطن.

ثورة النمر، قادته إلى التأسيس لجمهورية صلبة متألقة الإزدهار. فانطلقت في عهده صناعات متطورة وتوسّع قطاع الخدمات بما جعله رافدًا مهمًا للبنان، وشهد الفن بأنواعه وثبة رفعت لبنان إلى مصاف الدول العريقة بحضارتها، المتميّزة برقيها. فنشطت السياحة والمصارف ودُور النشر والملاهي والفنادق والمستشفيات، وبات النقد الوطني ذا ثقة وقيمة عاليتين لا تهزهما الأزمات. وعرف المستوى المعيشي نموًا وضع اللبنانيين بين الشعوب الأعلى دخلًا في العالم. فصار لبنان مصرف الشرق ومستشفى الشرق ودارَ نشره وملجأه الآمن وقبلة أنظار أبنائه.

 

في القطاع المصرفي

بتاريخ 26 كانون الثاني 1952، صدر المرسوم الرقم 7393 الذي ألغى آخر بقايا القيود على العملات الأجنبية، وتالياً آخر مظاهر الرقابة على القطع في لبنان.وقد جاء هذا القرار بعد سلسلة من القرارات المتصاعدة، إذ صارت كل عمليات القطع وتحويل العملات، من لبنان وإليه، حرّة من أي قيد. ويعتبر المحللون الإقتصاديون أن هذه الحرّية شكلت حجر الزاوية في نظام لبنان الاقتصادي الليبرالي المنفتح، وفي نظامه النقدي الذي استمرّ متينًا منيعًا ومميّزًا في محيطه، حتى السنوات القليلة الماضية.

إمتدت هذه النهضة التي عرفها عهد الرئيس شمعون حتى أواسط الستينات، وبالتحديد حتى أزمة بنك انترا عام 1966. وهي مرحلة عُرفت بأنها وطّدت الإنطلاقة المصرفية وانتعاشها الكبير. ولم يكن عصر «الخدمات الذهبية» عصر ازدهار النشاطات التجارية فحسب، بل كان أيضاً عصر الإنطلاقة المصرفية، حيث كان هناك تلازم بين نمو التجارة وبخاصة الإستيراد والتصدير وبين نمو المصارف.

كذلك، عرف كميل شمعون كيف ينسج علاقات خارجية ناجحة أمّنت للبنان تدفق الإستثمارات والسلع الإستهلاكية ذات المنشأ الأوروبي، كما تدفق الرساميل الخارجية إلى المصارف اللبنانية التي وفّرت البيئة الآمنة لها، فكانت مقصد الغرب والشرق. وبالتالي حجر الزاوية في انطلاقة الإقتصاد الأكثر ازدهارًا في المنطقة في ذلك الحين.

 

في النظام النقدي

في عهد الرئيس شمعون كان النقد ما يزال خاضعا لسلطة بنك سوريا ولبنان. ويذكر العديد من المؤرخين أنه عمل على ترسيخ الليبرالية المالية وتدعيم تغطية الليرة بما يجعلها أكثر متانة وثباتا. ويلفتون إلى أنها انطلاقًا من ذلك، طُرحت فيما بعد أفكار حول إمكانية اعتماد العملة اللبنانية كوحدة نقد إقليمية للتعاملات التجارية، وذلك نظرًا لمتانتها وللثقة العالية فيها.

وقد عرف الرئيس شمعون كيف يستفيد من خبرة الغرب وأموال الشرق. فبلغ لبنان من الكفاءة الإقتصادية والملاءة المالية ما جعله يُقرِض الهند مبلغ مئة مليون دولار. وكان دخله القومي يومها يساوي ضعفي الدخل القومي في ماليزيا، فيما هو لا يساوي اليوم أكثر من 15 في المئة من دخلها القومي وللمقارنة معانٍ لافتة ومؤشرات بالغة الدلالات. وإن كانت لذلك الواقع أسباب عديدة، بحسب الإقتصاديين، إلا أنهم يجزمون بأن الإدارة الحكيمة والتصميم الصادق في بناء المؤسسات، هما الأساس في نجاح الدول وازدهارها.

 

في السياحة والخدمات

وسط الوضع الذي كان يسود البلدان العربية، لناحية الإضطرابات في عدد منها والعوامل المناخية والمعيشية في البعض الآخر، شكّل لبنان واحة أمان مالي ومعيشي ومقصدا للهاربين من صيف الصحراء إلى هذه البقعة المتألقة. فكان إهتمام كبير من الرئيس شمعون في كيفية الإستفادة من هذه الفرصة، فشجع قيام الفنادق ومراكز الترفيه والمهرجانات الفنية، فاتحا بذلك الباب على أوسع مدى سواء للمستثمرين أو للسياح. وبدأت سلاسل أشهر الفنادق العالمية بافتتاح فروع لها في بيروت… فيما نشهد اليوم توالي انسحابها، بعد عقود من النجاح والتألق والذكريات الحافلة بالحياة.

هذه السياسة اجتذبت أيضا رجال الأعمال اللبنانيين للإستثمار في مشاريع سياحية ضخمة كان بينهم نجيب صالحة الذي أطلق أحد أضخم المشاريع السياحية آنذاك، فأسس شركة الفنادق اللبنانية الكبرى عام 1953 برأس مال بلغ خمسة ملايين ليرة، في شراكة مع يوسف بيدس وخليل صحناوي ونقولا بسترس. كما بوشر ببناء فندق «فينيسيا» الشهير في العام 1955.

ساهم كل ذلك في خلق فرص عمل وفورة سياحية أدت إلى زيادة واردات الخزينة ورفع مستوى الدخل الوطني، واستطرادا الدخل الفردي. وبدأت القطاعات بتنظيم نفسها وبالتوسع أكثر وزيادة كفاءتها. وفي العام 1954 وبعد الإرتفاع المطرد في عدد السياح والإقبال على ألعاب الترفيه، أصدر الرئيس شمعون مرسومًا قضى بحصر ألعاب الميسر في كازينو لبنان من دون سواه. وبعد ثلاث سنوات أنشئ الكازينو الحالي واحتُفِل بتدشينه ليلة رأس السنة من العام 1959. واستمر حتى في خلال الحرب اللبنانية من أفخر الكازينوهات ومن أشهرها في الشرق الأوسط والعالم. وقد شهد منذ تأسيسه حقبة ذهبية إذ غنّى فيه أبرز المغنين العرب والعالميين وأشهرهم وعزفت فيه أفضل الفرق العالمية.

 

في العلاقات الدولية

على الرغم من أن الرئيس شمعون كان يوصف بأنه رجل الإنكليز في لبنان، على خلفية الصراع يومها بين بريطانيا وفرنسا على النفوذ في الشرق الأوسط، إلا أن الرئيس الشاب نسج علاقات جيدة مع فرنسا بإدراك منه أن هذا الإنفتاح ضروري لتوطيد حكمه وتسهيل قيادة البلاد إلى أفضل المراتب، خصوصا أن المرحلة كانت حافلة بالتطورات الحساسة والمتطلبة لأعلى درجات الحذر في التعامل معها. كذلك أدرك الرئيس باكرا أهمية الحضور المتنامي للمملكة العربية السعودية، فنسج معها علاقات صداقة وتعاون لطالما إتسمت بالثقة والود المتبادلين.

فمنذ انتخابه في العام 1952 اعتمد الرئيس كميل شمعون سياسة خارجية معتدلة مستوحاة من ميثاق 1943. كما حافظ لبنان في تلك الفترة على علاقاته الجيدة مع مصر في السنوات الثلاث الأولى التي تلت قيام الثورة المصرية، بالإضافة إلى العلاقة الجديدة مع المملكة العربية السعودية. وإذا كان لبنان قد وقع في العام 1952 معاهدة الدفاع العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، فإنه ابتداء من عام 1954 واجهت السياسة الخارجية اللبنانية تحديات عديدة على الصعيدين الدولي والإقليمي، خصوصا في ظل حرص الغرب على إنشاء أحلاف عسكرية أبرزها «حلف بغداد».

وبعد مؤتمر «باندونغ» في العام 1955، اختار الرئيس شمعون الإنحياز إلى الغرب. وعلى إثر العدوان البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي المشترك على مصر، كان مبادرا للتضامن مع مصر من غير أن يجر لبنان إلى قطع علاقاته مع بريطانيا وفرنسا. وإثر الهجوم، دعا الرئيس اللبناني إلى مؤتمر قمّة عربي عقد في بيروت للبحث في ما يجب تقديمه إلى مصر في مواجهة العدوان. وأثبت أنه كان زعيمًا عربيًا قائدًا لا تابعًا، ورئيسًا لبنانيا يوفّق بين المصلحتين اللبنانية والعربية والعلاقات الجيدة مع الغرب.

 

في الإزدهار الإقتصادي

منذ بداية الخمسينات اضطلع لبنان بدور الوساطة التجارية ـ الخدماتية عموماً، واقترن ذلك بعاملين هما: دخول المصارف الأجنبية من الباب الواسع إلى لبنان، وقيام رأس المال الأجنبي بتنفيذ مشاريع البنية التحتية وإستثمارها كجزء من تنفيذ سياسته العامة في لبنان والمنطقة. وخلال عهده سعى الرئيس شمعون إلى تنشيط قطاع الخدمات أيضًا الذي صار يساهم بنحو ثلثي الدخل الوطني. وهذا يعود بحسب الإقتصاديين إلى بروز قطاعات خدمات جديدة كالسياحة والمصارف والمنتجعات والمستشفيات…

يُضاف إلى ذلك تلقف الرئيس المحنّك إيجابية تحوّل قسم كبير من عائدات النفط نحو لبنان بحثاً عن مجالات توظيف آمنة. فكان المتعاملون الرئيسيون مع المصارف العاملة في لبنان الملوك العرب وشركات البترول الأميركية والرأسماليون الهاربون من مصر والعراق وما لا يقلّ عن 600 ثري من الكويت، والمهاجرون السابقون الذين جنوا ثروات في المهجر وأودعوها في لبنان.

وفي أوائل الخمسينات تميّز الإقتصاد اللبناني بنشاط ملحوظ حيث بدأت شركات صناعية ومصرفية وخدماتية تدخل البورصة لتعد بورصة بيروت أفضل سوق مالية في المنطقة مع إدراجها أكثر من خمسين شركة.

 

في الأنظمة والقوانين

بما أن لا دولة قوية ولا حكم ناجحًا من دون قوانين ترعى كل مفاصل الحياة، ولأن الرئيس شمعون كان رجل دولة بامتياز، شدد على استصدار القوانين الراعية للعمل العام وعمل على تحديث القائم منها. وكان بين أبرز القوانين الصادرة في عهده، قانون «من أين لك هذا؟» الذي تم تجديده في التسعينات تحت مسمى قانون «الإثراء غير المشروع». وقانون السرية المصرفية.

ومما يُنقل عن استقامة الرئيس شمعون، مقارنة مع ما يشهده لبنان اليوم لناحية ضرب هيبة القضاء وتقويض دوره، أن شقيقه كان قاضيا منفردا وقد أنهى الرئيس حكمه من دون أن يحظى شقيقه بأي مركز مرموق في القضاء. وعندما سئل الرئيس عن السبب أجاب: «لو تم تشكيله في عهدي إلى مركز أعلى ولو مستحقه، لقيل أن الرئيس يعيّن أخاه ولأدّى ذلك إلى إضعاف الثقة بالقضاء وهذا ما لا يخدم البلد وما لا نريد حصوله».

 

في التربية والإصلاح

لم يُهمل كميل شمعون أيًا من جوانب الحياة العامة، وربما يكون هذا أبرز عوامل نجاحه. فكما ركز على السياسة الداخلية والخارجية، أهتم بالإقتصاد، وكما شدد على تحديث القوانين دفع باتجاه تحديث التعليم. وفي عهده تم إنشاء الجامعة اللبنانية، واستملاك اراضي بناء المجمّع الجامعي في الحدث، وإنشاء دار المعلمين ومدارس مهنية.

أما في مجال الإصلاح، فتم إنشاء مجلس شورى الدولة وتعديل قانون ديوان المحاسبة، وإنشاء مجالس منتخبة في المحافظات ذات صلاحيات استشارية، وتوسيع صلاحيات المحافظين، وتعديل قانون المطبوعات، وإعطاء المرأة حق الانتخاب، كماوضْعُ قانون جديد للأحزاب والجمعيات في لبنان، وتعديل قانون ضريبة الإنتقال والإرث، وقانون التسليف الزراعي والصناعي والفندقي ووضع قانون للإيجارات. وبهدف ضبط الإدارة ومنع الفساد، أقر إلغاء الحصانة عن الموظفين الإداريين. وأثبت أن الحكم هو نهج وأخلاق، وقرار بنقل الوطن والناس إلى حال أفضل. وبهذا المعنى فقط يمكن القول أن الرئيس بإمكانه تسليم البلد لخلفه بأفضل مما كان.

 

إنجازات ومفارقات

طبعًا إنجازات الرئيس شمعون كثيرة. وهي كذلك، لأن مسيرته لم تبدأ مع تبوّئه الرئاسة ولم تنتهِ بالخروج منها. والمفارقات بين ما حفل به عهده وبين بعض ما تلاه من عقود وعهود، هي أيضا كثيرة. ومن منجزات عهده تنظيم وزراة الخارجية وتحديد إختصاصاتها، وتنظيم ملاكات وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والأشغال والداخلية، وإنشاء المجلس النقابي للصحافة وفصل نقابة الصحافة عن نقابة المحررين، ووضع حجر الأساس لساحة الشهداء، وتكريس الأول من أيار عيداً رسمياً للعمال في لبنان، وإنشاء المدينة الرياضية التي تحمل إسمه، ووضع حجر الأساس لإدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية «الريجي»، وتوسيع مطار بيروت الدولي، وإنشاء المحطات الزراعية في تل العمارة، ومصلحة التعمير، والتلفون الأوتوماتيكي، وتدشين أوتوستراد بيروت ـ المعاملتين، وإقرار قانون السير، وإنشاء الحوض الثالث في مرفأ بيروت، وإنشاء مرفأ طرابلس، ومشروع الليطاني، ووضع  حجر الأساس للإذاعة اللبنانية في الصنائع. وقد عمل الرئيس شمعون على إسترداد إمتياز الكهرباء وإنشاء معمل إنتاج الكهرباء في زوق مكايل، تأسيسًا لتوسيع نطاق التغطية بحيث تشمل كل لبنان… وغيرها من المنجزات.

أما في المفارقات، فيتبيّن أن العديد مما بناه أو أرساه الرئيس شمعون تم الإنقضاض عليه وتدمير الكثير منه في ما بعد. ومن ذلك على سبيل المثال القصر الجمهوري في بعبدا الذي بدأ مخطط بنائه وشراء الأرض على عهده ليكون للرئاسة مقر يليق بها ويعطيها بعدا مؤسساتيا أعمق معنى، تم التسبب بتدميره في العام 1990. العمل على تعميم الكهرباء بات اليوم حلماً صعب المنال، وقد شهد عهده بناء معمل الذوق الحراري ومحطّة كهرباء قاديشا، ومعامل الليطاني للإنتاج الكهرومائي. إخضاع الشركات للضرائب والرسوم، فيما نشهد منذ عقود أكبر تهرّب ضريبي في تاريخ الجمهورية.

أما مشروع الليطانيّ لريّ السهل الساحليّ الجنوبيّ وسدّ القرعون فتقليدهما اليوم كلف الخزينة مئات ملايين الدولارات من غير منفعة أو جدوى.

دخل الرئيس كميل شمعون الرئاسة مكتنزا بالخبرة متحليا بالحكمة متسلحا بمحبة الناس ونجح لأنه كان وفيا لمحبيه صادقا بوعوده صلبا في كل ما يتصل بمصلحة الوطن والناس وسيادة الدولة. وهو لم يسقط بسقوط التجديد لولاية ثانية، بل استمر بعد الرئاسة زعيما وطنيا وقائد ثورة مستمرة إمتدت حتى رحيله، متوّجة بنضالاته وتضحياته خلال الحرب لا سيما في فترة ترؤسه الجبهة اللبنانية.

صحيح أن عهد الرئيس بشارة الخوري كان عهد التأسيس وتثبيت المداميك الأولى للإستقلال. لكن عهد الرئيس شمعون كانت عليه مسؤولية استكمال البناء وسط تناحر محلي وأزمات إقليمية وتدخّل دولي. فبادر فور تسلمه مقاليد الحكم إلى إطلاق ورشة عمل واسعة. وكل مشروع كان يخطط له بدقة ويخصص له فريقا من الإختصاصيين لدراسته ودرس جدواه، مما يضمن نجاحه أو صرف النظر عنه.

وفي عهد الرئيس كميل شمعون تحولت بيروت تدريجاً الى علاقات أوثق مع بريطانيا والولايات المتحدة بصورة خاصة، ورياح الغرب جاءت بشركات النفط، والمصارف، وعائدات الترانزيت، وتوسع حركتي النقل الجوي والبحري، وتعدد بيوت المشورة. وذلك على الرغم من الظروف السياسية الصعبة التي رافقت عهد كميل شمعون لا سيما على المستوى الإقليمي. لكن كل ذلك لم يثنه عن المضي في إنجازاته الإصلاحية والحضارية على المستوى الداخلي، فانتقل لبنان معه إلى عصر الحداثة والازدهار. وانطلق معظم الصناعات اللبنانية من الأقمشة والحديد والإسمنت وغيرها. وكان مستوى التعليم في لبنان من أفضله عالميا.

لكن تداخل السياسة المحلية مع السياسة الخارجية في عهد الرئيس شمعون كان واضحا. وتأثر لبنان بأحداث سلبية عديدة منها:

العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 ورفض الرئيس شمعون قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا، ما أدى إلى استقالة حكومة الرئيس عبدالله اليافي.

قيام الوحدة المصرية – السورية بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر في شباط 1958.

قيام الجبهة الوطنية المعارضة التي نشأت بعد انتخابات العام 1957 بالتمرّد السياسي والشعبي المسلّح في بداية صيف 1958.

حصول إنقلاب في بغداد أطاح الملكية ورئيس الوزراء نوري السعيد، وبالتالي سقوط حلف بغداد في 14 تموز 1958.

عملية إنزال الجيش الأميركي على ساحل بيروت في 15 تموز 1958 أي بعد يوم واحد من حصول إنقلاب بغداد.

ولكن على الرغم من كل هذه المعوقات وغيرها، عرف عهده إزدهارًا ماليًا واقتصاديًا غير معتاد. وقد بدأت تظهر في الوقت ذاته عمليات النزوح من الداخل إلى ضواحي المدن للعمل والكسب المادي.

… في الثالث من تموز 2020 صدحت الموسيقى في أرجاء معبد باخوس تحت عنوان «علّي الموسيقى» من غير جمهور حفاظا على تقليد مهرجانات بعلبك، وربما هناك كثر لا يعلمون أو لم ينتبهوا أن هذه المهرجانات هي أيضا من إنجازات الرئيس شمعون، الذي استمر كما بعلبك، لم تهزه العواصف بل كان خارج الحكم كما داخله قائدا فذا وسياسيا محنكا، لم تغره المناصب ولم تنل منه المتاعب. فاستمر لاعبا أساسيا في الأحداث حتى مماته وقدوة للحكم الرشيد لمن شاء الإقتداء.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل