رغم “صبيانية” السلطة… طريق باريس الضاحية مفتوحة

بين ليلة وضحاها، انتقل رئيس الحكومة حسان دياب من مهاجمة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، بسبب ربطه أي مساعدة للبنان بتحقيق إصلاحات، إلى محاولة استلحاق يائسة خلال استقباله وفداً من السفارة الفرنسية، الخميس الماضي، مشدداً على العلاقات اللبنانية الفرنسية العميقة والمتجذرة في التاريخ وفي القيم المشتركة.

وإن لم تعد مواقف رئيس الحكومة المتناقضة تفاجئ أحداً، غير أن ثمة من ربط بين تراجعه الأخير خلال ساعات وبين رسالة تلقاها من حزب الله، ألزمته بالتراجع عن موقفه من مهاجمة فرنسا. فالحزب لا يرى أن التصعيد مع باريس واستعدائها يخدم مصالحه في اللحظة الراهنة الحرجة، حيث الحصار يطبق عليه وعلى حكومته، والعقوبات إلى تصاعد، وموعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقترب.

العميد المتقاعد خليل الحلو، يرى، أن “تخبط الحكومة غير مستغرب، فهي حكومة تحت سقف حزب الله وحلفائه، ولا شيء يدعو إلى العجب في حال اتخاذهم مواقف ضد العالم الغربي، الفرنسي وغيره. لكن هذا لا يعني أن الاتصالات مقطوعة بين فرنسا وحزب الله، إنما الطريقة التي استخدمها دياب ووزير الداخلية محمد فهمي في انتقاد وزير الخارجية الفرنسي، لم تحصل في تاريخ الدبلوماسية”.

ويضيف، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، “لودريان شدد على مقولة ساعدوا أنفسكم لنساعدكم، وبلهجة توحي أن الفرنسيين يرغبون بمساعدة لبنان ومتحمسون لذلك. والرد الذي حصل من قبل رئيس الحكومة ووزير داخليته، غير مقبول. حتى ولو اعتُبر أن الأرقام التي طرحها لودريان غير صحيحة، فلا يمكن الخروج إلى الإعلام ومهاجمة دولة هي الوحيدة التي لا تزال تساعد وقدمت ملايين اليورو للمدارس كي تبقى صامدة”.

ويلفت إلى أن “ما حصل لا يجوز، حتى وإن كان لدى الحكومة رأي مغاير وأرادت الرد، ترسل بطلب السفير الفرنسي وتبلغه احتجاجها وتطرح أرقامها وتطلب من فرنسا مراجعتها، لا بقول كلام سخيف يجعلنا نخجل أننا لبنانيون”.

أما عن اللقاء الذي تردد أنه حصل بين لودريان وحزب الله، يوضح الحلو أن “العلاقات غير مقطوعة بين فرنسا وإيران، وهناك شركات فرنسية لا تزال تعمل في إيران. والفرنسيون لا يزالون متمسكين بالاتفاق النووي مع طهران، وهناك خلاف بين باريس وواشنطن حول هذا الموضوع، إذ يفضل الفرنسيون حلّ الأمور في لبنان والمنطقة بالطرق الدبلوماسية لا بالعقوبات والانسحاب من الاتفاق”.

ويعتبر أن “العلاقة بين فرنسا وإيران، وبالتالي مع حزب الله، لا تدعو إلى التعجب”، موضحاً أن “هذا موقفاً فرنسياً لا يرتبط بلبنان فقط، بل بطريقة رؤية الفرنسيين لمصالحهم في الشرق، والتي تتناقض أحياناً مع مصالح الولايات المتحدة. لكن مصلحتَي باريس وواشنطن تتلاقى في ملفات كثيرة من جهة أخرى. فعلاقة الفرنسيين جيدة بالدول العربية عامة والخليجية خاصة، وعلاقتهم جيدة أيضاً مع قطر، والأمر ذاته بالنسبة للأميركيين. لكن العلاقة بين واشنطن وطهران سيئة ومقطوعة، بينما العلاقات مستمرة بين فرنسا وإيران، والسفير الفرنسي موجود في إيران وكذلك السفير الإيراني في باريس”.

ويلفت إلى أنه “بناء على ذلك، لا استغراب ولا جديد في أي لقاء فرنسي مع حزب الله، فهذه سياسة فرنسية واضحة ومستمرة، لكن العتب من تصرفات الحكومة اللبنانية الصبيانية واللامسؤولة تجاه دولة ساعدتنا وتبدي رغبتها في مساعدتنا، وهي الوحيدة التي لا تزال في كل المحافل الدولية تدعم وتقف إلى جانب لبنان على الرغم من كل ما هو فيه. هذا غير مقبول”.

حول ارتباط مساعدات صندوق النقد بالمطالب السياسية وسيطرة حزب الله على الحكومة، يوضح الخليل، أن “الجميع في العالم يعرف ذلك، لكن لا أحد يربط علانية بين سلاح حزب الله وموضوع الإصلاح”.

ويضيف، “المساهم الأكبر في صندوق النقد هو الولايات المتحدة، تليها اليابان ثم ألمانيا وفرنسا والدول الأوروبية. وهذا الصندوق لا علاقة له بالسياسة، ولا يوزِّع إعانات، بل يقوم بمنح قروض وديون للدول بفوائد مالية، وقبل أن يوافق على استدانة أي دولة يطلب معرفة كيفية استرجاع الديون ليضمن استعادة أمواله، كأي مصرف تجاري. ولم تنجح الحكومة حتى الآن في اقناع موفدي الصندوق بجديتها في الخطوات الإصلاحية وقدرتها على سداد الديون في المستقبل”.

ويشدد على أن “وزير الخارجية الفرنسي، أو الألماني أو الياباني وحتى الأميركي مايك بومبيو، لا يمكنهم التأثير على قرار صندوق النقد الدولي. من يمكنه التأثير في قراراته هي وزارات المالية في الدول المساهمة، أي وزارة الخزانة الأميركية ووزارة المالية الفرنسية، وهكذا دواليك”.

ويشير إلى أن “فرنسا خائبة من تصرفات الحكومة اللبنانية، لأنها تخشى من أنه في حال وصول لبنان إلى حالة من عدم الاستقرار، سيكون هناك أضرار تتخطى لبنان إلى المنطقة وصولاً إلى أوروبا والعالم. بالتالي يجب وضع الأمور في إطار غباء السلطة الحاكمة في لبنان، ولا مسؤولية المسؤولين، وعدم الوعي لما يقومون به، وفي إطار أن دول العالم راغبة بمساعدتنا ونحن لا نساعد أنفسنا”.

ويستطرد أن “الموقف الأميركي من حزب الله معروف، وبينهم وبينه وإيران جردة حسابات عمرها 40 عاماً، ويعتبرون أن حزب الله قتل أميركيين ويقوم بعمليات إجرامية داخل الولايات المتحدة. أما الفرنسيون فموقفهم أكثر اعتدالاً. بينما بريطانيا وألمانيا وضعتا حزب الله على لائحة العقوبات وحظّرتا نشاطه على أراضيهما، لكن ذلك لا يتصل مباشرة بالوضع اللبناني وسلاح حزب الله، بل بممارسته أنشطة لا تتناسب مع مصالح هذه الدول وتشكل تهديداً على أراضيها”.

أما بالنسبة إلى الوضع على الحدود الجنوبية، فيرى الحلو “ألا إرادة في التصعيد، لا من حزب الله ولا من إسرائيل. فلا أحد من الطرفين يبدو متحمساً للدخول في حرب، والستاتيكو القائم هو الخيار الوحيد المتاح في الوقت الحاضر للمحافظة على تهدئة الوضع”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل